إندونيسيا.. إحصاء المساجد لمحاصرة التطرف

عدد المساجد في إندونيسيا يتجاوز الموجود بالهند وبنغلاديش التي تحتوي وحدها على 300 ألف مسجد.
الجمعة 2020/01/17
الأيديولوجيات الراديكالية يمكن أن تظهر في أي مكان

منذ وقوع التفجيرات الإرهابية في مدينة سورابيا في 13 مايو 2018، انتبهت السلطات الإندونيسية إلى ضرورة تعزيز الإجراءات المكافحة للتطرف والإرهاب، وتوصلت إلى أن مكافحة الإرهاب لا تقتصر على مراقبة التيارات المتطرفة، بل تمتد أيضا إلى الانتباه إلى ما يمكن أن تمثله المساجد من فضاءات تنتشر فيها الأفكار المتطرفة. ولذلك تجري وزارة الأوقاف عملية إحصاء لمساجد البلاد، لمراقبة ما يروج داخلها من خطب دينية.

ماموجو (إندونيسيا) - يتولى فخري أفان منذ سنوات مع فريق مؤلف من نحو ألف شخص إنجاز مهمة شاقة تقوم على التنقل في أرجاء إندونيسيا الشاسعة لإحصاء عدد المساجد في أكبر بلد مسلم من حيث عدد السكان.

ومع انتهاء صلاة الجمعة، يقف المصلون يراقبون طائرة يسيّرها أفان فوق رؤوسهم لتصوير مسجد سوادا على جزيرة سيلاويسي الإندونيسية.

وقال يوسف كالا، نائب الرئيس الإندونيسي السابق، العام الماضي مازحا “الله وحده يعرف عدد الجوامع في إندونيسيا. يقول البعض إن العدد يجاور المليون”.

وأحصى فريق فخري أفان الذي باشر عمله عام 2013، حتى الآن 554152 مسجدا أي 75 بالمئة من المساجد في البلاد. وكان التعداد الرسمي السابق أشار إلى وجود أكثر من 740 ألف مسجد في البلاد.

ومع هذا العدد المؤقت، تكون إندونيسيا قد تجاوزت الهند التي تضم حوالي نصف مليون مسجد، وبنغلاديش التي تحتوي 300 ألف مسجد.

لا تشكل هذه الأرقام مفاجأة خصوصا وأن 90 بالمئة من سكان إندونيسيا البالغ عددهم 260 مليونا، يدينون بالإسلام وهو أكبر عدد مسلمين في العالم. وتضم العاصمة جاكرتا مسجد الاستقلال وهو الأكبر في جنوب شرق آسيا ويتسع لمئتي ألف مصلّ.

إلا أن إحصاء كل دور العبادة مهمة شاقة لفريق وزارة الأوقاف الذي ينبغي عليه التنقل في أرخبيل يضم 17 ألف جزيرة وتبنى فيه مساجد جديدة باستمرار.

وبعد جمع معلومات رئيسية حول مسجد سوادا الأخضر والأبيض القادر على استيعاب ثلاثة آلاف مصل في مدينة ماموجو، يحمل فخري أفان الصور من طائرته المسيّرة إلى قاعدة معلومات عبر الإنترنت.

ويوضح “كنا نقوم بذلك سابقا يدويا والآن أصبح الأمر رقميا”. وتعمل الحكومة أيضا على تصميم تطبيق “إنفو مسجد” حتى يتمكن الأفراد من إيجاد أقرب المساجد إليهم عبر الهاتف الذكي.

ويأمل بعض المؤمنين، مثل نور سليم إسماعيل في ماموجو، أن يسمح الإحصاء الرقمي بمزيد من “الشفافية المالية”.

وأضاف “غالبا ما تتعامل المساجد مع كميات كبيرة من المال يتبرع بها المؤمنون وينبغي أن نعرف بوضوح كيفية استخدامها”.

كذلك يسمح إحصاء المساجد بالسيطرة أكثر على التطرف. وفي هذا الصدد قال فخري أفان “الأيديولوجيات الراديكالية يمكن أن تظهر في أي مكان، وتشكل المساجد أحد الأماكن حيث يمكن نشر هذه الأفكار بسهولة”.

ويوضح “نريد التحقق من أن كل الأئمة (والمساجد) معتدلون لأن الإسلام في إندونيسيا معتدل”.

ورغم الاعتدال الإندونيسي هذا، راح نفوذ بعض التيارات الإسلامية المحافظة والمتطرفة، يتعزز. وقد ظهرت العشرات من الجماعات التي تدين بولائها لتنظيم الدولة الإسلامية.

Thumbnail

والعام الماضي، رصدت أجهزة الاستخبارات الإندونيسية العشرات من المساجد التي يتردد عليها موظفون رسميون يتم فيها توجيه دعوات للتطرف والعنف ضد غير المسلمين.

وفي شهر أكتوبر من العام الماضي، أصيب وزير الأمن الإندونيسي ويرانتو إصابة خطرة في هجوم بالسكاكين شنه متطرفان اثنان، يشتبه في انتمائهما لتنظيم الدولة الإسلامية.

وفي العام 2018، أدت سلسلة من الهجمات الانتحارية استهدفت كنائس في سورابايا، ثاني مدن البلاد، إلى سقوط نحو عشرة قتلى.

ويذكر أن وكالة الاستخبارات الإندونيسية ذكرت في تقرير أصدرته في شهر نوفمبر 2018، أن العشرات من المساجد الإندونيسية التي يقصدها الموظفون في الحكومة تنشر التطرف وتدعو إلى العنف ضد غير المسلمين.

وأكدت الوكالة أنها أجرت تحقيقا شمل نحو ألف مسجد في الأرخبيل منذ يوليو 2018، ووجدت أن الأئمة في نحو 41 مسجدا في حي واحد في جاكرتا وحدها يعظون التطرف للمصلين، ومعظمهم من الموظفين المدنيين الذين يعملون في الوزارات.

وتوصلت الوكالة إلى أن 17 من رجال الدين أعربوا عن دعمهم أو تعاطفهم مع تنظيم داعش وشجعوا على القتال في صفوف هذا التنظيم. وحض هؤلاء على نشر الكراهية أو تشويه أديان الأقليات في إندونيسيا.

وأعلن الداعية المحافظ معروف أمين، نائب رئيس إندونيسيا الجديد، أن الحكومة ستصدر تراخيص للأئمة للحد من نفوذ التيارات المتطرفة.

وشدد علي منحنيف الخبير بالإسلام السياسي في جامعة شريف هداية الله الإسلامية في جاكرتا على أنه “من مسؤولية الحكومة مراقبة كل المساجد في إندونيسيا”.

هذه مهمة كبيرة جدا إذ أن إندونيسيا تضم بحسب الإحصاء 258958 مسجدا كبيرا و295194 مسجدا أصغر حجما تستوعب ما لا يقل عن أربعين شخصا. تضاف إلى ذلك مصليات كثيرة موجودة في غالبية الأبنية الكبيرة.

ويتوقع فريق فخري أن ينجز مهمته خلال السنة الحالية، لكنه يقول “هي مهمة لا نهاية لها ولن تنجز بالكامل أبدا”.

وأوضح “نادرا ما يغلق مسجد أبوابه، لكن من المؤكد أن مساجد جديدة تبنى بانتظام”.