إليوت والوحدة العضوية بين الحس والفكر والصورة

الأحد 2014/02/09
ت. إس. إليوت هو الشاعر الأمهر في عصره كما سماه إزرا باوند

من كتب النقد الأدبي الرصينة التي صدرت حديثا عن منشورات جامعة كامبريدج ببريطانيا كتاب جون كسيروس كوبر أستاذ اللغة الإنكليزية وعميد كلية الفنون بجامعة كولومبيا البريطانية بأميركا ويحمل عنوان “مقدمة كامبريدج لطوماس سترنز إليوت”.

يمثل هذا الكتاب بفصوله الأربعة دراسة ممتعة ومركزة خص بها هذا الدارس حياة الشاعر إليوت والسياق التاريخي الذي عاش فيه، وتكوينه الأكاديمي الفلسفي والتأثيرات المختلفة التي أثرت في تجربته الشعرية ، وكتبه الفكرية والنقدية مثل ” فكرة المجتمع المسيحي ” و” استخدام الشعر واستخدام النقد”، و”ملاحظات حول تعريف الثقافة “، وأعماله الشعرية الأساسية والشهيرة مثل ” أغنية حب لألفرد بروفرك ” و” الرجال الجوف ” و”الأرض الخراب” و” الرباعيات الأربع ” التي نال عنها جائزة نوبل للآداب في عام 1948.


مهمة الشاعر


أود هنا أن أركز على نقطة واحدة وهي فكرة هامة قد ركز عليها المؤلف جون كوبر كثيرا في كتابه هذا وهي فكرة المعادل الموضوعي عند الشاعر إليوت. في هذا السياق يرى الدارس كوبر أن فترة العشرينات من القرن العشرين قد وفرت للشاعر والمفكر إليوت المناخ لكتابة قصيدته الشهيرة وهي ” الأرض الخراب” التي استخدم فيها تقنية المعادل الموضوعي بكثير من النجاح، ويمكن رصد تفاصيل ذلك المناخ في الأزمات الفكرية والروحية التي مر بها فضلا عن مآزق زواجه. منذ البداية ينبغي التذكير أن إليوت قد دشن واستخدم تكنيك المعادل الموضوعي نظريا واستخدمه تطبيقيا ليحقق هدفا رئيسا في تجربته الشعرية والفكرية معا ويتمثل هذا الهدف في توجيه ضربة قوية للمذهب الرومانتيكي الشعري الذي يرتكز على أساس نظري يؤكد معتنقوه أن الذي يتكلم في القصيدة هو الشاعر وذاته الفردية.

كما نعرف فإن إليوت قد أشار إلى عكس هذا المعتقد الرومانتيكي في مقاله الشهير” التراث والموهبة الفردية” حيث أبرز بوضوح كامل أن مهمة الشاعر الحديث لا تتمثل في التعبير عن شخصيته وإنما تتمثل بالضرورة في الهروب منها. ولكي ينجز إليوت هذا فقد قام باقتراح تكنيك شعري دعاه بالمعادل الموضوعي. أعتقد أن تأسيس إليوت لنظرية المعادل الموضوعي التي لعبت دورا مهما في كسر تمركز الشاعر داخل قصيده في العشرينات من القرن العشرين تعني أنه كان قد سبق النقاد المعاصرين الذين صاغوا نظرية موت المؤلف أمثال رولان بارط وغيره بسنوات كثيرة جدا.

هنا ينبغي أن أذكَر القراء أن الدارس العربي الدكتور فائق متَّى كان قد تحدث عن هذا التكنيك ولمسه خفيفا وذلك في رسالته الجامعية التي أنجزها ببريطانيا في عام 1965 ولكنه لم يتعمق فيه سواء في جانبه النظري، أو في التطبيقات التي نجح إليوت غالبا فيها، وزيادة على ذلك فإن الدكتور فائق متّى لم يناقش تأثير هذا التكنيك على تطور الشعر الحديث. إنه رغم هذه النقائص فإن الدكتور متّى يعد من أوائل الدارسين العرب الذين لفتوا الانتباه إلى تقنية المعادل الموضوعي التي تعتبر من ركائز الحداثة الشعرية. فالشاعر إليوت لم يستخرج نظرية المعادل الموضوعي من التجارب الشعرية التي درسها مثل تجارب الشعراء الرمزيين أو الميتافيزيقيين، أو حتى من التجربة الشعرية للشاعر الإيطالي دانتي الذي فتن به واعتبره سلفه الأكبر بل قد استنتجها بأثر عكسي لقراءته النقدية لمسرحية ” هملت “ لشكسبير التي قد عاب عليها فقدانها للمعادل الموضوعي للتعبير عن شعور والدة هملت بالذنب، وعن قلق ابنها هملت نفسه.

المعادل الموضوعي في الحداثة الشعرية


الوقائع الخارجية


يعرّف إليوت المعادل الموضوعي كالتالي: “إن السبيل الوحيد للتعبير عن الوجدان في الفن هو إيجاد المعادل الموضوعي أو بعبارة أخرى، إيجاد مجموعة من الأشياء، أو المواقف أو سلسلة من الأحداث لتصبح صيغة (وصفة) لذلك الوجدان الخاص ذاته، حتى إذا صارت الوقائع الخارجية معطاة، (والتي يجب أن تنتهي إلى خبرة حسية) فإن الوجدان يكون قد أثير فورا”.

وهنا نتساءل هكذا: كيف يعمل المعادل الموضوعي في التطبيق؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تدفعنا إلى توضيح مجموعة من القضايا ذات الصلة بتقنية الكتابة الشعرية من منظور الشاعر توماس إليوت. فالشاعر إليوت لا يرمي إلى التعبير عن التجربة الشعرية الدرامية بالكلمات بل إنه يرمي مثل معاصره أزرا باوند، الذي يشهد له بأنه الشاعر الأمهر في تأكيد ” الوحدة بين الحس والفكر، وحضور الفكرة في الصورة” حسب تعبير الناقد الأمريكي ف.ا. ماثيسن. وبعبارة أخرى فإن إليوت يستخدم تكنيك المعادل الموضوعي للتمكن من وضع الفكرة في العاطفة وليس العكس. فالشاعر الذي يعبر عن القلق وتداعياته بالكلمات مع ذكر الإحساسات المتولدة عنه لا يوظف المعادل الموضوعي، أي أنه يكتفي بالجانب المباشر والخارجي، في حين أن الشاعر الذي يلجأ إلى أشياء، ومواقف، وأحداث تثير في القارئ القلق ذاته الذي تريد القصيدة أن تنقله وتعبر عنه فهو يستخدم تكنيك المعادل الموضوعي. لننظر في هذا المقطع من قصيدة إليوت أغنية حب ﻠ (ج.ألفرد بروفرك) الذي يتحدث فيه عن شيخوخته، وفقدانه للأمل في أن يجد امرأة تحبه:

” هل أفرق شعري من الخلف؟

وهل أجرؤ أن آكل خوخة؟

سأرتدي سروالا من الفانلة البيضاء وأسير على الشاطئ.

لقد سمعت حوريات البحر يغنين لبعضهن البعض.

لا أعتقد بأنهن سيغنين لي”.

إنه بدلا من أن يقول بأنه كبر في السن، ولم يعد يلفت انتباه النساء الجميلات مثلما هو حظ الشبان الذين كانوا يمارسون موضة تقسيم شعرهم من الخلف، ويلبسون سراويل مصنوعة من الفانلة البيضاء، فإنه يكتفي بسرد سلسلة تلك ” الوقائع″ التي لا يجرؤ هو أن يفعلها.


وجدان بروفروك


إذا كان بروفرك لا يجرؤ أن يأكل خوخة فذلك إشارة غير مباشرة إلى كبر سنه وعجزه، وإلى سقوط أسنانه، فكيف يمكن له وهو في هذه الوضعية أن تغني له حوريات البحر؟ إن هذه الوقائع التالية في تجاورها، وانثيالها التدريجي هي الــ” صيغة ” التي توفر المعادلات الموضوعية لوجدان بروفرك ذاته، وهي التي تولد بالتالي الخبرة الحسية وتثير الوجدان فورا.

وبعبارة أخرى فإن سلسلة هذه الوقائع هي المعادل الموضوعي المعبر عن حال وجدان بروفرك والتي تتمثل في “التردد في تقسيم شعر رأسه من الخلف تمشيا مع الموضة التي ولع بها الشبان في ذلك الوقت، وفي عدم جرأته أن يأكل الخوخة التي تلمّح إلى فقدانه لأسنانه، وفي الدوران في فلك وعد نفسه بأن يلبس مثل الشبان سراويل بيضاء من الفانلة دون أن يتحقق ذلك الوعد، وفي نفيه للاعتقاد بأن تغني له حوريات البحر”. إن هذه الوقائع هي التي تثير في وجدان القارئ عجز بروفرك، وعزلته، وتردده، وخواءه الداخلي، وفرط كبر سنه ولقد استخدمها إليوت بهذه الكيفية ولم يلجأ إلى التصريح المباشر الذي هو سمة الشعر التقليدي.

13