إنتاج الأزمة بدلا من حلها

الخميس 2014/02/13

إحدى حقائق الواقع السياسي الجديد الذي أسفرت عنه ثورات الربيع العربي، في مجموعة الأقطار العربية صانعة هذا الربيع، أن الإرادة الشعبية لم يعد ممكنا ترويعها أو ترويضها أو تدجينها بمثل ما كان يحدث مع أنظمة القمع والقهر والطغيان المنهارة، ولذلك فإن النخب التي تصل إلى الحكم، وتتولى القيادة، يجب أن تتعلم من الآن الانصياع لنبض الشارع، وحركة الجماهير، وأن تعي بأنه صار صعبا، بعد اليوم، قمع إرادة الناس، أو التحايل عليهم بالشعارات الطنانة الرنانة، أو الالتفاف على رغباتهم ومطالبهم، أو النجاح في تزييفها بالأباطيل والأكاذيب، كما كان يحدث في السابق عندما كان كل قرار وكل إجراء يتخذ باسم الشعب، والشعب لا يعلم عنه شيئا.

وما حدث في ليبيا في الأيام القليلة الماضية أنتج أزمة صانعها ومؤلفها ومخرجها وبطلها هو المؤتمر الوطني العام، فقد تمّ انتخاب هذا المؤتمر منذ أكثر من عام ونصف ليستلم السلطة من جسم سياسي، هو المجلس الانتقالي، الذي خرج إلى الحياة بحكم الضرورة، وفي زمن الاحتراب والصراع المسلح مع الطاغية وكتائبه، وبتوافق شعبي فرضته ظروف الثورة، دون انتخاب ولا صناديق اقتراع، لأنه لم تكن ثمة فرصة في ذلك الوقت لمثل هذا الترف، فالبلاد في حالة غليان، وثلاثة أرباعها مازال تحت سيطرة الكتائب التي تدافع عن الطاغية، والكلمة العليا للغة الرصاص، ولم يكن المجلس الوطني الانتقالي إلا جسما سياسيا بديلا للطاغية، يستقطب الاعتراف، وينزع عنه الشرعية، ويسحب من تحت قدميه البساط، وهو ما حصل، وانتهت مهمة هذا المجلس الانتقالي، لتحصل انتخابات تشريعية لإنشاء مجلس بالتفويض الشعبي، عن طريق صناديق الاقتراع وأصوات الناخبين، يتولى إدارة المرحلة الانتقالية، وإنشاء المؤسسات الدستورية، ويتكوّن من مائتي شخص، ويمنح تفويضا لمدة عام ونصف لانتهاء المهمة الموكولة إليه.

وقد انتهت هذه المدة في يوم 7 من شهر فبراير الحالي، دون أن يؤدي هذا المجلس مهمته، ودون أن ينجز عملا واحدا من أربع أو خمس مهامّ رئيسة، هي إصدار الدستور الدائم للبلاد، وإصدار قانون للانتخابات، وإجراء انتخاب لمجلس النواب وإجراء انتخاب لرئيس الدولة، ثم يتفضل بتسليم السلطة لمؤسستي البرلمان والرئاسة، ويعود أعضاؤه للعمل في صفوف الجماهير، جاء يوم 7 فبراير، وانتهى التفويض الشعبي الممنوح من الناخبين للسادة أعضاء المؤتمر الوطني العام، وظهرت هذه الأزمة الناتجة عن فشل المؤتمر في إنجاز ما كان مفروضا أن ينشغل بإنجازه، فقد استغرقته قرارات أخرى تتصل بعمل الإدارة التنفيذية أكثر مما تتصل بالتشريع، ووضع الأسس والقواعد للدولة الجديدة ومؤسساتها الدستورية، واختلق أعضاء المؤتمر معارك بينهم وبين أنفسهم وتكتلاتهم داخل المؤتمر ومعارك أخرى مع وزارات مثل الخارجية أو الداخلية أو المرافق أو غيرها من أجل النفوذ والانتفاع من المناصب والمهايا والتعيينات.

ويضيفون إلى ذلك أن أوضاع البلد وما ينتشر فيها من ميليشيات، وجماعات مسلحة، وغياب أجسام قوية للجيش والأمن، وانتشار السلاح خارج إطار القانون، وبين أيدي تجار السلاح، قد أسهمت في عرقلة مهمة المؤتمر ومنعته من الوفاء بالتزاماته، وهو واقع لا أحد ينكره، ولكنه واقع معروف وموجود قبل الانتخابات التي جاءت بالمؤتمر إلى السلطة، وكل عضو دخل إلى المؤتمر وتعهّد بأداء هذا الواجب، يعرف هذا الواقع، ولم يظهر من خلف السحب أو من تحت الأرض، وجاء مفاجأة له، بل العكس هو الصحيح، بمعنى أن الإسراع بإخراج المؤتمر الوطني إلى النور، كان بهدف أن يسهم في إنجاز واقع جديد، ينهي حالة الفوضى، ويؤسس لحياة دستورية، ويضع الأساس لأركان الدولة الثابتة، لا أن تكون هذه الفوضى، وهذا الخروج على القانون، ذريعة يستخدمها في العجز عن أداء عمله والقيام بواجبه، ومن ثمّ يأتي ليطالب بالتمديد له عاما آخر، أو أكثر من عام، لكي يتمكن من الوفاء بهذه الالتزامات، ويستخدم أهله عذرا لهذا التمديد، بالقول إن انتهاء المؤتمر الآن سوف ينشأ عنه فراغ سياسي وفراغ دستوري، يهدّد بأوخم العواقب، وهو في رأي الكثيرين، كلام لا معنى له، لأسباب كثيرة، من بينها أن أداء المؤتمر كان هزيلا وضعيفا إلى حدّ أنه يتساوى تماما مع أي فراغ، وأن مثل هذا القول يكون مبررا ومعقولا لو تميّز أداء المؤتمر بالحكمة والحصافة والإنجاز والتجرّد والوطنية والبعد عن السفاسف، أما الآن وقد انتهت مدّة المؤتمر، مع كل ما رآه الناس من سوء الأداء، وما ظهر من عجز وضعف، فإن أيّ بديل له، سيكون أفضل من وجوده، ويؤكدون أن 57 عضوا من أعضاء الهيئة العامة للمحكمة العليا، سيكونون بالتأكيد أكثر تأهيلا، وأنضج عقلا، وأكثر علما ومعرفة، وأعظم جدارة، من الناحية الحقوقية والقانونية والوطنية، في ملء الفراغ الناتج عن انتهاء عمل المؤتمر، وإدارة المرحلة التي قد لا تستغرق سوى عدة أشهر لإنجاز الدستور، وانتخابات المجلس الجديد.

ومن أجل رفض التمديد خرجت يوم الجمعة الماضي مظاهرات عارمة في كل الحواضر الليبية، ترفض التمديد لعمل المؤتمر، كما أصدرت المجالس المحلية في أغلب المدن والمناطق بيانات تأييد للحراك الذي يرفض التمديد، وتحرّك بعض المطالبين بالتمديد، يستنفرون المؤيدين، وأخرجوا إلى الشارع تظاهرة أخرى، تعارض التظاهرات الأولى، وتقول نعم للتمديد، ولكنها كانت، كما ذكرت الأخبار، وأكدت أغلب المصادر، أنها هزيلة صغيرة، لا تقارن بالزخم الشعبي العارم الذي يرفض التمديد.

لقد شهدت ليبيا أزمات كثيرة متنوعة ومتكررة منذ تفجّر ثورة 17 فبراير، ناتجة عن صراعات وملابسات وظروف وأحداث، بعضها داخلي، وبعضها خارجي، وبعضها ينسب إلى أزلام النظام السابق وفلوله، إلا أن هذه الأزمة التي تعاني منها البلاد، هي بالتأكيد من صنع المؤتمر الوطني العام ولا أحد سواه، وهو وحده المطالب بحلها، بدلا من الاكتفاء بإنتاجها، ومطالب قبل هذا وذاك، بأن يلتزم بما يمليه الاستحقاق الوطني وما يطالب به الشارع السياسي وما تقتضيه مصلحة الوطن لا المصلحة الشخصية لكل عضو من أعضائه.


كاتب ليبي

8