إنتخابات الرئاسة المصرية.. رغبة في خلق معركة غير موجودة بعد

مع اقتراب انتخابات الرئاسة المصرية مارس القادم، بدأت أجواء المنافسة تحتدم بين الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي وبين المرشح الرئاسي سامي عنان والمرشح الثاني خالد علي، ويشير مراقبون أن ما يعاني منه، خالد علي المرشح اليساري من تضييق وصعوبة في جمع التوكيلات المطلوبة، سيعزز حظوظ عنان العسكري الذي يحظى بتأييد قسم كبير من المعارضة التي تراه الأقدر على منافسة السيسي في جذب أصوات الناخبين وطريقهم إلى تحقيق مكاسب سياسية تراجعت السنوات الأخيرة، غير أنه إذا ثبت تورط عنان في قضايا فساد وعجز خالد علي في جمع التوكيلات، فذلك يدعم حظوظ السيسي في ولاية ثانية حيث سيثبت مرة أخرى أنه مرشح الضرورة.
الاثنين 2018/01/22
البحث عن مخرج من مأزق جديد

القاهرة - تحاول الحكومة المصرية تبديد كل الشكوك والمخاوف في نزاهة انتخابات الرئاسة القادمة، وتوحي الجدية الظاهرة التي تتعامل بها مع السباق الرئاسي، رغبتها في التأكيد بأن معركة الرئاسة حقيقية تتساوى فيها فرص المرشحين في الفوز، ولا أحد يستطيع التكهن إذا كان الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي سيفوز بها أم لا.

وأراد السيسي من خلال إعلانه ترشحه المتأخر للرئاسة، أن يشير إلى تردده في الإقدام على هذه الخطوة وأن مسؤولية الرئاسة كبيرة وتحتاج إلى تفكير، كما أراد أن يلمح أن قراره يأتي استجابة لرغبة قطاع كبير من المواطنين، وأن ترشحه لفترة رئاسية ثانية، يأتي استكمالا لما بدأه في الفترة الأولى، حيث يحتمي برصيد غير هيّن من الإنجازات.

ويوجّه السيسي بذلك رسالة مفادها أنّ خوضه للسباق الرئاسي يأتي عن جدارة واستحقاق أمني، وتلمّح تحذيراته في مؤتمر “حكاية وطن”، الجمعة الماضي، التي أشار فيها بأن “مؤسسات الدولة التي تنهار لن تقوم لها قائمة، وأن الإرهاب لا يزال يشكّل خطرا على مصر”، بأنه ما زال “مرشّح الضرورة”، كما أطلق عليه البعض عند ترشحه للرئاسة لأول مرة قبل حوالي أربعة أعوام.

وتوقّف مراقبون، عند إشارته بأنه “لن يسمح لفاسد بالجلوس على كرسي السلطة”، وفسّرها هؤلاء بأنه يقصد المرشح الرئاسي سامي عنان الذي شغل منصب رئيس الأركان، عندما كان السيسي رئيسا لجهاز المخابرات الحربية. وإذا صحّت هذه التكهنات سيتم قطع الطريق على ترشّح عنان، ومواجهته بما يمكن أن يمنعه من الترشح بصورة قانونية، لاستثمار السيسي تورطه في قضايا فساد.

وبذلك يضع سيسي نفسه في حالة من التناقض، إذ أنه كان على علم بفساد أحد الأشخاص لكن تركه حرا طليقا بلا محاسبة، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع تأييده الشعبي.

معركة الرئاسة

يلفت متابعون أن مهمة جمع 25 ألف توكيل من 15 محافظة كل واحدة منها لا تقل عن ألف توكيل، يصعب إتمامها خلال فترة قصيرة بالنسبة لمنافسي السيسي.

لكن توجّه عنان نحو انتقادات لاذعة لنظام السيسي يمكن أن يضاعف عدد الملتفّين حوله، وسيمسح له بإنجاز التوكيلات المطلوبة. ولا يزال المرشّح الثاني، خالد علي، يكافح لجمع التوكيلات اللازمة، ويشكو من التضييق على تحركاته ومحاصرته إعلاميّا، ويتعرّض لحملات تستهدف النيل منه، كما أنه محكوم عليه بالسجن لثلاثة أشهر بتهمة ارتكابه “فعل فاضح في الطريق العام”، وإذا ثبتت عليه التهمة في الجلسة القادمة (مارس المقبل) سيتم حرمانه من الترشح، لأن القانون يمنع من صدرت بحقهم أحكام قضائية من الترشح.

فيما تريد الحكومة تعزيز الفوز السابق للسيسي (97 بالمئة) الذي ينطوي على دلالات سياسية عقلانية وليست عاطفية، فالفوز المتوقّع سوف تؤكد من خلاله أن السيسي لا يزال هو الرجل المناسب، وحملات المعارضة في الداخل والخارج مغرضة وترمي إلى النيل منه فقط، وتحرّكها جماعة الإخوان التي تعتبر نفسها في ثأر شخصي معه.

وتراهن الجماعة على ترشح سامي عنان، لأنه الأقدر على منافسة السيسي، بحكم انتمائه إلى المؤسسة العسكرية، كما أن ترشّحه يمكن أن يجذب إليه ناخبين عسكريين.

ويمكن للإخوان جمع التوكيلات اللازمة لعنان من المحافظات المطلوبة، خاصة أن علاقته لم تكن سيئة بالجماعة إبان فترة عضويته في المجلس العسكري، عقب ثورة يناير 2011، وقبلها عندما كان رئيسا لأركان الجيش في أواخر فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهو يسير على طريقه في القدرة على توسيع حيّز المواءمات السياسية.

وستجرى الانتخابات خلال الفترة بين 26 و28 مارس، على أن تكون جولة الإعادة بين 24 و26 أبريل في حالة عدم حصول مرشّح على أكثر من 50 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى.

ويرى متابعون أن الرئيس المصري يراهن على جني ثمار ما طرحه خلال فترته الرئاسية الأولى، خاصة وأنه اختبر جملة من التحديات عبر إدارته لأزمات عديدة عصفت بنظامه، ما يجعله محلّ ثقة المواطن في إدارة المتغيّرات السياسية الجديدة محليا ودوليا.

ويشير المتابعون إلى أن السيسي سيحاول تدارك شعبيته التي تراجعت، خلال فترة رئاسته الثانية بمحاولة التخلص قدر الإمكان من عبء الأزمات التي تسبّبت في انخفاضها، وأبرزها استعادة ثقة المصريين في وجود نظام مدني من خلال تنظيم انتخابات نزيهة.

وقال عمرو هاشم ربيع، الخبير بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، لـا”لعرب”، إن “الرئيس المصري يسعى إلى استرداد شعبيته، من خلال سعيه إلى المحافظة على روح التنافس في الانتخابات، والالتزام بمتطلبات الديمقراطية”.

وأوضح ربيع أن “دعم المؤسسة العسكرية للسيسي سيساهم في فرص فوزه، التي تتجاوز نسبة دعم الجيش لعنان”. وتابع “التوافق بين السيسي وبين قيادات الجيش الحالية يعطي ثقة أكثر للمواطن بقياداته، كما يؤشر على نجاح العلاقة بين السيسي وعلاقته بالمؤسسة العسكرية”.

عمرو هاشم ربيع: دعم الجيش للسيسي سيساهم في فرص فوزه، التي تتجاوز نسبة الدعم لعنان

وأشار حازم حسني، المتحدث باسم سامي عنان في تصريحات سابقة إلى أنه “سيقدّم طلبا للمجلس العسكري (أعلى هيئة عسكرية بالبلاد ويترأسها السيسي حاليا) بشأن ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة”، مضيفا أنه “من المنتظر أن يوافق المجلس العسكري، فهذا حق لعنان”.

وحسب حسني فإن “إصدار المشير محمد حسين طنطاوي قرارا عام 2011 حينما كان يدير الفترة الانتقالية، يجعل من أعضاء المجلس العسكري (كان عنان آنذاك عضوا) ضباطا تحت الاستدعاء للخدمة العسكرية”.

وتتفق غالبية القوى المعارضة للرئيس المصري أن عنان قد لا يكون الرئيس المثالي خلال الفترة المقبلة، غير أنها ترى أنه سيكون منافسا مثاليا بالنسبة لهم بعد انسحاب الفريق أحمد شفيق، أمام غموض مصير خالد علي ومدى قدرته على جمع التوكيلات المطلوبة، يضاف إلى ذلك عجز الأحزاب والقوى السياسية الكبيرة عن تقديم مرشح توافقي.

وقالت مصادر مقرّبة من خالد علي لـ”العرب” إن “هناك صعوبات تواجهه لاستكمال عدد التوكيلات بسبب ضيق الوقت والتضييق على بعض أفراد حملته خلال التحرك بالمحافظات”، لافتة إلى أن” ظهور عنان كمرشح رئاسي سيؤثر على رصيد خالد علي المرشح اليساري”.

عنان واستثمار الأزمات

يرى معارضون أن عنان بما لديه من دراية عسكرية قد يستغل تعامل السيسي الخاطئ مع جملة من الملفات أثناء فترة رئاسته الأولى، ويأتي على رأسها الحديث عن صفقة القرن الخاصة بعملية التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، والتي مازالت تحمل غموضا، كما تثير قلق المصريين بشأن مستقبل سيناء.

ووجّه سامي عنان انتقادات حادة للاتفاقية البحرية التي وقعتها مصر مع السعودية، وبموجبها تنازلت القاهرة عن جزيرتي تيران وصنافير للرياض في البحر الأحمر، وهي قضية محلّ توافق وطني كبير في مصر، وقد تجذب إليه عديد من الناخبين الرافضين والناقمين على توقيع الاتفاقية.

ويسعى عنان إلى كسب ما يمكن تسميته بـ”الأصوات العقابية” الرافضة لتوجهات السيسي وما سببته من أزمات اقتصادية في البلاد، ما يخدم طموح المعارضة التي تبحث عن زيادة رصيدها الشعبي والحصول على مكاسب سياسية.

وأوضح محمد سامي، رئيس التيار الديمقراطي، أن مسالة دعم سامي عنان غير مطروحة على تيار الكرامة الوطنية الذي ينتمي إليه حاليا، غير أن فشل خالد علي في جمع التوكيلات أو صدور حكم قضائي ضده قبيل الانتخابات يستبعده، قد تفتح الباب أمام دعم حزبه لعنان في الانتخابات المقبلة فلا بد أن يكون هناك مرشح منافس للسيسي.

وأضاف لـ”العرب” أن تأييد الفريق سامي عنان قد يحدث انقساما بين المعارضة فهناك وثيقة وقّعت عليها ثمانية أحزاب مشاركة في الحركة الوطنية المدنية ترفض التحالف مع أي من رموز نظام مبارك أو الإخوان أو من تلطخت أيديهم بالدماء، وهو ما ينطبق على عنان، لكن في النهاية ربما يكون هناك تغيير في الأمر بناء على آراء القواعد التنظيمية داخل كل حزب.

ولا تعوّل بعض الدوائر السياسية كثيرا على المعارضة، بسبب تراجعها الشعبي، حيث لم تعد تمثّل ثقلا انتخابيا يمكن الاعتماد عليه.

وأشار حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، إلى أن ترشح عنان يعطي دفعة معنوية خارجية للرئيس السيسي، حيث يبرهن على ديمقراطية الحياة السياسية بالداخل المصري، عكس ما تروّج له جماعة الإخوان حيال “ركود الواقع السياسي في مصر”.

لكن يتخوّف متابعون من أن يفشل خالد علي في الحصول على التوكيلات المطلوبة، وقد يتم النبش في ماضي سامي عنان، بما يخرجه من السباق الرئاسي، وفي هذه الحالة سوف تتحوّل الانتخابات إلى استفتاء، وهو سيناريو بديل “سيء”، يكرّس النزعة في السيطرة على السلطة التي تهيمن على أذهان المحيطين بالسيسي.

كاتب مصري

7