إنجي أفلاطون فنانة وكاتبة سياسية صبغت نساء مصر بألوانها

السبت 2015/05/16
أفلاطون امرأة الثورة التي اهتدت إلى الرسم حلا

“لم يكن من السهل تصنيفها” قيلت تلك الجملة غير مرة في محاولة التملص من محاولة وضعها في مكان بعينه. فابنة الطبقة الأرستقراطية لم ترتق السلم إلى الأعلى بل فعلت العكس حين هبطت لتنضم إلى رؤى الفقراء.
وحين ذهبت إلى المعتقل بدلا من أن تكون في قصر عائلتها تأكد للكثيرين أن تلك الفنانة والناشطة النسوية قد اختارت أن تمضي في الطريق الصعبة. أما حين تخلت عن أسلوبها السيريالي في الرسم واتخذت من الواقعية التعبيرية منهجا فنيا لها فقد كانت قد صنعت معادلة متوازنة بين ما هو فني وإنساني، لكن ضمن إطار سياسي.

كان شعورها بالاغتراب مبكّرا، وهو ما دفعها إلى التمرد. فهي التي نشأت في بيئة مغلقة على مفاهيمها المتعالية على المجتمع لم تجد في انخراطها في التعلم في مدرسة كاثوليكية إلا نوعا الانقطاع القسري عن المجتمع المصري الذي لم تكن هي وسواها من صبايا النخبة الراقية يعرفن عنه شيئا.

كان سؤالها الوجودي البريء يوما أكبر من أن تطيقه أسس التربية المعتمدة في تلك المدرسة الصارمة في تقاليدها، فكان أن طردت الفتاة بعد سنوات قضتها متمردة، فهل اختارت إنجي حسن أفلاطون يومها أن تستبدل سجن المدرسة بسجن البيت؟

إنجي المتمردة

كانت إنجي يومها في سن الخامسة عشرة وكان لديها ما تفعله وبشغف عميق. فالفتاة التي ولدت عام 1924 كانت قد بدأت اكتشاف العالم من خلال الرسم في سن مبكرة من حياتها. لم يكن للصدفة دور في أن تجد تلك الفتاة الطريق إلى عالم الفن سالكة أمامها. كان الفنان المصري الرائد محمود سعيد صديقا للعائلة، فأذهلته رسومها حين اطّلع عليها، ومن خلاله استطاعت أن تتعرف إلى المخرج والرسام كامل التلمساني الذي كان يومها داعية تمرد ومعاصرة والتزام إنساني من خلال جماعة فنية أسسها بمعية جورج حنين ورمسيس يونان وفؤاد كامل. كانت تلك الجماعة تحمل اسم “الفن والحرية” فهل كان حلم إنجي أفلاطون يتخطى طرفي تلك المعادلة؟

صارت الممارسة الفنية يومها بالنسبة إلى الفتاة التي ما زالت صغيرة في السن هي أسلوب التعبير عن التوق إلى الحرية، غير أن اقترابها من أفراد تلك الجماعة الذين كانوا يجمعون بين الثقافتين العربية والفرنسية كان قد طبع طريقة نظرتها إلى العالم بأسلوبين، يبدوان الآن متناقضين، غير أنهما في بداية أربعينات القرن العشرين لم يكونا كذلك. كانت إنجي أفلاطون سريالية في الرسم، ماركسية في السياسة. ولم تكن ترى تناقضا بين ما تتمرد عليه في الفن وما تنشد الوصول إليه من خلال السياسة.

الواقع من وجهة نظرها لم يكن حله إلا شيوعيا. وهو ما أدى في النهاية إلى اعتقال إنجي أفلاطون في العام 1959 لتقضي في السجن أربع سنوات

الكاتبة الثورية التي لم تنس الرسم

كان تأثرها بأفكار جماعة الفن والحرية قد هيأ لها أرضية خصبة للتفكير في قضايا المجتمع بوعي غلب عليه الطابع الاشتراكي. وهو ما جعلها تنزلق تدريجيا وبقناعة راسخة إلى العمل السياسي المباشر في اتجاهين، النسوية، حيث صارت واحدة من رائدات الدعوة إلى تحرير المرأة، والارتباط الحزبي حين انتمت إلى حركة أسكرا الشيوعية عام 1944.

كان كل شيء يجري في حياتها بطريقة منسجمة، كما لو أن أفلاطون خلقت لترسم وتكون داعية تمرد نسوي وحاملة أفكارا سياسية تدعو إلى العدالة الاجتماعية. وهو ما جعلها تهتدي إلى موهبتها في الكتابة، حين كتبت منشورين سياسيين اكتسبا شهرة في مجال التثقيف السياسي هما “80 مليون امرأة معنا” و”نحن النساء المصريات”. فيهما قدمت أفلاطون رؤيتها في مجال العلاقة الجدلية بين حرية المرأة وتحرر الأمة، وهي العلاقة التي قادتها إلى أن تتخلى عن السريالية أسلوبا فنيا لتنضم إلى الواقع، بطريقة تهبه القدرة على التعبير الراقي عن مشكلاته.

وما إن أطل عقد الخمسينات حتى كانت أفلاطون تقف في الصف الأول من الرسامين المصريين المهمومين بتطلعات المجتمع ونضالاته من أجل التحرر، فكانت مشاركتها في بينالي فينيسيا عام 1952 تكريسا لوجودها فنانة من طراز خاص، كانت الحياة اليومية المصرية تأخذ على يديها طابع المناجاة الثورية المعاصرة.

هل خيبت ثورة العسكر في يوليو 1952 آمالها في الحرية، حيث استمرت في العمل السياسي المعارض للتجربة الناصرية؟ بالرغم من نزعتها القومية فإن إنجي أفلاطون التي تشبعت بالفكر الشيوعي لم تكن ترى في المبادرات الناصرية حلا.

وكما أرى الآن فإنها مثل أيّ شخص شيوعي كانت منفصلة عن الحلول الممكنة التي يقترحها الواقع. من وجهة نظرها لم يكن الحل إلا شيوعيا. وهو ما أدى في النهاية إلى اعتقالها عام 1959 لتقضي في السجن أربع سنوات، عاشت حيرتها بطريقة فسرت لها اختلافها عن رفيقاتها في النضال. بالنسبة إلى ابنة العائلة الارستقراطية كانت حياة الشظف أمرا لا تذكره الكراسات الحزبية ولم تتعلمه سلفا. لقد اكتشفت في سجن القناطر أنه لم يعد لديها شيء تفعله سوى أن ترسم.

الممارسة الفنية تتحول عند إنجي الصغيرة إلى أسلوب للتعبير عن التوق إلى الحرية، غير أن اقترابها من الذين كانوا يجمعون بين الثقافتين العربية والفرنسية كان قد طبع طريقة نظرتها إلى العالم بأسلوبين، يبدوان الآن متناقضين

في البداية لم يكن ذلك الشيء مسموحا به، غير أن إدارة السجن سمحت لها في ما بعد أن تعود إلى حياتها الحقيقية، أن ترسم، بشرط أن يكون كل ما ترسمه ملكا للسجن. يومها صار الحلم بالحرية واقعا شخصيا يضغط عليها فتوزعت رسومها بين فضاءين، فضاء السجن وفضاء الحياة التي تقع خارجه وكانت صور النساء الحالمات في الحرية وراء القضبان هي ما جعلتها تنجز أجمل أعمالها في تلك المرحلة. صارت ابنة القصر الثرية تستلهم أحلام رفيقاتها القادمات من الهامش الاجتماعي.

واقعية لكن بشروط سحرية

عام 1964 غادرت إنجي أفلاطون السجن ولم تكن محطمة، وهو ما جعلها تستعيد موقعها في صدارة المشهد الفني المصري فأقامت العديد من المعارض الشخصية في مصر والعالم وكان لها أن تحقق حلما قديما في العرض في موسكو ونيودلهي. رسومها ذات الطابع الريفي أثارت الكثير من الأسئلة حول الفن الملتزم وكانت حياة السجن قد غيرت الكثير من آرائها حول الأساليب الفنية فكانت الواقعية أقرب تلك الأساليب إليها.

غير أن واقعيتها لم تكن من النوع التسجيلي، القريب مما يمكن أن يقدمه الفوتوغراف. كانت واقعيتها من النوع الذي لا يخلو من السجال التقني، وهو سجال يعتمد أصلا على اللعب بالأدوات والمواد المستعملة. ففي سبعينات القرن العشرين اتجهت الرسامة إلى الاستعانة بالفراغ الذي يتخلل الضربة الفنية الواحدة، وهو فراغ كانت الفرشاة التي تمّ قص عدد من شعراتها تتركه على سطح اللوحة كما لو أنه جزء طبيعي منها.

ومع ذلك فإن أفلاطون لم تنتبه إلى ضرورة أن يكون الفن مستقلا عن السياسة إلا حين بلغت الستين من عمرها. حدث ذلك قبل أن تغادر الحياة بخمس سنوات (توفيت عام 1989). يومها كفت الرسامة عن النشاط السياسي وتفرغت نهائيا للرسم. مَن تأخر على الآخر، إنجي التي انغمست بشكل أعمى في السياسة أم الرسم الذي كان المعنى الحقيقي لحياتها؟

الآن يبدو سؤال من ذلك النوع مربكا، فهو لا يستدعي إلا إجابات حزينة غامضة. كان من الممكن أن تكون إنجي أفلاطون أكثر اكتمالا مما ظهرت عليه في صورتها التاريخية، باعتبارها ناشطة نسوية وحزبية معارضة وسجينة ورسامة.

ولكن ما حدث في الواقع هو الذي يهبنا صورة تلك المرأة المناضلة بعطائها الفذ الذي صار جزءا من التاريخ.

14