إنجازات من ورق لأبطال وهميين يجسدون الشباب الفاقد للأمل

نموذج عبدالعاطي يشكل حافزا للتقليد وتحقيق الانتشار والمنظومة الأخلاقية لدى قطاع كبير من الشباب تفتقر إلى التوازن.
الأحد 2018/09/30
بطولات وهمية

أسباب كثيرة تقف وراء ظاهرة تزييف الشباب للاختراعات والإنجازات العلمية والرياضية، من الرغبة في جذب الأضواء والشهرة والمجد الزائف، إلى إرضاء الاحتياجات النفسية وتجاوز حالة اليأس والعجز، لكن المسؤولية الكبرى تقع على وسائل الإعلام التي تنساق للحدث دون التحقق من مصداقية الادّعاءات، إضافة إلى مسؤولية الحكومة التي جعلت من نموذج عبدالعاطي قدوة للشباب الفاقد للموهبة.

القاهرة - باتت ظاهرة تزييف الشهادات العلمية وسرقة الأبحاث والإنجازات الوهمية منتشرة بشكل واسع بين الشباب، يغذيها هوس البحث عن الشهرة في المنصات الافتراضية التي روجت لفكرة المثالية، وجعلت الجميع يلهث وراء مكانة متميزة لتسليط الأضواء عليه.

وانطلى التزييف حتى على وسائل الإعلام والصحف والمجلات ومواقع الإنترنت، فتسابقت على استضافة أصحاب الاختراعات والإنجازات للاحتفاء بهم باعتبارهم نماذج مشرفة وقدوة للشباب، ما جعل الظاهرة خطيرة تهدد مصداقية البحث العلمي، وتشوه صورة الشباب الجاد وتفقد الثقة به.

وانهالت بعض وسائل الإعلام في مصر مدحا على طالب الثانوية العامة محمد عبادي، وتسابق الكثير من الإعلاميين للحصول على السبق الصحافي واستضافته للحديث عن إنجازاته العلمية المرتبطة بمجال النانو تكنولوجي، بعد ادّعاء الفوز بالمركز الأول في مسابقة علمية روسية شهيرة تدعى “أرشميدس″، لاختراعه وسيلة لإنتاج الطاقة من النبات.

ورغم أنه ليس صعبا التحقق من مصداقية الشاب عبادي وحقيقة الإنجاز الذي روج له الأب وقاده نحو الإعلام ناسبا إليه فضل وصوله إلى هذا الذكاء والموهبة التي لا أساس لها. إلا أن المثير في الأمر هو أن مسؤولين في الحكومة المصرية وقعوا ضحية لهذا التزييف، وانساقوا وراء الحملة العلمية ولم يتفحصوا أوراق الشاب وتاريخه الخالي من أي تفوق دراسي.

وفي الواقع لم يكن عبادي ومعه والده أول المدّعين بالتفوق وتحقيق إنجازات عالمية فريدة، إذ أن المسألة تكررت في مجالات مختلفة وهي مستمرة، فكل واقعة مزيفة تحقق لصاحبها شهرة مؤقتة، ثم ينكشف أمرها، ويتوارى صاحبها من دون أن يحصل على جزائه القانوني، لأن الناس تنساه، وتنشغل بغيره وتنجذب إليه.

ولا ينسى المصريون حكاية “الشاب المعجزة” مصطفى الآغا الذي خرجت بعض الصحف تحتفي به باعتباره خارقا للذكاء، ونجح في الفوز بالميدالية الذهبية في مسابقة علمية جرت في جنيف، وزعم أنه اخترع جهازا لتحلية مياه البحر بتكلفة زهيدة وسرعة مذهلة.

ووصل بعض الكتاب وقتها إلى حد أنهم حذروا الحكومة من اختطاف الطفل من جهات أجنبية والعمل لصالحها، في حال عدم تبني موهبته باعتباره ثروة قومية، وفق تعبيرهم.

وزعم الآغا نفسه أن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وقتها أرسل له رسالة على البريد الإلكتروني بشكل شخصي يطالبه بالقدوم إلى الولايات المتحدة على الفور، ثم ظهرت معالم الحقيقة بعد ذلك واتضح أن الآغا لم يرشح على الإطلاق إلى الجائزة كما أنه ليس عالما ولا متخصصا من الأساس في تحلية المياه.

ومثال آخر، رياضي هذه المرة فقد استطاع شوقي عبدالحليم، في عامه السادس عشر، خداع الأندية والقنوات الرياضية بأنه لاعب محترف في صفوف أحد الأندية الفرنسية الكبيرة، وتحاول أندية أخرى كبرى تلقفه وتجنيسه للفوز بإمكاناته التي تضاهي أمهر لاعبي كرة القدم في العالم.

فشل الأسرة في احتواء الشباب وسد حاجاتهم النفسية مبكرا، يخلق إنسانا عاجزا ومتعدد الأوجه يبحث عن طرق غير شرعية لإثبات ذاته أمام الناس

وواصل ادّعاءاته التي روجت لها بعض وسائل الإعلام بالقول إن النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي قال عنه إنه خليفته في الملاعب، قبل أن يفضح رواد مواقع التواصل أكاذيب شوقي الذي لا تتعدى مهارته في كرة القدم، مهارة هاو يلعب في أحد شوارع وحواري القاهرة.

وتتكرر تلك النماذج بين الشباب بطريقة مثيرة، ولا يتوقف أصحابها عن محاولة الفوز بالنجومية والمجد الزائف، وبحسب تفسيرات وتأويلات الخبراء، فإن دوافع هؤلاء الشباب تتراوح بين البحث عن شهرة سريعة من دون مجهود حقيقي، وبين السمات الطاغية على المجتمعات الفقيرة ورغبة المنتمين إليها في تغيير واقعهم المزري بأي شكل، حتى لو كان ذلك من خلال الخـداع والزيف ونشر الشائعات.

احتياجات نفسية

والسبب الرئيسي في لجوء هؤلاء الشباب إلى ادعاء تحقيق منجزات وهمية، يعود إلى عامل هشاشة المجتمع ودخول قطاع كبير من شبابه مرحلة خطيرة من اليأس في تحسين الواقع السياسي الذي أغلق الكثير من المنافذ أمامهم، كما أن احتدام الأزمات الاقتصادية حال دون العثور على مصادر لتحسين الدخل المادي بطريقة مشروعة، ولعبت العوامل الاجتماعية دورها في زيادة الإحباط لدى فئة من الشباب كانت تتصور أن هناك مجالا لتكافؤ الفرص، قد يسمح بالخروج من الشرنقة الضيقة.

يقول العالم الأميركي موراي بوين، صاحب نظرية الإرشاد الأسري، أن تكوين الطفل في مراحل متعددة حتى الوصول إلى سن العشرين، التي تمثل سن الثورة والحماس، يحتاج إلى سد الاحتياجات النفسية الأساسية تماما مثل الاحتياجات الفيزيولوجية. وفي حالة العجز تكون تلك الثغرة ممنهجة لنشوء اضطرابات سلوكية عند وصوله إلى مرحلة الشباب.

وتتعدد الاحتياجات النفسية للإنسان عموما، والشباب خصوصا، بين الاحتواء والحنين والحب غير المشروط والتشجيع والدعم والحماية والرغبة في الإبداع. ويقود غياب الاحتياجات التي تصب جميعها في النهاية نحو فكرة تحقيق الإنجاز، إلى لجوء الطفل ثم الشاب إلى الاحتيال والكذب مهما كان شكله للفوز برضا الأسرة والأهم التشجيع والشعور بالذات.

وتلقي نظرية بوين وارتباطها بالتربية مسؤولية تحوّل الشاب إلى محتال ومخادع أو مدّعي موهبة، على الأسرة وطريقة تربيتها له منذ الصغر وعجزها عن إشباع رغباته الطبيعية والمطلوبة.

وتقول إيناس عبدالودود، أستاذة التربية النفسية بجامعة القاهرة، إن المراحل المختلفة لانتقال الإنسان من طفل إلى شاب، هي المرحلة الأخطر في تحديد هوية الشخص وتكوينه النفسي والفكري، والتصاق المعايير الأخلاقية بوجدانه.

وتضيف في تصريحات لـ”العرب”، أن فشل الأسرة في احتواء الشباب وسد حاجاتهم النفسية مبكرا، من تشجيع وإشادة وشعور بالفخر بأبنائها على أفعال غير حقيقية لا تستحق التقدير، يخلق إنسانا عاجزا ومتعدد الأوجه يبحث عن طرق غير شرعية لإثبات ذاته أمام ذويه، وهو ما ينتهي إلى بحث الكثير من الشباب عن تحقيق إنجازات وهمية للوصول إلى إشباع غرائزهم النفسية.

وتتحمل الأسرة في الحالتين ما يؤول إليه الأبناء، ولا سيما إذا كانت شريكة للشاب في كذبه بادعاء تحقيق إنجاز معين تماما، مثل حالة الشاب عبادي، الذي لعب والده الدور الأكبر في تشجيعه على الاستمرار في اختلاق أكاذيب حول إنجازات علمية واختراعات مزيفة.

تقليد أعمى

الجميع يبحث عن مكانة القدوة الأعلى
الجميع يبحث عن مكانة القدوة الأعلى

نجاح بعض النماذج في خداع وسائل الإعلام ومتابعي مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يبادرون بالاحتفاء بهم تحت شعار أن المجتمع حافل بكفاءات ولا يجد من يدعمها، ولهاث المسؤولين وراء الإعلام بتكريمهم، يقدم شبابا مشوها لا يحاول تقديم فعل يستحق الإشادة.

ويلجأ بعض الشباب إلى الصراخ على مواقع التواصل الاجتماعي، ولفت الانتباه أحيانا إلى نماذج هي مشوهة في الحقيقة، كنوع من الانتقام من الحكومة التي لم تقدم فرصا ورعاية ملموسة للشباب، وتكون الانتقادات الموجهة إليها في هذه المسألة، عن قصد أو من دونه، أداة لزيادة نقمة الشباب عليها.

وفي المراحل العمرية بين 12 عاما وحتى سن الـ20، يبحث الشاب عن قدوة يسير على خطاها، وتصبح شاغله، تقترن بغالبية سلوكياته، ولا يشترط أن يصبح ذلك النموذج حسن السلوك أو مثالا خيّرا، وغالبا ما تكون تلك القدوة شخصية شهيرة ومثيرة وملفتة أو نموذجا مجتمعيا يحيط بالشاب، تماما مثل الممثل محمد رمضان أو اللاعب محمد صلاح.

ويرجع بعض الخبراء التفشي السريع لظاهرة احتيال الشباب إلى الخلل الذي أصـاب طريقـة التفكيـر التي تقـوم عليها الكثير من الممارسات الرسمية، والتي لا تختلف عن الادعاءات المزيفة لدى البعض من الشباب.

ويتذكر المصريون عندما روجت الحكومة لتوصّلها إلى علاج لمرض الإيدز وفيروس الكبد الوبائي (فيروس سي)، وأشاعت أن فريقا طبيا كبيرا عام 2015 بقيادة لواء يدعى إبراهيم عبدالعاطي، اخترع جهازا يعمل بالموجات الإشعاعية يعالج الأمراض المستعصية.

وشغل الاختراع اهتمامات المرضى الميؤوس من علاجهم، وغيرهم من المواطنين، ولم تفكر الحكومة وقتها في أن اختراعها المزعوم ليس له أساس علمي. وتسببت أحاديث عبدالعاطي نفسه حول علاج مرض الإيدز، الذي مازال العالم يعجز عن مواجهته تماما، في إثارة أوساط سياسية ومنصات التواصل الاجتماعي، لتنكشف الخدعة ويختفي المخترع وجهازه فجأة عن الساحة، وتتراجع الحكومة عن دعمها دون اعتذار أو تفسير.

اختفى عبدالعاطي وبقيت ظلاله من مجد مختلق تنعكس على الشباب، فعندما يجد هؤلاء أن الحكومة تحتفي بالهرطقات فمن الطبيعي أن يحاول تقليدها ليجني ثمار شهرة مؤقتة.

ويقول محمد الإمام، الباحث في كلية العلوم بجامعة القاهرة، “تلك الواقعة الفريدة، شكلت موجة من السخرية داخل وخارج مصر، كانت حافزا للكثير من المحتالين على تقليد عبدالعاطي وتحقيق انتشار مماثل، بعد أن أضحى ارتكاب أفعال مشينة علميا ومجتمعيا أمرا لا يدعو إلى الخجل، بل بالعكس يقدم لصاحبه الشهرة والمال”.

وأوضح الإمام لـ“العرب” أن ادعاء أو ممارسة أو تقديم أمر ما على أنه علم، دون التزام بالطرق العلمية، ومن دون إمكانية اختباره بشكل موثوق، جريمة تنتهي بزج صاحبها في السجن في الدول الغربية، لأن تطبيق قواعد صارمة تحاسب المدعين ومروجي تلك الإدعاءات هي الحل الوحيد لوقف تلك الظاهرة.

الرغبة في الإنجاز تأخذ مسارات عديدة
الرغبة في الإنجاز تأخذ مسارات عديدة

وقال إن “اكتشاف الخدع العلمية لها طرق كثيرة سهلة يمكن للمواطن العادي كشفها قبل المتخصص، وأبرزها عامل العمر، فليس من الطبيعي أن يكتشف طالب في الثانوية العامة خللا في نظرية النسبية، التي تحتاج دراستها 10 سنوات على الأقل، فمتى وأين درس ذلك الطالب النسبية حتى يتحدث عن تفنيدها؟

وقبل سنوات قليلة شغل شاب مصري يدرس بجامعة الأزهر يدعى عبدالرحيم راضي مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية، بعدما أعلن فوزه بالمركز الأول في مسابقة القرآن الكريم التي أقيمت في العاصمة الماليزية كوالالمبور، وحصوله على لقب أفضل قارئ في العالم، ثم أعلن الأزهر تنظيم حفل ضخم لتكريمه، لكن بعد أيام انكشفت خدعته بالصدفة عند سؤال أحد المسؤولين في السفارة الماليزية بالقاهرة عن كيفية الاشتراك في المسابقة ليفاجأ الجميـع بأنـه لا توجد مسابقة مثل هـذه أصلا.

وتساءل الناشطون على مواقع التواصل وقتها عن الأسباب التي دفعت الشاب الأزهري المتعلم وحافظ القرآن إلى الكذب والتضليل. وصب البعض غضبه على الشاب لأنه لم يهن نفسه فقط، لكن أساء إلى مؤسسة الأزهر وزملائه من حملة علوم الدين.

عندما سأل راضي عن أسباب فعلته، أجاب بلغة عامية مقتضبة “هي جات عليا!”، يقصد أنه ليس الوحيد الذي يفعل ذلك، ما يعني أنها ظاهرة يتم السكوت عليها، ويتم اكتشافها أحيانا بالصدفة.

انعكست كلمات راضي على حالة المجتمع. وكشفت على نوايا يخشى البعض الاعتراف بها، وهي تتعلق بانهيار منظومة التربية وتفشي الجهل، ما أدّى إلى خلق رغبة تلقائية في تبرير الأفعال ومحاولة البحث عن وسيلة دفاعية لقتل الشعور الداخلي بالذنب.

أصبحت انعكاسات صورة المقرئ الصغير واضحة على كثيرين تساقطت من حولهم أوراق الفضيلة، وانهارت لدى الكثير منظومتهم الأخلاقية. ولم يكن الشاب راضي سوى نموذج لأمثلة تتزايد وتختل معها معايير الصدق والطموح.

باتت المنظومة الأخلاقية لدى قطاع من الشباب تفتقر إلى التوازن القائم على التفرقة بين ما هو صواب وما يقع تحت طائلة الخطأ، ما أسفر عن عجز الكثير من الشباب عن توخّي الدقة في التصورات والتصرفات والطموحات والأحلام.

19