إمدادات النفط تجلب الثروات والمكائد وفي حالات كثيرة الإرهاب

الجمعة 2014/07/04
سوريا مسرح لمعارك دولية بالوكالة

لندن – يعتبر الباحثون والخبراء أن للصراع الدائر في سوريا وجها آخر، غير وجه الثورة السلمية التي تحولت إلى حرب أهلية، وهذا الوجه الثاني هو أنابيب الغاز، فالصراع على سوريا تفاقم بعد تقديرات شركات غربية كبيرة بأن سوريا تملك مخزونا هاما من الغاز يفوق مخزون الدول الكبيرة المنتجة له في المنطقة.

يعتبر الباحث أنطوان مرعب أن “الأنابيب الحمراء” هي السبب الرئيسي للصراع الدائر في سوريا منذ أكثر من ثلاثة أعوام. وهذه الأنابيب، وفق ما جاء في كتاب صدر حديثا لمرعب، عنوانه “أنابيب حمراء لماذا سوريا؟ ولماذا الآن؟” هي أنابيب الغاز والنفط.

اعتبر مرعب أن هذا البركان الثائر يتغذى من شرايين “الأنابيب الحمراء” وتطال حممه العديد من دول المنطقة، التي تشكّل الخزان الرئيسي للطاقة في القرن العشرين، فيقلب أوضاعها.

يوضح هذه الأهمية الاستراتيجية لسوريا، المنتج الصغير للنفط، الملازم الأميركي روب تايلور الذي يشير في دراسة له صدرت ضمن مجلة “القوات المسلحة الأميركية”، إلى أن أغلب التغطية الإعلامية تتعامل مع الصراع الدائر في سوريا على أنه حرب أهلية يقوم فيها نظام بشار الأسد بالدفاع عن نفسه (مرتكبا مجازر) ضد من يعتبرهم متمرّدين، بينما التفسير الحقيقي أبسط من ذلك: إنه يتعلق بالمال.

قام روب تايلور، في دراسته التي حملت عنوان “سياسة أنابيب النفط في سوريا” بسرد بعض الوقائع والتفاصيل التي يرى أنه لابدّ من التوقّف عندها لتفسير هذا السبب من الصراع الدائر في سوريا. من بين هذه الوقائع يذكر أنه في سنة 2009 اقترحت قطر مد أنبوب لنقل الغاز الطبيعي عبر سوريا وتركيا نحو أوروبا.

لكن الأسد قام عوضا عن ذلك بعقد اتفاق مع العراق وإيران لمد خط أنابيب إلى جهة الشرق مما سيمكن هذه البلدان من الوصول إلى سوق الغاز الطبيعي الأوروبية في حين أنكر ذلك على السعودية وقطر.

الصراع الجاري في سوريا صراع نتج عن تموقع عدة لاعبين دوليين كبار على رقعة الجغرافيا السياسية

رغم أنه يتحدّث عن صراع حول إمدادت الطاقة، فإنه يضع هذا الصراع في إطار أشمل هو، حسب رأيه، صراع شيعي سنّي. ويقول في هذا السياق: لا يكاد يختلف الصراع الشيعي السني الاعتيادي في شيء عن صراعات أخرى ذات طابع اجتماعي- إثني- اقتصادي- سياسي- ديني تتأتى من التنافس على الموارد. لكن في سوريا هذا التنافس يكتسب ميزة مربحة اقتصاديا.

نمط هذا النوع من الصراع في سوريا يشبه النمط الموجود في عدة بلدان أخرى شرق أوسطية وأفريقية جنوب الصحراء ويتلخص في الآتي: من يسيّر الحكومة يتحكم في موارد الدولة، وبالتبعية، يتحكم في الثروة المستمدة من هذه الموارد. حاول السنة إزاحة العلويين عن الحكم منذ نصبتهم فرنسا هناك خلال الوصاية الفرنسية التي انتهت في سنة 1943، لكن الآن أصبحت الرهانات أعلى بفضل الغاز الطبيعي.

وبناء على ذلك أي دراسة للصراع الجاري في سوريا تتجاهل الاقتصاد الجيوسياسي في المنطقة هي دراسة غير مكتملة (كل التقارير تقريبا تتلاءم مع هذا الوصف). خذ مثلا الدراسة بعنوان “الجغرافيا السياسية للحرب الأهلية السورية” التي نشرت في يناير من قبل ريفا بهالا، فهذه الدراسة تقدم مراجعة ناجعة تختص بالحالة السرية لكتاب روبرت كبلان “الجغرافيا ترد الضربة”، وهي تتميز بالشمولية مع دقة تاريخية لكن لا تذكر شيئا عن مسألة خط الأنابيب. إن تقارير كهذه لا تسلط الضوء على التطورات الاقتصادية والجيوسياسية الحالية التي تكمن في قلب المسألة، بما أن أنابيب النفط والغاز الطبيعي تجلب ثروات كبرى للدول التي تسيطر عليها، وهي من ثم تجلب الاهتمام الدولي والمكائد وفي حالات كثيرة النشاط الإرهابي.


مثال القوقاز


يطرح روب تايلور في هذا السياق الوضع في منطقة القوقاز (جورجيا، أرمينيا، أذربيجان، تركيا) مثالا توضيحيا، مشيرا إلى أن هذه المنطقة كافحت كل قوة وسيطة في المنطقة للتأثير على مسلك خط الأنابيب المقترح من بحر قزوين إلى أوروبا وذلك سعيا وراء الكسب المادي الذي سيناله كل بلد مشارك في الصفقة. وكان الصراع الدائر بين أذربيجان وأرمينيا، وهي حليف مهم لروسيا في المنطقة، قد حال دون اتخاذ أقرب مسلك عبر أرمينيا. وفي نهاية المطاف اتجه الأنبوب غربا عبر تبيليسي وجيهان، لكن فقط بعد أن طلبت روسيا خطا منحرفا جزئيا لنقل النفط الأذربيجاني شمالا إلى روسيا وتحصلت على ذلك. في سنة 2005 تدفق النفط لأول مرة عبر خط الأنابيب ب.ت.ج الذي سمي كذلك لأنه يعبر باكو عاصمة أذربيجان، وتبيليسي عاصمة جورجيا إلى أن يصل مدينة جيهان التركية. بيد أن استكمال خط الأنابيب لم يحل المسائل العالقة في منطقة القوقاز المثقلة بالصراعات، فمن بين الناقمين المحتملين نجد منطقة ناغورنو كاراباخ الأرمينية (بمساندة رعاة أرمينيا روسيا والصين)، وانفصاليين في أبخازيا وجنوب أوستيا، والشيشان وداغستان، وتركيا. في أكتوبر 2012 حدث انفجار ألحق أضرارا بالأنبوب في تركيا بالرغم من أنه يبقى من غير الواضح إن كان الانفجار مجرد حادث، وقد سارعت مجموعة الانفصاليين في حزب العمال الكردستاني إلى تبني المسؤولية.

من يسيّر الحكومة يتحكّم في موارد الدولة، وبالتبعية، يتحكم في الثروة المستمدة من هذه الموارد


لب المشكل


يرى تايلور أن إمكانية نشوب الصراعات في القوقاز كبيرة جدا إلى حد أن الجيش الأميركي يستخدمها إطارا لإجراء تدريبات تتويجية لعدة مدارس حربية تابعة له. ويقوم ضباط من كل فروع الجيش الأميركي وعدة شركاء دوليين بدراسة الأعمال الحربية الائتلافية مستخدمين القوقاز وخط أنابيبه النفطي مسرحا للعمليات، ويدرس هؤلاء الضباط الميدانيون التبعات الاستراتيجية الإقليمية العامة لتطوير خط الأنابيب بما فيها الجدل الذي صاحب إنشاءه. وإذا كان خط أنابيب القوقاز عامل عدم استقرار إلى درجة إقناع جيش أقوى دولة في العالم بوضع خطط لتدريبات حوله فلابد أن يكون لخط الأنابيب المزمع إنشاؤه في سوريا انعكاسات مماثلة.

ويضيف تايلور: إذا نظرنا إلى الصراع الجاري في سوريا من المنظار الجيوسياسي والاقتصادي لرأينا أن، من بين أسبابه الرئيسية، أنه صراع نتح عن تموقع عدة لاعبين دوليين كبار على رقعة الجغرافيا السياسية استعدادا لافتتاح الخط في سنة 2016. كما يبرهن قرار الأسد بخصوص خط الأنابيب (وهو قرار قد يثبت أسبقية إيران والعراق وسوريا في ميدان الغاز الطبيعي) مدى ارتباطات روسيا بالنفط السوري والمنطقة عبر الأسد.

في المقابل تساند المجموعات الأخرى، في الضفة المواجهة، الثورة الشعبية وتدعم المعارضة من أجل إسقاط الأسد وبقيامهم بذلك يأملون في ربح حصة من التحكم في الحكومة السورية “الجديدة” وحصة من الثروة المتأتية من خط الأنابيب.

يخلص روب تايلور إلى أن المسألة الرئيسة بالنسبة إلى صانعي القرار هي رفع خط الأنابيب المزمع إنشاؤه في الرهانات الجيوسياسية التي تلف الصراع السوري، إذ أن الثروة الطائلة المتأتية من تدفق الغاز الطبيعي بشكل كاف لتحويل الاقتصادات الإقليمية قد جلبت فاعلين إقليميين متنافسين ينتمون إلى أيديولوجيتين مختلفتين. والتحاليل التي تقحم مسألة خط الأنابيب تجعل سوريا تبدو مثل سيناريو القوقاز، وتقدم معلومات موثوقا بها يمكن إسناد القرارات الدولية عليها. وفي المقابل نجد أن التقارير التي تغض النظر عن خط الأنابيب وتبعاتة الجيوسياسية تتجاهل لب المشكل.

7