إمام الحلو: حزب الأمة السوداني قادر على حل أزمة القيادة

رئيس لجنة السياسات في حزب الأمة القومي لـ"العرب": تمديد المرحلة الانتقالية أخطر عقبات المسار السياسي.
الاثنين 2021/03/08
تماسك الحزب ووحدته بعد غياب الصادق المهدي من أكبر التحديات

ضمن مشهد سياسي سوداني متغير يحاول حزب الأمة القومي، أقدم الكيانات السياسية بالبلاد وأكثرها شعبية، إعادة ترتيب بيته الداخلي حتى تتماشى أفكاره ومواقفه ورؤاه مع المرحلة المقبلة. ويبدو إقرار رئيس لجنة السياسات في الحزب إمام الحلو خلال حوار مع “العرب” بأن الحزب يواجه تحديات كثيرة من بينها التماسك ووحدة الصف بعد غياب قياداته التاريخية، وأبرزها الصادق المهدي، يعطي لمحة عن أن عقد المؤتمر العام استعدادا للانتخابات المقبلة سيكون نقطة التماس بين الكفاءة والتوريث السياسي قبل خوض أيّ معارك سياسية في المستقبل.

القاهرة - مرّ حزب الأمة القومي في السودان بالعديد من المتغيرات السياسية خلال العامين الماضيين، منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018 وسقوط حكم الرئيس عمر البشير، وانتقاله من معارضة السلطة إلى المشاركة بفاعلية في هياكلها الانتقالية قبل أن يواجه اتهامات بدعم الهبوط الناعم، وصولا إلى وفاة زعيمه التاريخي الصادق المهدي.

ويواجه أقدم الأحزاب السودانية وأكثرها انتشارا في الولايات تحديات على مستوى الأوضاع الداخلية وضمان الوصول إلى مرحلة تسليم القيادة بشكل ديمقراطي من دون أن يؤدي ذلك إلى انشقاقات داخل الحزب، أو على مستوى نجاحه في الحفاظ على مكتسباته خلال المرحلة الانتقالية، ما دفع “العرب” إلى إجراء حوار مع رئيس لجنة السياسات بالحزب، إمام الحلو، أثناء زيارته للقاهرة مؤخرا.

رأى الحلو أن أبرز الصعوبات، التي تواجه الحزب، الذي تأسس في العام 1945، تكمن في ضمان تماسكه ووحدته بعد غياب قيادته التاريخية والملهمة لجميع أبنائه، وإذا لم تكن هناك مؤسسات قوية تستطيع أن تحافظ على ذلك التماسك، فإن هناك أخطارا ستجابه هذا الكيان العريق، لأن الأحزاب القائمة على شخص واحد تتلاشى عقب غياب قيادتها.

وأوضح أن حزب الأمة القومي يواجه أزمة اختيار قيادة مؤهلة تستطيع أن تتعامل مع متغيرات المرحلة الانتقالية السريعة، وتعزز اللامركزية في الولايات وتحافظ على التوجه الذي ذهب إليه الحزب منذ العام 2003، وبمقتضاه باتت هناك مؤسسات كاملة في كل ولاية مُشكَّلة من رئيس ومؤتمر ولائي ومحليات.

تحاشي الخلافات

إخفاق حكومة التكنوقراط يدفع إلى الاستعانة بالسياسيين من مختلف المكونات ولذلك ففرص النجاح تبدو كبيرة

قال الحلو لـ"العرب" إن “عقد المؤتمر العام في غياب قيادته التاريخية لأول مرة وكيفية تنظيمه وتطوير منهج الحزب بما يتماشى مع التحولات والاستعداد للمرحلة القادمة في السودان، أمر بحاجة إلى تخطيط سليم لتحاشي أي خلافات تهدد وحدة الحزب”.

ورجح أن ينعقد المؤتمر العام للحزب بعد عام تقريبا، وتشهد الفترة الحالية إجراءات التجهيز لعقد المؤتمرات القاعدية على مستوى الولايات، ومنها إلى الأعلى وصولا إلى عقد المؤتمر العام، على أن يُجرى انتخاب رئيس جديد للحزب قبل عام من إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في السودان، بما يجعل الحزب مؤهلا للمنافسة.

وأثارت مسألة خلافة صادق المهدي جدلا واسعا في أعقاب رحيله، في نوفمبر الماضي، وذهبت تكهنات إلى إمكانية توريث المنصب إلى ابنه عبدالرحمن، الذي شغل من قبل منصب مساعد للرئيس المخلوع عمر البشير، غير أن الحلو أشار إلى أن المهدي رفض توريث منصبه، وقال إنه أعد 20 قائدا لخلافته قبل رحيله، ولا يوجد شخص بعينه أقرب إلى تولي رئاسة الحزب، والذي سيحدد ذلك هو المؤتمر العام من خلال إجراءات ديمقراطية.

غير أن الحلو عاد وأكد على أن هناك معيارا لاختيار رئيس الحزب المقبل، وهو أن يكون مؤهلا سياسيا وفكريا ومعرفيا للقيادة، ويتمتع بشعبية بين صفوف الحزب ويحظى بقبول الناخبين، وأن مؤسسات الحزب على مستويات القاعدة والمؤتمر العام، هي التي ستتوافق على المرشحين.

يعوّل حزب الأمة على خبراته السياسية الطويلة لتجاوز المرحلة التي يمر بها للتفرغ إلى استعادة حضوره السياسي، كما الحال قبل انقلاب نظام الإنقاذ في العام 1989، غير أنه سيكون في منافسة قوية مع أحزاب صاعدة وقوى ثورية لديها حظوظ كبيرة عبر تواصلها مع شباب الثورة والمكونات المؤثرة فيها.

وأكد رئيس لجنة السياسات بحزب الأمة القومي أن الحزب واجه حملات إعلامية من جانب قوى اليسار التي تعمدت تشويه صورته عقب سقوط نظام البشير، وتفهّم الحزب أبعادها وأسبابها ولم يتأثر بها كثيرا، واستهدفت رئاسة الحزب، وانتقاد رؤيتها بالوصول إلى مخرج ديمقراطي من خلال الحوار والبحث عن أرضية مشتركة، وهو ما أسمته القوى السياسية في ذلك الحين بدعم “الهبوط الناعم”.

وأوضح الحلو أن فشل الحكومة الانتقالية السابقة في التعامل مع أزمات المواطنين، أضعف كثيرا من الحملات التي تعرض لها الحزب على مستوى قواعده في غرب ووسط السودان بعد أن جاء تشكيلها من دون معايير واضحة، وأن عدم مشاركة الحزب في الحكومة السابقة صبّت لصالح رؤيته التي دعمت توسيع دائرة المشاركة.

وأشار إلى أن رؤية الحزب الخاصة بإعادة تشكيل الحكومة وفقا لميثاق “العقد الاجتماعي”، والتي طرحها في مارس من العام الماضي، جرت الاستجابة لها عند تشكيل حكومة جديدة من زاوية تكوينها من خبرات سياسية بدلا من التكنوقراط الذين لم يتمكنوا من معالجة أوضاع المواطنين، وبالتالي من الضروري وجود أشخاص لديهم رؤى سياسية متينة للتعامل مع الأزمات.

توافقات سياسية

Thumbnail

واجهت الأحزاب السودانية اتهامات متصاعدة قبل خروج الحكومة إلى النور مطلع فبراير الماضي، بالاتجاه نحو المحاصصة السياسية وإغفال المشكلات الاقتصادية التي تشكل أبرز صعوبات المرحلة المقبلة، وطالت حزب الأمة بعد أن تناثرت أقاويل بسعيه إلى الحصول على 6 مقاعد في الوزارة، في حين أنه تبنى موقفا سابقا بعدم المشاركة في السلطة التنفيذية بعد سقوط البشير.

ورد الحلو في حواره حول تلك الاتهامات قائلا “موقف الحزب من الحكومة السابقة سببه الأساسي إتاحة الفرصة للأحزاب نحو تجهيز نفسها لتكون مهيّأة سياسيا بعد أن كانت لسنوات طويلة في صفوف المعارضة السرية، ومن الصعب انتقالها مرة واحدة إلى السلطة، وكانت الحكومة محدودة ولا تتسع لمشاركة جميع القوى، وعمل الحزب على إبعاد القوى السياسية عن التناحر، وأثبتت التجربة أن الخيارات لم تكن سلمية، ولم توفق على المستويات السياسية”.

وأضاف أن السيطرة على أكبر قدر من المقاعد لم يكن الهدف الرئيسي لحزب الأمة، لكن الحزب اشترط أن يكون هناك برنامج أهدافه محددة وتسير عليها الحكومة الجديدة المدعومة بخبرات سياسية، واستجاب شركاء المرحلة الانتقالية لذلك المطلب بالإعلان عن برنامج عمل أعده الحزب بالمشاركة مع مجلس الوزراء، وهو مُلزم لجميع الأطراف بالمشاركة في العملية الانتقالية.

الاستعداد متواصل لطرح مشروع دستور انتقالي بديل للوثيقة الدستورية قريبا على المجلس التشريعي لمناقشته

وبحسب البعض من المراقبين تكمن خطورة مشاركة القوى السياسية ضمن الحكومة الحالية في إمكانية فشلها، وفي تلك الحالة ستكون قد مهدت الطريق للحركة الإسلامية وفلول نظام البشير بالعودة إلى السلطة، وقد تتولد قناعة لدى العديد من المواطنين بأن قوى الثورة غير مؤهلة لتكون على رأس القيادة السياسية.

ويقول الحلو إن الفشل وارد ولا توجد ضمانات في العمل السياسي، لكن نسب الفشل ليست كبيرة بعد أن حللت القوى السياسية دوافع إخفاق الحكومة السابقة وعقدت مناقشات موسعة حول أبرز تحديات المرحلة المقبلة، وتتمثل في التهديدات الأمنية والأوضاع الاقتصادية وتحديد وجهة العلاقات الدولية، والبرنامج الذي أعلنته الحكومة حدد أساليب مقاومة الضائقة الاجتماعية باعتباره على رأس أولوياتها.

وأعلنت الحكومة السودانية، في الـ22 من فبراير الماضي، تعويم سعر الجنيه، وتنتظر أن يكون للقرار عوائده الاقتصادية الإيجابية مع انفتاحها على المؤسسات الدولية الداعمة، وسط أجواء إيجابية بإمكانية تخفيف الديون التي تجاوزت نحو 60 مليار دولار، ودخول استثمارات دولية في مجالات مختلفة بعد شطب اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب.

ولفت الحلو إلى أن مساهمة الحكومة الجديدة في استقرار الأوضاع الاقتصادية ومعالجة الضائقة المعيشية الحالية وتجاوز المرحلة الثانية من السلام وتمكين المتأثرين بالحروب من العودة إلى مناطقهم وبناء علاقات خارجية متوازنة، كلها عمليات مهمة وتدعم الانتقال السلس إلى سلطة مدنية منتخبة.

وذكر السياسي السوداني أن الإبقاء على رئيس الحكومة عبدالله حمدوك في منصبه من أهم العوامل المساعدة على إنجاز المهام الصعبة، باعتباره خبيرا اقتصاديا وأحد أيقونات الثورة، ويشكل مؤسسة بذاتها بحسب الوثيقة الدستورية التي أوكلت مهمة اختياره لقوى الحرية والتغيير، لأن ضمان استقرار الوضع في المرحلة الانتقالية يرتبط بثبات تلك المؤسسة وعدم إدخال تعديلات عليها، وهو أمر يتبناه حزب الأمة.

القطيعة الخاطئة

لا بد من تجاوز المرحلة الثانية من السلام
لا بد من تجاوز المرحلة الثانية من السلام

انتقد الحلو خلال حديثه انسحاب الحزب الشيوعي من قوى الحرية والتغيير وعدم مشاركته في الحكومة، معتبرا أن قرار القطيعة مع قوى الثورة “خاطئ وغير موفق ويعتبر أحد الجوانب السلبية، وكان يمكن أن يساعد وجوده في التعامل مع تحديات الفترة الانتقالية”، مشددا على أن غياب الشيوعي “لا يمثل تهديدا على القوى الثورية أو على مجمل المرحلة الانتقالية”.

ولدى القيادي في حزب الأمة يقينا بأن الشراكة بين القوى المدنية والمكون العسكري والحركات المسلحة قوية، وهي التي تسهّل مهمة السلطة الانتقالية في التعامل مع الأزمات الراهنة، وعلى رأسها توقيع اتفاق سلام مع جميع الحركات غير الموقعة على اتفاق جوبا، ويفتح تمرير هذا الاتفاق المجال مجددا لعودة القوى المنسحبة من السلطة، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي الذي لديه تحالفات سياسية وتكتيكية مع الحركة الشعبية شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو.

وألمح رئيس لجنة السياسات في حزب الأمة السوداني إلى وجود مراجعات داخل الحزب الشيوعي بشأن الموقف من المشاركة في السلطة الانتقالية، وقد يكون هناك قرار بالعودة مع توسيع هياكلها بعد إنجاز السلام بشكل كلي، وهو أمر حتمي للحزب الذي سيكون بحاجة إلى التواجد من أجل الاستعداد للعملية الانتخابية المقبلة.

محاولات الانقلاب على الوضع الشرعي الحالي وتمديد الفترة الراهنة أخطر ما يوجهه الانتقال السياسي في السودان

وينتظر السودان خلال الفترة المقبلة تشكيل المجلس التشريعي، الذي يعاني من ولادة متعثرة على وقع الخلافات المتكررة حول توزيع المناصب بين القوى المتباينة والتوافق حول رئاسته، وأثار حزب الأمة مؤخرا جدلا بشأن اعتراضه على آلية عمل تنسيقيات قوى الحرية والتغيير في الولايات بشأن اختيار المرشحين.

ونفى الحلو تهديد حزب الأمة القومي بالانسحاب من تشكيل المجلس التشريعي، واعتبر أن هناك تفسيرا خاطئا لبعض التصريحات دعمت تلك الأقاويل، وأن رؤية الحزب تقوم على التوافق بشأن المرشحين في الولايات على أساس التباحث المركزي بين قيادة الحزب وباقي القوى السياسية عبر لجنة التفاوض التي جرى تشكيلها، وبالتالي فإن توجيهات الحزب لأعضائه في الولايات سببها أن هناك مشاورات تجري في المركز، وليس من المقبول أن تكون هناك إفادات موازية.

وكشف رئيس لجنة السياسات بحزب الأمة القومي عن وجود مشروع دستور انتقالي أعده الحزب تمهيدا لمناقشته داخل أروقة المجلس التشريعي لسدّ الثقوب العديدة الموجودة في الوثيقة الدستورية، بما يمهد لإجراء انتخابات ديمقراطية ويضيّق الخناق على أيّ محاولات من شأنها تمديد الفترة الانتقالية، وأن الحزب لديه برنامجا لتنفيذه على المستوى التشريعي بما يحقق الاستفادة من خبراته البرلمانية ويضغط باتجاه ضرورة تشكيله في أقرب فرصة.

الدولة المدنية

Thumbnail

في رأي الحلو من المأمول أن تكون هناك دولة مدنية إذا نجحت القوى السياسية في تسيير المرحلة الانتقالية على الطريق المرسوم لها وتنتهي بإجراء الانتخابات، وبالتالي فالمستقبل السياسي في السودان سيكون لتلك الأحزاب التي تشغل أركان النظام التعددي المدني، ما يتطلب ضرورة إعداد الأحزاب لكوادرها وسياساتها.

وشدّد على أن هذا المسار يواجه صعوبات جمّة، وهناك أحزاب صغيرة – لم يسمها – لديها رغبة في تمديد المرحلة الانتقالية، لأن ذلك يضمن استمرار وجودها في السلطة وقد لا تتمكن من ذلك عن طريق الانتخابات، إضافة إلى تهديدات أخرى تأتي من داخل المؤسسة العسكرية عبر محاولات الانقلاب المتكررة.

وأوضح لـ”العرب”، أن حزب الأمة يدعم جهود المؤسسة العسكرية في حماية المسار الانتقالي، ومن الضروري أن تبحث القوى السياسية على آليات تقوية الشراكة الحالية معها، وأن التفاهم على امتيازات ومكاسب كل طرف لا بدّ أن يكون من خلال حوار جاد وبنّاء بين الطرفين، وإعلاء المصلحة الوطنية لتكون حاكمة.

وقلل من إمكانية الصدام بين القوى المدنية والعسكرية مبيّنا، “المكون العسكري تقوده لجنة أمنية شكلها رئيس النظام السابق لحمايته، لكن ما يُحمد لها أنها انحازت إلى الثورة ودعمت التغيير في البلاد، وقامت بدور هام في اختصار طريق المرحلة الانتقالية وتجنيب السودان المواجهات، وأصبحت صورتها الآن مغايرة وشريكة في إدارة المرحلة الانتقالية وتمكنت من التعامل مع التهديدات”.

وطالب بضرورة عدم مشاركة الحركة الإسلامية في أي ترتيبات، لأن الثورة قامت ضدها بالأساس، مشددا على أهمية محاكمة كل من شارك في جرائم بحق المواطنين سواء جنائية أو سياسية، ولم يمانع من مشاركة تنظيم الإخوان في الحياة السياسية عقب إجراء الانتخابات، وإقرار قانون الأحزاب باعتباره ضمن القوى المجتمعية الموجودة.

ويرى الحلو أن الحركة الإسلامية عليها أن تراجع الكثير من مواقفها الفقهية والسياسية إذا أرادت أن تتواجد في مستقبل العمل السياسي، حتى تستطيع أن تواكب نظام الحكم الجديد في السودان، في حال جرى بناء سلطة مدنية تعددية.

6