إملاءات صندوق النقد تمهّد لمنعطف اجتماعي خطير في تونس

الحكومة تخطط لخفض فاتورة الأجور إلى 15 في المئة.
السبت 2021/05/15
قروض تغذي لهيب الأسعار

خلّفت التزامات الحكومة التونسية بالرفع التدريجي للدعم وخفض فاتورة الأجور، مقابل الحصول على تمويل جديد من صندوق النقد الدولي، جدلا واسعا داخل الأوساط الاقتصادية، وسط تحذيرات الخبراء من غضب شعبي قد يعصف بما تبقى من استقرار للسلم الاجتماعي.

تونس - أظهرت وثيقة حكومية أن تونس تخطط لخفض فاتورة الأجور عبر إرساء برنامج للمغادرة الطوعية للموظفين ورفع الدعم نهائيا عن المواد الغذائية والمحروقات والكهرباء والغاز بنهاية 2024.

وتكشف الوثيقة التي اطلعت “العرب” على تفاصيلها أن برنامج الإصلاح الذي تنوي الحكومة القيام به يتعلق بخفض فاتورة الأجور إلى 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2022 مقابل 17.4 في المئة في 2020. وهذا البند يلتهم ثلث الميزانية السنوية.

ودخلت تونس بداية مايو الجاري في مفاوضات مع صندوق النقد للحصول على خط ائتماني بنحو 4 مليارات دولار، مقابل القيام بحزمة من الإصلاحات، التي لم تلتزم بها كل الحكومات السابقة التي تعاملت مع المؤسسة المالية الدولية.

وتمر البلاد بأسوأ أزمة لها على الإطلاق فقد بلغ العجز في الميزانية العامة للمرة الأولى نحو 11.5 في المئة بنهاية العام الماضي بينما انكمش النمو بواقع 8.8 في المئة جراء مخلفات الأزمة الصحية. وتتوقع الحكومة أن يصل هذا العام 5.5 في المئة.

واعتبر وزير المالية الأسبق حسين الديماسي في تصريح لـ”العرب” أن تونس ستواجه منعطفا لا يقتصر فقط على الجانب الاجتماعي، بل يشمل الجوانب المالية والاقتصادية والسياسية.

وأوضح أن هذا المنعطف سيكون سياسيا بالأساس لأننا في مأزق بأتم معنى الكلمة، والأزمة المالية الناتجة عن الموازنة ستفرض تغييرا سياسيا في البلاد.

حسين الديماسي: ميزانية 2021 خاطئة لأن الاحتمالات المبنية عليها وهمية

وقال إن “ميزانية 2021 خاطئة من أصلها تماما لأن الاحتمالات المبنية عليها وهمية بما فيها القروض الخارجية، وإلى حد الآن لم يقدر المسؤولون على إيجاد توازن جديد للموازنة”.

وستضع الحكومة برنامجا للتشجيع على المغادرة الطوعية للموظفين مقابل حصولهم على 25 في المئة من الراتب أو الحصول على نصف الراتب.

ويرى الديماسي أن الكلفة الاجتماعية لهذه الشروط ستكون كبيرة، فلحد الآن من غير المعروف كيف سيتم التقليص في فاتورة الأجور.

وقال إنه “إذا حدثت هذه الأشياء فإن جزءا كبيرا من المساهمين في الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، وهو صندوق مخصص لموظفي الدولة والقطاع العام سيتم شطبهم ما يعني أن مقترحات الحكومة ستؤدي إلى نتائج اجتماعية سلبية”.

ولا تقل مشكلة فاتورة الأجور عن بند الدعم حيث تقدّر النفقات السنوية بنحو 6.2 مليار دينار (2.27 مليار دولار) في الميزانية الحالية، أي بارتفاع بمقدار الثلث عن ميزانية العام الماضي، حيث بلغ بند الدعم حينها 4.1 مليار دينار (1.5 مليار دولار).

ويشير الديماسي إلى أن رفع الدعم تم تطبيقه في أربعة بلدان أبرزها مصر وعرفت هزات اجتماعية سلبية، وإذا لم يوجد حزام سياسي للحكومة لا يستطيع أخذ قرارات مدروسة وموجهة، فلا يوجد حل يمكن اتخاذه دون تكلفة اجتماعية.

وحسب تقديرات البنك المركزي، تشهد البلاد أزمة اقتصادية حادة تهدّدها بالإفلاس في ظل تفاقم الديون الخارجية التي تجاوزت مئة في المئة حيث بلغت العام الماضي نحو 80.9 مليار دينار (30.3 مليار دولار).

وفي حين تشير بيانات معهد الإحصاء إلى تراجع معدل التضخم في الربع الأول من العام الجاري ليبلغ 4.8 في المئة قياسا بمستوى 6 في المئة بمقارنة سنوية، فإن مستوى البطالة في ارتفاع حيث وصل إلى 17.4 في المئة بعد أن كان عند مستوى 15.5 في المئة بنهاية 2019.

وينتقد أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي أسلوب التفاوض الذي تتبعه تونس مع صندوق النقد. وقال لـ”العرب” إن “تونس تعهدت في 2016 بالقيام بإصلاحات لكن لم تكملها، والفريق المفاوض مع صندوق النقد يركّز فقط على المبالغ المالية ولا يملك حلولا أو رؤية أو برامج للإصلاحات”.

وأضاف “الحكومات المتعاقبة لديها فكرة مسبقة بأنها لن تمكث طويلا لذلك تلتجئ للحلول الوقتية والترقيعية، بينما يتوقف إنتاج القطاعات الاستراتيجية على غرار الفوسفات والسياحة وضعف مستوى التصدير بسبب السياسات المرتبكة”.

ونظريا بدأت تونس قبل ثلاث سنوات في رفع الدعم عبر الترفيع المتواتر في أسعار الوقود، لكن الفئة المستهدفة لم تحصل على شيء جراء هذه القرارات المبتورة، التي انعكست على معيشة الطبقتين الفقيرة والمتوسطة. وقال الديماسي إن “الطبقة المتوسطة تعيش بثلث ما يلزم من العيش الكريم، والطبقة الفقيرة ازدادت فقرا”.

ووفق الأرقام يبلغ متوسط الدخل الشهري للفرد في تونس حاليا 345 دولارا بينما كان في عام 2010 عند نحو 275 دولارا وذلك بالاستناد على القدرة الشرائية وقيمة الدينار الذي تراجعت قيمته بواقع الثلث في غضون عشر سنوات.

رضا الشكندالي: الطبقة المتوسطة تعيش بثلث ما يلزم والفقيرة ازدادت فقرا

وبخصوص رفع الدعم، أكد الشكندالي أنه يتطلب إعادة النظر في سلم الأجور لأن الإجراءات لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، داعما فكرة إعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام المتعثرة لا خصخصتها.

وقال إن “مستوى الأجور مرتفع في بعض المؤسسات الحكومية على غرار شركة الكهرباء التي لا تتماشى أسعار فواتير الاستهلاك المعتمدة مع مستويات دخل التونسيين إلى جانب تراجع مستوى الخدمات، وعليها أن تتخلّص من الفساد وتحسن مردوديتها”.

وانتقدت أطراف اجتماعية ونقابية توجه الحكومة إلى صندوق النقد والارتهان للقروض، محذرة من تداعيات العجز المالي الذي يهدد معيشة التونسيين.

وفي حين اعتبر منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بتونس، أن الاقتراض المتواتر من صندوق النقد لم يساعد على تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، بل إن وضعهم يزداد سوءا مع كل برنامج جديد، وصف مرصد رقابة الإجراءات المقررة بـ”الالتزامات المؤلمة”.

وكان الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابات البلاد قد أعلن الأسبوع الماضي رفضه للإصلاحات المقترحة، معتبرا أنها إجراءات غير اجتماعية. وأكد تمسكه ببدء مفاوضات لرفع الأجور في القطاع العام في ظل الصعوبات المعيشية للتونسيين.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل سامي الطاهري قوله إن هذه الإجراءات “أحادية لم نناقشها مع الحكومة، وتفاجأنا بتفاصيلها عبر وكالة رويترز”. وأضاف “نحن لا نقبل إجراءات غير شعبية وغير اجتماعية وهي هروب إلى الأمام من الحكومة والبحث عن حلول سهلة ومسكنات”.

وأوضح أن الأزمة المالية هي أكبر من مجرد الحديث عن فاتورة الأجور ويتعين على الحكومة البحث عن الأموال من التهرب الضريبي وتفادي المس بالموظفين وعامة التونسيين الذين يعانون ظروفا اقتصادية صعبة.

11