إنترنت الأموال.. تجارة المستقبل قد تعيد العالم إلى الماضي

أصبحت عملة بيتكوين شعار كل من يريد أن يخرج عن إطار المؤسسات الاقتصادية والبنوك المركزية، كما تحولت إلى ملاذ آمن للخارجين عن القانون، ورغم ذلك مازالت العملة المشفّرة تسير في طريقها بسرعة هائلة، غير آبهة بتحذيرات خبراء الاقتصاد من الهوس الذي خلقته بين صفوف المستثمرين، وخطورة ذلك المتجسّدة في إمكانية خلق فقاعة جديدة تقود إلى انهيار مماثل لذلك الذي شهده الاقتصاد العالمي عام 2008.
الأربعاء 2017/12/13
الفقاعة تلوح في الأفق

لندن – كما ذهب الملايين من أجل التصويت لصالح تيارات يمينية متطرفة في أوروبا، وللمرشح الرئاسي، الذي صار رئيسا في الولايات المتحدة، دونالد ترامب من أجل رسم ملامح لشكل مختلف لإدارة السياسة في بلدانهم بعدما فقدوا الثقة في المؤسسات الرسمية التقليدية، يقوم المضاربون والمستثمرون بعمل الشيء نفسه، طامحين في خلق اقتصاد جديد تماما يقوم على التداول المشفر على الإنترنت، عبر عملة بيتكوين.

ويرى المسافرون في محطة مترو الأنفاق بلندن إعلانا بجانب خارطة خط المتروبوليتان، ومبيعات أعشاب لعلاج الإجهاد. هذا الإعلان هو عبارة عن صندوق استثمار يعطي المتقاعدين فرصة للمراهنة على “بيتكوين” وغيرها من العملات المشفرة. يحمل الإعلان عبارة “التشفير لا يلزم أن يكون خفيا".

أصبحت بيتكوين، العملة الرقمية التي أنشأها بعض المبرمجين على الإنترنت، استثمارا يتحدث الجميع عنه. فبحلول عام 2015 كان سعرها لا يتجاوز 300 دولار أميركي، في حين شهدت ارتفاعا وصل إلى 10 آلاف دولار ثم 11 ألف دولار هذا الأسبوع ثم ارتفعت لتصل إلى معدل قياسي وصل إلى 17 ألف دولار الإثنين الماضي. ويحذر مسؤولو البنوك المركزية من عدم القدرة على التنبّؤ بتحركات بيتكوين، ومن المؤشرات التي تشير إلى أنها تشكل "أصل فقاعة" يمكن أن ينهار من حيث القيمة.

بيتكوين كان سعرها لا يتجاوز 300 دولار أميركي عام 2015، في حين شهدت ارتفاعا وصل إلى 10 آلاف دولار ثم 11 ألف دولار هذا الأسبوع

صعود مفاجئ

هذه القفزة في أسعار بيتكوين، في وقت يتسم بالتقلب المنخفض في الأسهم والسندات، كان مستحيلا على العالم المالي أن يتجاهلها. فقد صرحت بورصة "ناسداك" الأميركية الأربعاء الماضي بأنها تخطط لإطلاق التعاقدات الآجلة لبيتكوين في بداية العام المقبل، الأمر الذي من شأنه أن يسهل على المستثمرين الاستفادة من الخسائر وكذلك الأرباح من هذه العملة المشفرة. واتباعا لتلك الخطوة اتخذت مؤسسات البورصة الأميركية المنافسة، مثل "بورصة شيكاغو التجارية"، خطوات مماثلة.

وقد اعتبرت البنوك الكبيرة، التي تعمل كوسيط في هذه السوق، الانضمام إلى هذه التجارة الآجلة، على الرغم من الشكوك حول المنتج الكامن كمخزن للقيمة أو وسيلة للدفع.

ويفكر بنك "جي بي مورغان تشيس"، برئاسة جيمي ديمون، الذي وصف بيتكوين بـ"الاحتيال"، في مساعدة المستثمرين بتعاقدات بيتكوين الآجلة. وبحسب تصريحات مؤسسة "غولدمان ساكس" للخدمات المصرفية والاستثمارية العالمية، فإنها تخطط لتسهيل تداول بيتكوين في الأسواق استجابة لطلب العملاء.

وقال لويد بلانكفين، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "غولدمان ساكس"، هذا الأسبوع "لقد تعلمت على مر السنين أن هناك الكثير من الأمور التي لا أحبها ولكنها تجري بشكل جيد. ربما يكون في العالم الجديد، شيء ما يدعمه الإجماع وفي حال كانت عملة بيتكوين ناجحة في المستقبل، سأكون حينها قادرا على شرح كيف أنها عبارة عن تطوّر طبيعي في أشكال المال".

روبرت شيلر: الطلب على بيتكوين ينشأ بسبب نفس نوع المخاوف بشأن الحياة المعاصرة التي ساعدت على انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة

واخترعت بيتكوين عام 2009 للمرة الأولى كورقة بحثية على يد مبرمج غير معروف أو مجموعة من المبرمجين المجهولين، تحت اسم "ساتوشي ناكاموتو"، إذ يُعتقد أنه اسم رجل يعيش في اليابان، ويُرجّح أن يكون أحد مؤسسي العملة الرقمية أو مخترعها الرئيس.

وتحتاج عملية إنتاج بيتكوين إلى وقت طويل وجهاز كمبيوتر قوي وبرنامج خاص بالتعدين يتم تحميله مجانا من شبكة الإنترنت. يتم تسجيل المعاملات في قاعدة بيانات تسمى "بلوكشين".

وبعد ذلك يتم إخفاء هوية طرفي المعاملة المالية، كما تستخدم تقنيات التشفير لمنع الاحتيال، ولا تلعب الحكومات ولا البنوك أي دور في هذه المعاملات.

وكانت النتيجة أن تحول علماء المستقبل والليبراليون ومدمنو استخدام أجهزة الكمبيوتر إلى استخدام منصة "بلوكشين" كوسيلة لجمع الناس معا. فقد وجدت عملاتهم المشفرة استحسانا ودعما بين طبقة المستثمرين الذين فقدوا الثقة في الناس وفي المؤسسات، وعلى الأخص الحكومات والبنوك.

ويرى روبرت شيلر، الخبير الاقتصادي بجامعة ييل الأميركية، أن الطلب على بيتكوين ينشأ بسبب نفس نوع المخاوف بشأن الحياة المعاصرة التي ساعدت في انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة. ويقول شيلر لجريدة كوارتز الإخبارية "تعطي بيتكوين شعورا بالتمكين والقوة، أنا أفهم ما يحدث! يستطيع المرء أن يصبح غنيا بمجرد أن يفهم هذه المعاملات التي أرى أنها من الممكن أن تكون حلا أساسيا لمثل هذا النوع من المخاوف".

سلاح المجرمين

لا تملك عملة بيتكوين رقما متسلسلا ولا أي وسيلة أخرى كانت من أي نوع تتيح تتبع ما أنفق للوصول إلى البائع أو المشتري، مما يجعل منها فكرة رائجة لدى الخارجين عن القانون مثل القراصنة وتجار المخدرات عبر الإنترنت.

والسرية التي تتمتع بها بيتكوين توفر ملجأ للجهات الفاعلة في الزوايا الخفية من الاقتصاد العالمي. ويقول لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة "بلاك روك"، وهي أكبر شركة استثمارية في العالم، "تُظهر سرية بيتكوين مقدار الطلب المتزايد على غسيل الأموال في العالم".

وقال جوزيف ستيغليتز، الخبير الاقتصادي الأميركي الحائز على جائزة نوبل، إنه يجب حظر التعامل بتلك العملة الافتراضية لأن "سر نجاح بيتكوين يكمن في القدرة على التحايل والافتقار إلى الرقابة. هي لا تقوم بأي وظيفة مفيدة للمجتمع من حولنا".

لويد بلانكفين: خبرتي عبر سنين طويلة أوصلتني إلى 'قناعة بيتكوين' التي تعلمك أن هناك الكثير من الأمور التي قد لا تحبها ولكنها تجري بشكل جيد

وتتزايد قيمة بيتكوين بشكل لم يسبق له مثيل. فخلال الـ12 شهرا الماضية وحتى 30 نوفمبر من هذا العام ارتفع سعر بيتكوين بمقدار 1.8 بالمئة لتصل قيمتها إلى ما يقرب من 170 مليار دولار، وهي القيمة السوقية لأسهم شركة جنرال إلكتريك. وبالمقارنة، تضاعف مؤشر "ناسداك" المركب بالكاد خلال السنة الأخيرة من ازدهار أسواق البورصة في الصناعات المتعلقة بالإنترنت. وحظيت فقاعات أسواق الأسهم الأخرى، كما هو الحال في الولايات المتحدة عام 1929، واليابان عام 1989 أو الصين في عام 2007، بنفس القدر من قطاع التكنولوجيا.

بداية الانهيار

تستطيع بيتكوين أن ترضي كل أشكال الهوس عند المستثمرين. ويقول المؤرخ الاقتصادي تشارلز كيندلبرغر، في كتابه الذي صدر عام 1978 "الهوس، الخوف والانهيار"، إن "مثل هذه الحلقات يمكن أن تبدأ باعتماد الاختراع وآثاره المستقبلية التي يصعب تقييمها".

فالسياسة النقدية الفضفاضة، من النوع الذي أعقب الأزمة المالية عام 2008، يمكن أن تشجع على جنون الاستثمار. فمع زيادة الأسعار، يزداد الضغط على الاستثمارات من الجهة الأخرى. وارتفع معدل استثمارات صندوق التحوّط في العملات المشفرة من 55 في نهاية أغسطس إلى 169 بحلول هذا الأسبوع.

ويقول كلير نيكولز، الشريك في مؤسسة “إنفينيو كوربوريت فاينانس” المالية “هناك أوجه تشابه كبيرة بين فقاعة الإنترنت وبيتكوين. كانت فقاعة الإنترنت مدفوعة دائما بفضول الكثيرين لمعرفة المزيد وعدم تفويت هذه الفرصة. الكثير من الناس تصرفوا دون فهم لما يجري من حولهم. ونتيجة لذلك، ارتفعت الأسعار الآن، وبعد أكثر من عقد من الزمان نتعرض لمثل هذا الموقف المتقلب".

وبحسب تصريحات مؤسسة “كوين بيز”، أحد أكبر شركات تبادل الأوراق المالية، الأربعاء الماضي، فإن حركة التداول كانت “مرتفعة جدا” ما أدى إلى انخفاض أداء العملاء. وتعرضت مؤسسة “جيميني”، وهي شركة أخرى لتبادل الأوراق المالية لانخفاضات متقطعة خلال الأربعاء والخميس الماضيين نظرا للتدفق الهائل في المعاملات التي شهدتها الشركة.

وقال خافيير باز، المحلل في مجموعة “آيت” الاستشارية في نيويورك، إن "بعض التبادلات تتعامل مع عشرات الآلاف من الحسابات المفتوحة. هذا هو ما يحدث بالضبط عندما تتعرض إلى أزمة تشغيل".

سرية بيتكوين تظهر مقدار الطلب المتزايد على غسيل الأموال في العالم

وقامت مجموعة “لندن آي جي”، أكبر منصة تداول عبر الإنترنت في المملكة المتحدة من حيث حصتها في السوق، الاثنين الماضي، بتعليق تداول بعض عقود بيتكوين الآجلة. هذا سيتيح للمراهنين فرصة اللعب في السوق باستخدام “عقد الفرق”، حيث يدفع طرفا التعاقد الفرق في السعر في وقت التجارة وعند التسوية. ويقول باز إن تجار العقود الاشتقاقية كانوا “يستشعرون ضعف السيولة” في السوق.

وقد أدى هذا النمو المتسارع إلى ظهور خطر جديد، حيث أن الموظفين الجدد تنقصهم أيديولوجية بيتكوين. ويقول غافن براون، كبير محاضري الاقتصاد المالي في جامعة “مانشستر متروبوليتان” البريطانية ومدير صندوق التحوط المشفر “بلوكشين كابيتال”، إنه “مع اقتراب عتبة 10 آلاف دولار، قام العملاء فورا بالبيع”. وأضاف براون “لسنوات مثلت 10 آلاف دولار حاجزا نفسيا في نقاشات المنتديات عبر الإنترنت. كان هذا هو الحلم الذي أراد الكثيرون الوصول إليه. فالناس الذين اشتروا في السوق منذ 4 سنوات يبيعون الآن ويصرفون العائدات المرتفعة".

ومع مرور المزيد من الوقت، أعربت بعض المؤسسات المنظمة عن مخاوف جديدة. حيث حذّر راندال كوارلز، مسؤول نظام الاحتياطي الفيدرالي الذي يشرف على البنوك، الخميس الماضي، من أن هذه العملات الرقمية هي منتج لم يثبت بعد وجوده في وقت الأزمات. وجاءت كلماته بعد أسابيع فقط من تحرك المسؤولين الصينيين لإغلاق سوق تبادل بيتكوين.

وأضاف كوارلز “دون تلقي دعم البنوك المركزية والدعم المؤسسي، فإنه لن يتضح كيف ستعمل هذه العملة الرقمية في مركز نظام دفع واسع النطاق، أو ما إذا كان نظام الدفع سيكون قادرا على العمل في أوقات الضغط".

12