إمام مسجد يرابط في معاقله الإخوانية

إمام مسجد بوردو طارق أوبرو رغم أنه يكرر دائما أنه لم يعد إخوانيا فهو لم يتغير إطلاقا ولا يزال يستتر تحت حجاب التقية.
الاثنين 2019/08/19
طارق أوبرو يمتهن خطابا مزدوجا مفضوحا

باريس- بات واضحا لكل متابع لحركة الإخوان المسلمين أنها تمتهن خطابا مزدوجا مفضوحا. كان الإخوان دائما يقولون شيئا ويفعلون آخر، يحملون في جعبتهم أجندة مخفية هي الأساس والباقي مجرد خطابات غامضة فضفاضة هدفها تعمية وتضليل الآخر. يلجأ أحفاد حسن البنا حتى إلى الكذب البواح بل إلى أخلقته والتنظير له، كما يفعل إمام مسجد بوردو طارق أوبرو ببراعة في كتابه الصادر باللغة الفرنسية “دعوة للمصالحة / الإيمان الإسلامي وقيم الجمهورية الفرنسية”.

من العنوان يبدو الخطاب إيجابيا يبتغي التوفيق بين الإسلام والجمهورية، ولكن مع توالي الصفحات يتفطن القارئ إلى الخدعة المبيتة إذ لا يتوجه طارق أوبرو إلى القارئ الفرنسي ولا يهمه ما يدعيه في العنوان من مصالحة بين قيم الإسلام وقيم الجمهورية الفرنسية بقدر ما هو مهتم وموجه خطابه كله إلى الطوائف الإسلاموية المتصارعة على الزعامة والامتيازات في فرنسا.

يدعو الإسلامويين ومختلف فروعهم العلنية والسرية من أجل الاتحاد وتجاوز الخلافات المذهبية والسياسية كي يكوّنوا قوة إسلاموية واحدة بإمكانها الوقوف سياسيا أمام السلطة الفرنسية بقوة. تفتح كل الصحف الفرنسية يسارية ويمينية لإمام بوردو صفحاتها وتتركه يقدم أكاذيبه دون مواجهته بمن يستطيع توقيفه عند حده أو على الأقل تطرح عليه أسئلة نقدية، عن تصوره الإشكالي للكذب مثلا في بلد يعشق الشفافية والبحث عن الحقيقة.

طارق أوبرو صاحب كتاب "دعوة للمصالحة / الإيمان الإسلامي وقيم الجمهورية الفرنسية" يقول إنه لم يعد إخوانيا لكنه لم يتغير إطلاقا

لا يتردد الإمام في الحديث عن “الكذب التقي” ويشرح اكتشافه كاتبا “تقتضي الحكمة ألا نقول الحقيقة دائما وألا نقولها لكل الناس. فالله نفسه لم يقل كل شيء”.  ويضيف أن “الحقيقة كالدواء، هناك جرعة لا ينبغي تجاوزها، فالحقيقة ليست قادرة على قتل الجسد فحسب، بل هي قادرة على قتل الروح أيضا”.

ورغم أنه يكرر دائما أنه لم يعد إخوانيا فهو لم يتغير إطلاقا ولا يزال يستتر تحت حجاب التقية ويعلن بصريح العبارة كاتبا أن “الصدق يعطي شعورا بالثقة. ولكن ينبغي خاصة أن يكون كلمة مصالحة. ومن هنا التساؤل عن الصدق الذي يفرّق وعلى العكس، الكذب الذي يصالح. فهل هما أخلاقيان؟” ويوضح سؤاله أكثر “متى يصبح الكذب سلوكا أخلاقيا؟”.

في بعض الأحيان، يقول الإمام “يجب عليك إخفاء بعض الحقائق وخاصة حينما يكون هناك احتمال أن تؤدي تلك الحقائق إلى نتائج عكسية أو تسبب اضطرابا. تجبرنا الحكمة على عدم قول كل الحقائق”.ويضيف ممرغا الأخلاق في التراب ومُرهبا من الحقيقة “أخطر ما قد يواجهنا، ليس الكذب البسيط ولا حتى الكذب الدبلوماسي وإنما قول الحقائق كلها”. ويضرب مثالا قائلا “إن الحقيقة قد تحصد أرواحا وقد ينقذ الكذب أرواحا”.

ولا يتردد الإمام في تبرير نفاق الإسلاميين، فهم ضحية ثقافات شمولية وفقيرة اقتصاديا ويحاول التعميم من أجل التخيف “نتعلم الكذب منذ نعومة أظافرنا، يتطور الكذب لدى المستضعفين، هو سلاح الضعفاء الذي يكاد يكون دفاعا شرعيا عن النفس”.

ومن هنا يترك القارئ يستنتج بأن أكاذيب الإسلاميين ليست تقية أو تكتيكا وإنما هي نتيجة لاضطهادهم في بلدانهم الأصلية. فأنا شخصيا يقول “عشت في هذا المناخ في بلدي الأصلي، المغرب، حيث كانت حرية التعبير محدودة جدا وحينما جئت إلى فرنسا وكنت آنذاك منتميا إلى جماعة الإخوان المسلمين، بقيت حذرا ولم أفصح عن ذلك الانتماء بسبب الاضطهاد الذي كانت تتعرض له الجماعة ولا تزال بسبب سمعتها المخيفة”.

الإمام لا يتردد في تبرير نفاق الإسلاميين
الإمام لا يتردد في تبرير نفاق الإسلاميين

وهنا لا يقول الإمام الحقيقة تماشيا مع نظريته سابقة الذكر إذ من الكذب القول بأن جماعة الإخوان مضطهدة في فرنسا وفي الغرب كله، وحتى في البلدان العربية لم تكن مضطهدة بل كانت مشاركة في الحكم في بلدان كثيرة بطريقة أو بأخرى.

أما عن إشارته إلى أنه لم يعد منتميا إلى جماعة الإخوان فذلك أمر يكذبه التحليل الدقيق لنشاطاته وكتاباته ومواقفه واعترافه هو ذاته في هذا الكتاب حينما يقول بصريح العبارة “لا تجد أبدا شخصا يقول لك إنه أخ مسلم”. وللقارئ كل الحق أن يتساءل عما إذا كان للكتاب كاتب واحد أم كاتبان حينما يصل إلى الفقرة التالية أم هي ذهنية الإخوان المزدوجة مجسدة لدى إمام بوردو “أسوأ الأكاذيب هي التي ترتكب باسم الدين”، يقول ويسأل عن السبب ويجيب “لأن أساس الدين وخاصة الدين التوحيدي هو الفضيلة. ولأن الكذب يقوض أسس أصالة الرسالة الروحية التي يقوم عليها، فالكذب بهذا المعنى خطورة لاهوتية وأخلاقية كبرى”.

ويضيف مناقضا ما قال سابقا “لا يتوافق الكذب مع الإيمان!”. وبعد صفحات يصبح ميكافيليا متطرفا، يكتب الإمام الإسلاموي “الأخلاق ليست جوهرا وإنما علاقة، وانطلاقا من طبيعة هذه العلاقة تتحدد الأخلاق”. ويوضح “إذا كان الكذب يسمح بتوطيد مصالحة، سيصبح أخلاقيا”. يكون الفعل أخلاقيا أم لا وفقا لآثاره وعواقبه الإيجابية أو السلبية حسب من يعتمد عليه الفرنسيون في ابتداع إسلاما فرنسيا لهم.

نقرأ طارق أوبرو يطمئن في صفحة نافيا أي إشارة إلى احتمال اندلاع حرب أهلية أو حرب حضارات في فرنسا ولكن نجده يهدد في صفحة أخرى كاتبا “كان هناك عنف مصدره اعتماد اللائكية. واليوم يجب إيجاد حل مع الإسلام وتجنب التمزق بين الفرنسيين. يجب فعل كل شيء لمنع حرب بين الفرنسيين المسلمين والفرنسيين الآخرين (الكاثوليك، البروتستانت، الملحدين، اليهود، اللاأدرين إلخ)”.

13