إمام الأزهر في الفاتيكان.. حوار الأديان لن يخلو من السياسة

يستقبل البابا فرنسيس للمرة الأولى الاثنين في الفاتيكان شيخ الأزهر أحمد الطيب، وسط تطلّعات بأن يرسم هذا اللقاء مرحلة جديدة في المصالحة بعد عقد من العلاقات المتوترة بين المؤسسة السنية الأكبر ممثلة في الأزهر، والكرسي الرسولي للفاتيكان.
الأحد 2016/05/22
بث الحياة في حوار الأديان

القاهرة – تعطي زيارة شيخ الأزهر أحمد الطيب إلى الفاتيكان المزيد من الأمل في التوصل إلى خطاب ديني وسطي مشترك، في مواجهة الأفكار المتطرفة التي يعاني منها العالم. وتستمدّ الزيارة أهميتها من كونها الأولى من نوعها لأيّ من شيوخ الأزهر على مر التاريخ إلى الفاتيكان، كما أنها تأتي بعد خمس سنوات من القطيعة بين المؤسستين الدينيتين الأكبر في العالم، وفي ظلّ الظرف العالمي الحالي حيث يسيطر غياب التسامح على مختلف الشعوب والثقافات.

وسبق أن التقى شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي البابا الراحل يوحنا بولس الثاني خلال زيارة الأخير إلى القاهرة في العام 2000، لكنّ أيّا من شيوخ الأزهر لم يقم بزيارة رسمية إلى الفاتيكان للقاء البابا.

وتعوّل المؤسستان على هذه الزيارة للتوصل إلى أرضية مشتركة لتوحيد المواقف من الإرهاب والتطرف في العالم، وهو ما استغرق وقتا خلال الشهور الماضية للإعداد له، بعد موافقة الأزهر على عودة الحوار مرة أخرى في فبراير الماضي.

وتنطلق دوافع اللقاء من المسؤولية المشتركة بين المؤسستين للقيام بدورهما في نشر قيم وسماحة الأديان السماوية، وتوجيه رسائل مباشرة إلى المتطرفين من الجانبين الذين استغلوا توقف الحوار مؤقتا للترويج لأفكارهم الشاذة في مواجهة الآخر.

ويتوقّع المراقبون أن تشهد الزيارة وضع آليات واضحة تضمن نجاح الحوار الجديد بين الطرفين، والتركيز على الروابط الثقافية والاجتماعية في التقريب بين الإسلام والمسيحية، ومحاولة الابتعاد عن التعقيدات السياسية والدينية.

وقد توترت العلاقة بين الأزهر والفاتيكان منذ عام 2006 بسبب تصريحات البابا بنديكتوس السادس عشر، الذي استشهد في أحد خطاباته بقول لأحد الفلاسفة يربط بين الإسلام والعنف، في محاضرة ألقاها البابا لطلبة كلية دينية بمدينة راتيسبون في ألمانيا، ما أثار استياء الأزهر وجمّد على أثرها الحوار مع الفاتيكان، لكن الحوار عاد على امتعاض في عام 2008.

وتأزّمت العلاقات مرة أخرى ووصلت إلى حد المقاطعة بين الأزهر والفاتيكان في عام 2011، بعد تصريحات البابا بنديكتوس السادس عشر حول حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية في يناير من ذلك العام، حيث طالب بحماية المسيحيين في مصر، وهو ما اعتبره شيخ الأزهر تدخلا في الشؤون المصرية.

واستؤنف الحوار تدريجيا بعد تولي البابا فرنسيس رئاسة الكنيسة الكاثوليكية وذلك عبر تبادل المبعوثين وممثلي كلا المؤسستين؛ حيث شارك في شهر مارس 2014، محمود عزب، مستشار شيخ الأزهر، في مبادرة بين الطوائف لإطلاق شبكة لمكافحة شتى أشكال العبودية الحديثة والاتجار بالبشر، وأكد في حينه “لم يقطع الحوار أبدا بل عُلّق فقط”.

وفي فبراير الماضي، وجه البابا فرنسيس دعوة إلى شيخ الأزهر لزيارة الفاتيكان من خلال زيارة رسمية قام بها الأسقف ميجيل آنجل أيوزو جيسكو سفير الفاتيكان بالقاهرة إلى الأزهر، والتقى فيها عباس شومان وكيل الأزهر.

نجاح المؤسستين في التوصل إلى خطاب وسطي عقلاني غير كاف لمواجهة الأفكار المتطرفة، فنجاحهما في تفعيل هذا الخطاب مرتبط بمدى مساهمة مختلف دول العالم ومؤسساتها في نشر هذا الخطاب والإصرار على تطبيقه

رسالة تسامح إلى العالم

قال محمد زكي، الأمين العام للجنة العليا للدعوة بالأزهر، إن اللقاء المرتقب يؤسّس لمرحلة جديدة من التعاون بين المؤسستين، مشيرا إلى أن الأزهر وضع خطة واضحة بالتعاون مع الفاتيكان لإقامة حوار عقلاني. وأضاف، في تصريحات لـ”العرب”، أن احترام الفاتيكان بقيادته الحالية لمكانة الأزهر ساهمت في سرعة إذابة الجليد بين الطرفين، موضحا أن اللقاء سيشهد إعادة النظر في العديد من الاتفاقيات المبرمة مسبقا حتى يتم الخروج برسالة قوية إلى العالم تسهم في مواجهة الإرهاب والتطرف.

ويتفق المراقبون على أن الزيارة تجسد مقاربة جديدة للحوار بين المسلمين والمسيحيين حول العالم، وستساهم في تحسين العلاقات بين القيادات الدينية، ومن لديهم قدرات كبيرة على توجيه العالم إلى طريق السلام. ويعد نجاح المؤسستين في التوصل إلى خطاب وسطي عقلاني غير كاف لمواجهة الأفكار المتطرفة، فنجاحهما في تفعيل هذا الخطاب مرتبط بمدى مساهمة مختلف دول العالم ومؤسساتها في نشر هذا الخطاب، والإصرار على تطبيقه.

ومع أن الرغبة الدولية في مواجهة الإرهاب تدفع في اتجاه قبول أيّ مبادرات لمواجهته، لكن يبقى الصراع السياسي القائم في عدد من البلدان العربية ومساهمته في تزايد استخدام العنف عائقا أمام نجاح المؤسستين في القضاء على بذور الإرهاب، الذي ينطلق بفعل الأوضاع السياسية المضطربة.

وأكّد على ذلك سيف قزامل، العميد السابق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، الذي قال لـ”العرب”، إن الزيارة تأتي ضمن خطة الأزهر للقيام بأدوار دولية ودعوية لمواجهة الإرهاب، وهو مرتبط باستراتيجية تمّ وضعها عام 2014.

وأضاف أن الأزهر يحاول أن يلملم آثار الشرخ الذي أحدثته الجماعات الإرهابية في العالم الإسلامي تحديدا بعد أن تم ربطه بالإرهاب، وهي مهمة تحتاج إلى تعاون مؤسسة الفاتيكان التي ترمز لأكثر من مليار مسيحي كاثوليكي على مستوى العالم.

ومنذ بداية العام الجاري قام شيخ الأزهر بعدد من الجولات الخارجية باعتباره رئيسا لمجلس حكماء المسلمين في العالم، بدأت بإندونيسيا، مرورا بألمانيا، ونهاية بنيجيريا، ومن المقرر أن تكون هناك زيارة أخرى الشهر الجاري إلى فرنسا عقب الانتهاء من زيارة الفاتيكان.

وركزت تلك الزيارات على توجيه خطابات عالمية تستهدف تصحيح صورة الإسلام في العالم، والتشديد على أهمية التواصل ما بين الحضارات، ومحاولة إيجاد رؤى مشتركة مع تلك البلدان لنشر مفاهيم المودة والسلام.

زيارة شيخ الأزهر، الذي يعدّ من أهم القوى الناعمة بالنسبة إلى الدولة المصرية ويعول عليه النظام الحاكم للقيام بأدوار إيجابية في ملفات عديدة لن تخلو من السياسة

التطرف إسلامي ومسيحي

يخطو الفاتيكان من جانبه مسارا مشابها في العمل على نشر التسامح ومواجهة الفكر المتطرّف، حيث قال المفكر القبطي جمال أسعد، لـ”العرب”، إن مؤسسة الفاتيكان أيضا لها دوافعها في عودة الحوار مرة أخرى، فهي تواجه مزيدا من الفكر المتطرف بين الأقباط في البلدان الأوروبية، بعد أن أضحى هاجس تشكيل عصابات مسلحة على غرار ما يحدث في الشرق الأوسط قائما وبقوه في أوروبا.

ويحاول البابا فرانسيس إعادة المفاهيم الاجتماعية والروح الإنسانية إلى زخمها، فضلا عن اهتمامه بالشأن العالمي متجاوزا الاستقطاب والحدة، وهو يحتفظ بمساحة من النقد للأوضاع العالمية وأوضاع الفقراء واللاجئين ومعاناة البشر.

وتوقع أسعد أن تسهم الجوانب الشخصية لكلّ من شيخ الأزهر والبابا فرانسيس، والتي تتسم بالانفتاح على الآخر، في إنجاح هذا الحوار، إلى جانب رغبتهما في تغيير الواقع القائم الآن لأهداف مرتبطة بإنجازاتهما في الداخل والخارج. ويواجه الأزهر تحديدا العديد من الانتقادات الداخلية للتباطؤ في وضع رؤية لتجديد الخطاب الديني، وغالبا ما يكون هناك صراع بين المثقفين المصريين وشيوخ الأزهر والذي زادت حدته بعد حبس الداعية إسلام البحيري بتهمة ازدراء الدين الإسلامي نهاية العام الماضي.

ولن تخلو زيارة شيخ الأزهر، الذي يعدّ من أهم القوى الناعمة بالنسبة إلى الدولة المصرية ويعول عليه النظام الحاكم للقيام بأدوار إيجابية في ملفات عديدة، من السياسة، فمن المتوقع أن تكون القضية الفلسطينية والتوتر الحاصل بين مصر وإيطاليا على خلفية مقتل الطالب ريجيني، والذي لم يتم الكشف عن سببه مقتله حتى الآن، والأزمة السورية وما يتبعها من قضايا للاجئين السوريين في أوروبا على جدول أعمال الزيارة.

6