إماراتيات يتذكرن رمضان الزمن الجميل: التراث مازال حيا

تبقى لشهر رمضان في دولة الإمارات العربية عاداته وتقاليده وطقوسه وذكرياته في الكثير من جوانب الحياة التي يعيشها الجميع في رمضان اليوم. وتلك العادات والتقاليد والطقوس الرمضانية تختلف في الإمارات عن سائر أشهر السنة، إذ أنه شهر صلة الرحم واللقاءات الأسرية وجلسات السمر حتى السحور. ولرمضان زمان طقوس خاصة فرضتها صعوبة الحياة، فكانت المرأة الإماراتية سند الرجل في التغلب على مصاعب الحياة وتدبير شؤون البيت والاستمتاع بطقوس ثلاثين يوما من الصيام.
الثلاثاء 2017/06/06
رمضان زمان في الذاكرة

أبوظبي - تبقى لرمضان زمان نكهته المختلفة حسبما يستذكر كبار السن، فمع قدوم شهر الصيام كل عام تعود ذاكرة كبار السن إلى الوراء لاسترجاع بعض الذكريات الجميلة والأحداث الأجمل المرتبطة بشهر رمضان وسهراته التي كانت تضفي على الإماراتيين سعادة وتميزا أكثر من غيره من شهور السنة.

وبغض النظر عن بقاء أو غياب تلك المظاهر والعادات الرمضانية القديمة، فإن الذاكرة الإماراتية لم تنسها، فالأجداد والآباء يبوحون بها على موائد الإفطار وفي كل مناسبة ومكان لتبقى محفورة في عقولهم كونها إرثا حضاريا يستحق التدوين في الكتب والتاريخ.

طقوس رمضان زمان جميلة عندما كان الماضي جميلا رغم بعض مرارته ورغم الفقر وكذلك كانت المودة والمحبة، أما الآن فالجميع مشغولون ولا يجدون الوقت للزيارة أو شرب القهوة مع الأسرة والأقارب، فالكل منهمك بمشاغله وحتى داخل الأسرة نفسها تغيرت الأمور والأحوال ولم تعد موجودة تلك الأسر الكبيرة التي تسكن منزلا واحدا إذ أصبح لكل شخص مسكنه الخاص، فاقتصر التواصل على القليل من الزيارات واللقاءات في المناسبات وكثرت الرسائل القصيرة “المسجات” بين الناس.

وما يميز شهر الصيام في الماضي تلك العادات والتقاليد الاجتماعية الطيبة والتي نجدها في أيام وليالي رمضان من حيث التجمع في مكان واحد وأسرة واحدة مع السمر والسهر، وهي في مجملها تعطي النفس الصفاء والنقاء، أما اليوم فيخرج الشباب بعد الإفطار للنزهة في “المولات” المراكز التجارية والمقاهي يتناولون العصائر ويأكلون الحلويات الغريبة التي لم يكن لها وجود قبل نصف قرن.

الجار يتبادل الطعام مع جاره فإذا كان عنده خبز ولم يستطع توفير السمك أو الدجاج يلجأ إلى جاره ليكمل له الوجبة

رمضان هذه السنة يأتي في ذروة فصل الصيف وشدة الحر، ما يخلق مناسبة جيدة للشباب من جيل اليوم ليستذكر شهر الصوم في العقود الماضية ومعاناة الآباء والأجداد عندما كان يحل رمضان في أيام الصيف الحارة في ظل إمكانيات بسيطة وبالغة الصعوبة.

هذه المعاناة تتضاعف إذا عرفنا أن مهنة الآباء والأجداد كانت تنحصر إما في الغوص أو الرعي أو الزراعة، وكلها تمارس في أماكن مكشوفة تحت أشعة الشمس الحارقة، لذا فإنهم يعانون من متاعب في النهار بسبب الجوع والعطش لدرجة أن البعض منهم يضطر لرش ثيابه بالماء البارد أو يضع قربة الماء فوق جسده إذا خلد للراحة لعدم وجود أجهزة تبريد في ذلك الوقت باستثناء “المهفة”، وهي قطعة يدوية مصنوعة من الخوص ولها مقبض خشبي مصنوع من جريد النخل.

وكانت المرأة الإماراتية في القديم تضطلع بمهام صعبة طيلة السنة وتزداد خلال شهر رمضان في زمن لا تتوفر فيه المواد الغذائية في المحلات والمولات كما اليوم، كما لم تكن أجهزة التبريد والحفاظ على الأكل كما في عصر التكنولوجيا اليوم.

تتحدث عائشة سلطان عبدالله (75 عاما) عن رمضان قديما من خلال ما تحتفظ به في الذاكرة عن العادات الرمضانية القديمة والتقاليد الأصيلة والأكلات الشعبية التي لها نكهة خاصة وارتبطت برمضان ارتباطا وثيقا رغم غزو الكثير من الأكلات الرمضانية الحديثة، وأنواع المعجنات والفطائر والعصائر المبردة التي لم يكن يعرفها الناس في ذلك الوقت من الزمان.

رمضان ما بين الأمس واليوم

تقول عائشة “اليوم كل شيء تغير حتى أنواع الوجبات الرمضانية الشهيرة والقديمة وطرق صناعتها والتي اندثر بعضها بفعل دخول المدنية الحديثة”.

وتضيف “إن هذا الشهر الكريم شهر الخيرات ومضاعفة الحسنات، ومن خلاله ارتبط الإنسان الإماراتي بعادات وتقاليد متنوعة في طريقة استقباله والاستعداد له لما له من روحانية وشوق كبير لغائب ينتظره الجميع وكانت تسود بيننا المحبة والألفة، وكان الجار يعرف جاره ويعطف عليه ويهدي له من أصناف الأطعمة الشعبية، والغني يتفقد أحوال الفقير ويملأ منزله بكل أصناف الأطعمة الرمضانية”.

رمضان الأمس

تبدأ الاستعدادات لرمضان منذ أواخر شهر شعبان إذ يستعد الجميع لاستقبال الشهر بشوق ولهفة لأنه شهر الرحمة والغفران وشهر التواصل وتبادل الزيارات بين الجيران وتبادل الأكلات أيضا، فكل جار يهدي جاره ويطعمه من فطوره.

وتقول عائشة “إن الجميع يستعد للصوم حتى الأطفال يصومون من عمر 7 سنوات وأكثر وبعضهم يصبر والبعض الآخر كان يختلس الطعام ليأكل من دون أن يراه أحد من أهله وهكذا حتى يتعود على الصيام”.

وتضيف “تبدأ النساء بتجهيز وجبة الإفطار من هريس وعيش ولقيمات وخبيصة وفريد والخبز المحلي، وهذه أشهر الأكلات الشعبية الدارجة في شهر رمضان”.

وتتابع “كل يوم تحرص ربة المنزل على طهي نوع من إحدى هذه الأكلات لأن الأهالي يتبادلون الطعام في ما بينهم”.

ويختار الرجال قبل هذا الشهر مكانا لإفطارهم يجهزونه ليجتمعون فيه مع بعضهم البعض، ويحضر كل واحد منهم طعام إفطاره ويجتمعون في هذا المكان حيث يفترشون الرمل أو الحصير ويعتادون على الإفطار فيه كل يوم طيلة شهر الصيام.

وبعد الإفطار يتفرق الرجال لأداء صلاة المغرب ومن ثم يتجمعون مرة ثانية في نفس المكان بعد صلاة العشاء، وكذلك النساء يجتمعن كل يوم في منزل إحدى الجارات لتناول طعام الإفطار ثم يجتمعن بعد صلاة العشاء للسمر.

وتقول عائشة “كان الجار يتبادل الطعام مع جاره وإذا لم يستطع استكمال وجبة إفطاره يطلب من جاره ما ينقصه لتكتمل، فإذا كان عنده عيش ولم يستطع توفير السمك أو الدجاج يلجأ إلى جاره ليكمل له الوجبة وهذا نوع من التراحم بين الناس إذ كانوا يأخذون الطعام من عند بعضهم البعض بكل أريحية وود”.

ربة البيت تقوم منذ الصباح الباكر بإعداد المياه المبردة بوضعها في إناء فخاري يسمى الحب، وإغلاقه بقطعة من الخيش (القماش)

وقبل أذان المغرب بساعة تتسارع خطوات الصبيان والفتيات حاملين أطباقا من الطعام وعائدين بأطباق أخرى، إذ كان يتم تبادل الأطباق والأكلات بين الجيران وعلى مستوى الحي طيلة الثلاثين يوما دون ملل أو كلل.

تستطرد عائشة في حديث الذكريات الرمضانية أيام زمان فتقول عن الوجبات الشعبية “نجهز الحب أو ما يعرف بالقمح بأنفسنا وندقه في أداة تسمى ‘إيوان’ مصنوعة من الخشب تشبه الهون، ولكن حجمها أكبر ولها مدق طوله متر ونصف المتر، ندق فيها القمح ونرشه بالماء وننسفه وننظفه من القشور التي تستخدم كعلف للحيوان تسمى ‘سبوس” ونضع القمح بعد إزالة قشوره في قفة لكي يستخدم لصنع الهريس، وأحيانا ندقه في نهار رمضان، كل يوم لأن الكمية كانت بسيطة وقليلة. في الماضي كنا لا نعرف الحب الجاهز المتواجد الآن في محلات البقالة، أما الطحين فيأتينا من السوق جاهزا، وأحيانا نأخذ حب البر ونطحنه في الرحى لنصنع منه خبزا. ونجهز القهوة فنحمسها وندقها في المنحاز وكذلك نجهز البهارات بالطريقة نفسها”.

وتضيف “أن الإنسان ابن بيئته كما يقولون، حيث كنا نعتمد على جهودنا الذاتية في تبريد المياه، وتقوم ربة البيت منذ الصباح الباكر بإعداد المياه المبردة بوضعها في إناء فخاري يسمى الحب، وبعد ملء هذا الإناء الفخاري تقوم بإغلاقه بإحكام بقطعة من الخيش ‘القماش’ حتى لا تدخل إليه الحشرات، ويتم وضعه في مكان بارد حتى يتعرض للهواء الطبيعي الذي يضفي على الحب برودة ويلطف الماء فيها ليتم شربه باردا مع موعد أذان المغرب، ولماء الحب نكهة خاصة مازلنا نفتقدها حتى اليوم رغم وجود الثلاجات الكهربائية ووسائل التبريد الحديثة”.

السمر والسهر في رمضان

إيقاع الحياة عند البدو

يتحدث المواطن خلفان محمد خلفان الغفلي (65 عاما) من أهل البادية بإمارة عجمان عن حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي التي عاصرها، فقال إن الفارق كبير جدا لأن إيقاع الحياة كان هادئا منتظما، واحترام الصغير للكبير كان واضحا ولهذا كنا جميعا نتعلم ممن هم أكبر منا ونحاكيهم في سلوكهم الراقي، أما اليوم يتصور الشباب للأسف أنهم أفضل حالا ويستطيعون عمل ما لم تستطعه الأجيال السابقة.

و يضيف “كان أهل البادية ينتقلون خلف العشب والمراعي الخصبة، ومن عاداتنا في شهر الصيام أن نستقر ونقضي شهر رمضان في مكان واحد، ولا ننتقل خلال الشهر إلا بعد العيد حيث نشيد بيوت الشعر ونقيم حيث يوجد العشب والكلأ، والماء كان متوفرا من خلال الآبار الموجودة في المنطقة”.

وعن تحري الشهر يقول الغفلي “كان البدو يتحرون رؤية هلال رمضان بشوق ولهفة حيث يجتمع رجال البادية ينتظرون الهلال بفارغ الصبر حتى لو كانت الغيوم تحول دون رؤيته ينتظرون إلى أن تتضح الرؤية ويطلقون طلقات نارية من بنادقهم استبشارا بهذه المناسبة ويتبادلون التهاني”.

وحول الاستعدادات لهذا الشهر، يضيف “عادة ما تبدأ من آخر شهر شعبان حيث نأخذ ركابنا ‘الإبل’ ونحمل الحطب والصخام والحشيش والثمام ونتوجه إلى السوق من مقر خيامنا في منطقة الحليو بعجمان ونبيع ما توفر لدينا ونشتري مؤن رمضان من عيش وقهوة وطحين وكلها أشياء بسيطة، عكس اليوم، التطور والحداثة ألقيا بظلالهما على واقعنا فتبدلت أحوال الأسواق وطغت المراكز التجارية على الأسواق الشعبية وزادت الرواتب، وعندما يذهب الإنسان للتسوق يشتري من كل صنف ونوع”.

ويستطرد الغفلي “بعد شراء مؤن رمضان نعود إلى خيامنا ونبدأ بالاستعداد لاستقبال شهر الصيام ونبني حضيرة من الخوص والسعف لتكون مقرا لنا نؤدي فيه الصلاة ونستمع للذكر وتدبر القرآن، وتكون كمجلس حيث نقضي فيها أوقاتنا ونفطر فيها ولا نسمع الأذان نظرا لقلة المساجد ولكن نعرف موعده بالفطرة.

وفي الشتاء عندما تغيب الشمس لا نفطر إلا عندما يسدل الظلام سواده على المكان، واليوم تبدلت الأحوال فصوت الأذان نسمعه عبر العشرات من القنوات التلفزيونية أو نستقبله من خلال الرسائل النصية القصيرة أو الإنترنت”.

ومازال مجتمع الإمارات يحافظ على عادة إقامة الولائم الرمضانية لإفطار الصائمين، إذ مازالت بعض المنازل تفتح المجالس الرمضانية وتدعو الأهل والأصدقاء والضيوف والفقراء لتناول الإفطار طلبا للثواب والأجر.

ويقول الباحث الاجتماعي الإماراتي والخبير في مجال التراث الشعبي محمد راشد الجروان “إن العادات والتقاليد الإماراتية الرمضانية لم يطرأ عليها أي تغيير، بل تجملت وتعمقت في أوصال المجتمع المحلي، والأكلات الشعبية هي نفسها على امتداد وجودنا ومازلنا نتناول الهريس والفريد والأرز مع السمك واللحم واللقيمات ونفضلها على أي طعام آخر ومازال الجيران يتبادلون وجبات الإفطار”.

20