إندونيسيا.. المنصة الإخوانية الجاهزة

الصلة بين سيطرة أئمة التشدد على المساجد في إندونيسيا، وبين النفوذ السياسي الخفي تحيل إلى أن التيارات الإسلامية في المنطقة وصلت إلى مرحلة متقدمة في مشروع التمكين.
الأربعاء 2018/11/21
الشحن والتحريض من أهم أدوات الإسلاميين للاستيلاء على الفضاء العام 

توصّل وكالة الاستخبارات الإندونيسية في تقرير جديد إلى أن العشرات من المساجد الإندونيسية تنشر التطرف وتدعو إلى العنف ضد غير المسلمين، يتضافر مع إعلان الرئيس الإندونيسي ترشيحه لمعروف أمين رئيس مجلس علماء إندونيسيا، أكبر منظمة إسلامية في البلاد في حركة سياسية تتقصد مغازلة الإسلاميين والرهان على شعبيتهم، لتقدم صورة دقيقة عن الوضع السياسي في إندونيسيا، وما يشوبه من سيطرة للإسلاميين على كل مفاصل البلاد، وما يعنيه ذلك من مآلات خطيرة على المستقبل.

تحقيق وكالة الاستخبارات الإندونيسية الذي صدر الاثنين الماضي، أكد أن العشرات من المساجد الإندونيسية التي يقصدها الموظفون في الحكومة تنشر التطرف وتدعو إلى العنف ضد غير المسلمين. وأن “غالبية الناس الذين يقصدون هذه المساجد هم من العاملين في الحكومة ولذا، فإن هذا نذير خطر”. لأن “هؤلاء هم الذين يديرون البلاد”.

الصلة بين سيطرة أئمة التشدد على مساجد البلاد، وبين النفوذ السياسي الخفي الذي ترتب عن تلك السيطرة، وتضافر ذلك مع الدعم المجتمعي الذي يجده هؤلاء، تحيل إلى أن التيارات الإسلامية في إندونيسيا وصلت إلى مرحلة متقدمة في مشروع التمكين.

منهجيا يمكن اعتبار هزيمة باسكوكي تاجاهاجا بورناما المسيحي الحاكم السابق لمدينة جاكرتا أمام خصمه وزير التربية الأسبق المسلم أنيس باسويدان في الانتخابات التي شهدتها إندونيسيا في شهر أبريل من العام 2017، لحظة فاصلة في مسار إطباق التيارات الإسلامية على إندونيسيا. الانتخابات التي شابها توتر ديني كبير سبقتها توترات سياسية متداخلة على خلفية اتهام بورناما بالتجديف و”شتم القرآن” في شهر نوفمبر 2016، وتخللتها أحداث شحن ديني كبير أمنته التيارات الإسلامية، كانت قرينة ودليلا على أن التيارات الإسلامية تمتلك سطوة اجتماعية وإعلامية ودينية كبيرة، وأن مستقبل البلاد ووضعها السياسي يمكن أن يرسما وفق ذلك المناخ غير السوي.

التمكين الإخواني في إندونيسيا -طالما أن في إندونيسيا تيارات إسلامية كثيرة تدين بالولاء عقائديا على الأقل لجماعة الإخوان المسلمين- احتاج فترة طويلة لكي يتحقق ولكي يتحول إلى سمة أساسية في المشهد الإندونيسي الراهن، ولهذا التمكين أبعاد واضحة يمكن الاستناد إليها للتدليل على مستوى سطوة الإسلاميين وسيطرتهم على البلاد.

مؤشرات الاستدارة الإندونيسية صوب المزيد من التشدد
مؤشرات الاستدارة الإندونيسية صوب المزيد من التشدد

البعد الأول سياسي، يمكن تلمسه يما يطبع الحملة الانتخابية في إندونيسيا، وهي الحملة الانتخابية الأطول في العالم، التي انطلقت أواخر شهر سبتمبر الماضي لتنتهي يوم الانتخابات المزمع تنظيمها في شهر أبريل من العام القادم. حملة انتخابية وُسمت بإعلان الرئيس الإندونيسي الحالي، جوكو ويدودو، اختياره رئيس مجلس علماء إندونيسيا، معروف أمين في منصب نائب الرئيس، وهو إعلان تقصد الرئيس من خلاله مغازلة التيارات والأوساط الإسلامية، وباعتبار أهمية معروف أمين وسيطرته على العديد من الجمعيات والمنظمات الإسلامية، وهو أيضا خطوة مثلت منطلقا لتساؤلات كبيرة حول السياسات الإندونيسية على مستوى إيمانها بالتعدد وحقوق الأقليات، علما وأن معروف أمين نفسه، رئيس مجلس علماء إندونيسيا، عُرف بآرائه المتطرفة تجاه الأقليات والأديان وكان له أيضا دور فاعل في سجن بروناما في العام 2017، بعد أن وجه له تهمة الإساءة للإسلام و”شتم القرآن”.

ثمة علاقة واضحة بين هزيمة بروناما، المسيحي الذي اعتبره العالم رمزا للتعدد الإندونيسي، وصعود نجم معروف أمين، فرس الرهان السياسي الجديد في الاستحقاقات السياسية القادمة، وهي علاقة تؤشر على استدارة إندونيسية صوب المزيد من التشدد.

البعد الثاني لهذا الصعود الإسلامي الواضح هو بعد ديني، يمكن التقاطه واستشفافه مما ورد في تقرير وكالة الاستخبارات الإندونيسية الذي كشف أن “17 من رجال الدين أعربوا عن دعمهم أو تعاطفهم مع تنظيم الدولة الإسلامية” وشجعوا على القتال في صفوف الجماعة الجهادية في سوريا ومراوي، المدينة الفيليبينية التي اجتاحها مقاتلو التنظيم الأجانب العام الماضي. فضلا عن الإشارة إلى دعوة “بعض رجال الدين المصلين إلى ارتكاب أعمال عنف نيابة عن التنظيم الجهادي الذي تبنى المسؤولية عن اعتداءات سورابايا في مايو الماضي، وحض هؤلاء على نشر الكراهية أو تشويه أديان الأقليات في إندونيسيا من مسيحيين وبوذيين وهندوس”.

والواضح أن صعود الأفكار المتطرفة، بكل ما تعنيه من رفض للآخر وإشاعة للكراهية وصولا إلى تنفيذ عمليات إرهابية مثل العمليات الانتحارية في سورابايا في مايو الماضي، ينطلق من نفوذ إسلامي استشرى مؤخرا في المساجد والجامعات وعبر أئمة متطرفين لا يرون ضيرا في تمجيد الدولة الإسلامية أو إعلان تعاطفهم معها أو حتى الدعوة إلى الانضمام إلى خلاياها.

البعد الثالث للصعود الإسلامي في إندونيسيا هو بعد اجتماعي، وهو ربما الأخطر لأنه يمثل التسرب الخفي للإسلاميين، ويوفر آثارا مستقبلية خطيرة خاصة من ناحية إعداد أجيال مستقبلية مستعدة ومهيأة لتقبل الأفكار المتطرفة، أو على الأقل تمثل حاضنة اجتماعية واسعة للجماعات الإرهابية. في هذا البعد، وهو بعد لا ينفصل عن البعد الديني، يظهر أن الهيئات والتيارات والمنظمات الإسلامية تمتلك تأثيرا واسعا وكبيرا على المجتمع المحلي، تجلى ذلك كما سبق وأن أشرنا في المظاهرات الغاضبة والمنددة بالحاكم السابق لجاكرتا، حيث حولت التيارات الإسلامية تصريحه القائل إن “تفسير علماء الدين لآية من القرآن الكريم بأنها تلزم المسلمين بضرورة انتخاب مسلم لإدارة شؤونهم هو تفسير خاطئ” إلى ما عُدّ وقتها إهانة للدين الإسلامي واعتداء على القرآن الكريم. والتأثير المجتمعي يمكن تبينه أيضا من الفتوى الصادرة عن مجلس العلماء المسلمين بتحريم اللقاح ضد الحصبة، وهي فتوى أتت أكلها وأدت إلى تراجع مريع في نسب التلقيح في العام 2018.

إخوان إندونيسيا ينهلون من  الأدبيات الفكرية للجماعة، وفكرة التمكين تمثل أحد الأعمدة الأساسية لتلك الأدبيات

الوصل بين السياسي والديني والاجتماعي في هذه المسألة، كفيل بأن يفسر الحالة السياسية الراهنة في إندونيسيا، والموسومة بصعود كبير لأسهم الإسلاميين في البلاد، وكفيل أيضا بتبين عوامل صعود التيارات الإرهابية المتطرفة، وتاليا صعود منسوب العمليات الإرهابية، وتحول إندونيسيا من بلد متعدد الأديان والطوائف، إلى مقصد أو ملجأ للتيارات الإرهابية من القاعدة إلى داعش، وشيوع مفاهيم جديدة للإرهاب من قبيل “الإرهاب العائلي” وهو المفهوم الذي أطلق مؤخرا على تفجيرات الكنائس في مايو 2018.

صادق البرلمان الإندونيسي مؤخرا (بعد عملية تفجير الكنائس) على قانون جديد ضد الإرهاب، يتيح لأسلاك الشرطة اتخاذ إجراءات استباقية، والمفارقة أن مشروع القانون هذا تعطل عدة سنوات بضغط من العديد من نواب البرلمان الذي تعللوا بضرورة تقديم تعريف واضح للإرهاب، وكان الأغلبية الساحقة من هؤلاء النواب تنتمي لتيارات إسلامية أو لحزب العدالة والرفاهية الإخواني، وهنا بيت القصيد.

يصر إخوان إندونيسيا على عدم صلتهم بإخوان الشرق الأوسط وعلى عدم وجود علاقة تجمعهم بالتنظيم الدولي، وقد يكون ذلك صحيحا، لكن ما هو ثابت أنهم ينهلون من ذات المعين الفكري، وهو الأدبيات الفكرية للجماعة، ولعل فكرة التمكين تمثل واحدة من الأعمدة الأساسية لتلك الأدبيات. نشر الرجال، ونشر الأفكار ثم تنفيذ الأفكار. هذا ما تقوم عليه فكرة التمكين الإخوانية، وهو ما نراه الآن جليا في إندونيسيا.

13