إندونيسيا تفعّل استراتيجية تطويق الجماعات المتطرفة

جاكرتا تحظر جبهة المدافعين عن الإسلام بعد تهديدها للوحدة الوطنية.
الاثنين 2021/01/25
محمد رزق شهاب زعيم إسلامي مثير للجدل

تشن الحكومة الإندونيسية حملة ضد “جبهة الاتحاد الإسلامي” التي يقودها زعيمها المثير للجدل رزيق شهاب، خوفا من اختراق الكيانات المتشددة للساحة السياسية واستغلالها لمواد الدستور بهدف تقويضه والانقلاب على مبادئه عبر تكريس المشاعر الانفصالية في عدد من الأقاليم المهمة.

دخلت إندونيسيا حقبة جديدة من الصراع مع الجماعات الدينية المتطرفة عقب قيام الحكومة قبل أيام بحظر جبهة المدافعين عن الإسلام، التي وصف أفعالها الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو بأنها تهدد أمن الوطن ووحدته.

وبينما تحرص السلطات في إندونيسيا على حرمان الأحزاب السياسية المعارضة التي تتبنّى رؤى محافظة من أذرعها وأدواتها القادرة على حشد الجماهير، وفي مقدمتها جبهة المدافعين عن الإسلام التي يقودها رجل دين من أصل حضرمي يُدعى محمد رزق شهاب، تخطط تلك الأحزاب لتوفير وسائل إعادة إنتاج تلك الجماعات في الساحة بعد حظرها تحت مسمّيات أخرى، بالنظر لما تمثله لها من قوة جماهيرية مؤثرة أثبتت قدرتها على جلب الأصوات الانتخابية من الأوساط المحافظة مقابل دعمها ماديًا ومنحها الغطاء السياسي.

وتمركزت الجماعات المحظورة، وآخرها جماعة جبهة المدافعين عن الإسلام، في منطقة سياسية رمادية وغازلت مختلف القوى على الساحة بهدف تعزيز موقفها وامتلاك أكثر من ورقة لممارسة الضغوط واكتساب أرضية تمكنها من المناورة والتحايل على قرار الحظر.

ولجأت الجبهة، التي تتّهمها الحكومة الإندونيسية بالانخراط في أعمال إجرامية وإرهابية وتخل بالنظام العام، إلى إعلان اسم جديد هو “جبهة الاتحاد الإسلامي” ليتمكن أعضاؤها من مزاولة أنشطتهم بمعزل عن مسمّى الكيان السابق الذي تم حظره، علاوة على دعوة عناصرها لمواصلة التظاهر وما أسمته بالنضال للدفاع عن الدين والأمة والدولة وفقا لدستور 1945.

مغازلة الإخوان

مساع لشرعنة نشاطها المتطرف
مساع لشرعنة نشاطها المتطرف 

دعوة الجبهة إلى الحشد، والتي أطلقها زعيمها المثير للجدل المقبوض عليه محمد رزق شهاب الذي طرح فكرة العمل تحت مسمى جبهة الإخوان المسلمين قبل أن تستقر الآراء على اسم جبهة الاتحاد الإسلامي، هدفها مغازلة القوى الإسلامية المعارضة، مثل حزب العدالة والرفاهية التابع لجماعة الإخوان، وبعض الكيانات التي ترفع مطالب فئوية والمستفيدة من الضغط الجماهيري على السلطة من الشارع.

مزاعم الجبهة المحظورة بخصوص مواصلة النشاط وفقًا لدستور العام 1945 هدفها شرعنة نشاطها المتطرف عبر إضفاء صبغة سياسية عليه عبر حرف تأويل المبادئ الوطنية الخمسة في دستور ما بعد الاستقلال “البانشاسيلا” لتسويغ نشاطها بدعوى أن أحد هذه المبادئ ينص على وجوب تطبيق مواد الشريعة الإسلامية.

وستتعامل معها السلطات، سواء المتعلقة بمحاولات تأمين مصادر التمويل الخاصة بالجبهة عبر اتخاذ مسمّى جديد لها، أو مساعيها للولوج للمشهد السياسي من خلال مظلة أحزاب قريبة منها في المنهج أو من خلال تأسيس أحزاب جديدة.

وشدد وزير الهجرة في إندونيسيا هيندرو بريونو في تصريح خاص لـ “العرب”، على أن قادة الجبهة إذا نجحوا في خطط التحايل على القوانين وأسسوا حزبًا سياسيًا جديدًا سيكون مصيرهم كجماعة الإخوان التي جرى تهميشها في المشهد السياسي، لافتًا إلى أن ضغوطًا خارجية قد مُورست على جاكرتا للقبول ببعض الكيانات المتطرفة وجماعات الإسلام السياسي ومنحها حرية العمل السياسي، ومنها جبهة المدافعين عن الإسلام.

ووصف مراقبون زيارة أحد المسؤولين من السفارة الألمانية لمقر جبهة المدافعين عن الإسلام بالتدخل الغربي في الشأن الإندونيسي، الذي يهدف للضغط على جاكرتا لفض شراكتها الاقتصادية مع الصين، وإلزامها بالتعهد بالانخراط في مسار التسوية والمصالحة مع إسرائيل عبر إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع تل أبيب.

وتحرص الولايات المتحدة على إشراك إندونيسيا في استراتيجية تطويق بكين، التي أصبحت أهم شريك تجاري لجاكرتا خلال السنوات الأخيرة.

إندونيسيا تدخل حقبة من الصراع مع الجماعات الدينية المتطرفة عقب قيام الحكومة بحظر جبهة المدافعين عن الإسلام

وتنظر السلطات في إندونيسيا إلى جبهة المدافعين عن الإسلام المنحلّة كأحد التحديات الرئيسية خلال المرحلة المقبلة من جهة إصرار قادتها على إثارة الشارع ودعوة الموالين لها والمتعاطفين معها إلى الخروج في مسيرات حاشدة تندد بالمظالم التي يتعرض لها قادتها وتطالب بتحقيق أهدافها التقليدية وهي تطبيق الشريعة على جميع سكان إندونيسيا من جميع الديانات ووجوب تحلّي حاكم البلاد بالأخلاق الدينية، علاوة على تخريب الحانات وحظر المثلية وحرمان معتنقي الديانات الأخرى من أيّ امتيازات.

وتستغل قوى وتيارات أخرى النشاط الجماهيري للجبهة بالنظر لكثرة مريديها، ما يعني إمكانية استغلال مظاهرات عناصرها لتوسيع مساحة الاحتقان الجماهيري عبر فئات معارضة لسياسات الرئيس جوكو ويدودو من المحرومين من المناصب الحكومية الذين ينشطون في التحريض ضد الحكومة على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلًا عن استغلالها من قبل الحركة اليسارية الفوضوية “آناركو فونك” التي ظهرت منذ العام 1970، وتنشط حاليًا في محافظة جاوا الغربية.

ويلعب زعيم الحركة المثير للجدل محمد رزق شهاب، وهو رجل دين يزعم أنه من نسل النبي محمد (ص) وتعود جذوره إلى حضرموت، على المناورة بالعديد من الأوراق، من ضمنها قربه من الأحزاب السياسية الشعبوية حيث تسند مظاهرات جماعته رؤيتها مروجًا لخطاب يغازل الشباب المحافظ والحركات الطلابية واليسارية، وجماعة الإخوان من باب الدفاع عن الحقوق الديمقراطية وحماية التعددية الفكرية، كما أنه يُبقي على أرضية مشتركة تجمعه بالتنظيمات الأكثر تشددًا كتنظيم داعش وحزب التحرير.

وظهر شهاب، الذي يحرص على تنظيم تجمعات معارضة للحكومة للآلاف من الأشخاص من أتباعه في فيديو خلال مؤتمر صحافي في الـ31 من ديسمبر الماضي، داعيًا أتباعه لدعم داعش، واصفًا التنظيم التكفيري بأن له أهدافًا نبيلة.

جبهة مستقلة متطرفة

قرار في محله
قرار في محله

جبهة المدافعين عن الإسلام، التي تورط عدد من عناصرها في عمليات إرهابية تحمل طابعها الخاص، تركز على فرض نفسها ككيان حام للأخلاق، وقد استخدم عناصرها القوة ضد المواطنين ونفذوا اعتداءات على أماكن الترفيه والسياحة بدعوى محاربة الفجور، كما أنه ليس من الضروري أن تعلن اندماجها مع داعش أو حزب التحرير بعد حظرها لتدعم التنظيمات المسلحة العابرة للحدود.

وبقاء الجبهة مستقلة مروّجة للخطاب المتطرف تحت ذريعة الحريات والديمقراطية والحق في التظاهر، يخلط الأوراق ويقلل من ذرائع ملاحقة قادتها وعناصرها ويمنح خطاب الجماعات التكفيرية المتشددة حضورًا في الشارع وأذرعًا في المشهد السياسي.

وأوضح القيادي السابق في فرع داعش بإندونيسيا “تنظيم أنصار الدولة” شهر المنيف، والذي أعلن توبته عن الفكر المتطرف عقب عودته من سوريا، أن الخطر يكمن في امتلاك الكيانات التكفيرية والمتطرفة أدوات تمنحها القدرة على الترويج لخطابها المتشدد وتثبيت أقدامها في المشهد السياسي.

وأكد المنيف، أن قرار حل جبهة المدافعين عن الإسلام صحيح وفي محله فهي لا تختلف عن حزب التحرير الذي حظرته الحكومة الإندونيسية عام 2017، ولا تختلف كذلك عن داعش فيما يتعلق بممارساتها المتطرفة واعتناقها وهم الخلافة الأممية، وهذا لا يمنع تشبث قادة الجبهة باستقلاليتها والبقاء في المشهد السياسي الشعبوي بمعزل عن التورط في الارتباط العلني بداعش لتحقيق مصالح سياسية من خلال بث الخطاب المتطرف.

ويراهن قادة جبهة المدافعين عن الإسلام، وأيضًا حزب التحرير الذي جرى حظره قبلها بأربعة أعوام، على ازدياد مظاهر أسلمة المجتمع في إندونيسيا وتوسع الإقبال على الخطاب المحافظ خاصة بين الشباب الأصغر سنًا الذين يقبلون بشكل متزايد على تبني المقولات المتشددة والتفسير المحافظ للإسلام، ما يعني وجود أرضية مهيأة للتجاوب مع هذه التيارات التي انطلقت منذ بداية تأسيسها لخلق سند جماهيري لأحزابها السياسية الشعبوية تتمكن من خلالها في مناوأة السلطة القائمة وإحراز مكاسب سياسية.

واتخذت هذه الجماعات، ومن ضمنها الجبهة المحظورة، مبادئ البانشاسيلا الأساسية التي تختصر فلسفة الحكم وهوية الدولة في إندونيسيا بعد الاستقلال، كستار تمارس خلفه نشاطها المتطرف بحجة أن المبادئ الخمسة نصت على تطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا لا يعكس خللًا بمواد الدستور بقدر ما ينطوي على تأويلات محرفة تنزع بعض المواد عن سياقها العام، حيث أن التسامح الديني أيضًا وقبول التعددية الدينية واحترامها هو أحد مبادئ البانشاسيلا، وهو ما تناقضه تلك الجماعات من خلال أسلوب تعامل قادتها وعناصرها مع المختلفين في العقيدة والمذهب.

قادة جبهة المدافعين عن الإسلام يراهنون على ازدياد مظاهر الأسلمة في المجتمع الإندونيسي وإقبال الشباب الأصغر سنا على تبني مقولات التفسير المحافظ للإسلام

ويتجسّد الخطر الأكبر في اختراق الكيانات المتشددة للساحة السياسية واستغلالها لمواد الدستور بهدف تقويضه والانقلاب على مبادئه عبر تكريس المشاعر الانفصالية في عدد من الأقاليم المهمة، كما جرى في إقليم أتشيه غربي إندونيسيا، حيث تكرس تلك الجماعات لنزعات انفصالية من خلال تطبيق مفاهيمها الأخلاقية الأصولية الخاصة بها.

ووفق القيادي السابق بالجماعة الإسلامية في إندونيسيا فو جيانتو فإن كيانات تحظى بأعداد كبيرة من الموالين لها مثل جبهة المدافعين عن الإسلام هي أكثر خطورة من داعش من جهة استغلالها لأدوات الدولة سواء أدوار مؤسساتها ومهامها أو مواد دستورها لتحقيق الانتشار والتوسع المجتمعي.

وتتسم أنشطة جبهة المدافعين عن الإسلام وحزب التحرير بالدهاء والمناورة واللعب بالألفاظ والمصطلحات بهدف بناء مجتمعات موازية قابلة للانفصال تحت حكم إسلامي، عبر تربية الأعضاء على التطرف وتسييس تعاليم الإسلام السمحة، والمزايدة على إسلام العوام وعلى حرص الدولة في إندونيسيا على خدمة الإسلام وعلومه وعلمائه، بالنظر إلى أن دستور الدولة ينص على احترام  الشريعة وتوقيرها.

وساعد التركيز المتزايد من قبل الحركات المتطرفة على حقوق ومصالح الأقاليم والمناطق على نشر وترسيخ خطابهم المتطرف وأفكارهم المحافظة فيها، ما يعني مضاعفة التحديات أمام الحكومة الإندونيسية التي تحتاج إلى جانب خطوة حظر الكيانات المتطرفة ووقف نشاطها العمل المكثف للكشف عن الوجه الحقيقي لتجاوزاتها في الأقاليم والمناطق المختلفة، علاوة على تعزيز المبادئ الديمقراطية والتوسع في منح الحريات للممارسة السياسية لكلّ من لا يبدي تعاطفًا أو ميلًا للأطروحات المتشددة التي صارت قرينًا في العديد من الأقاليم للنزعات الانفصالية.

أدوار مختلفة

Thumbnail

وكشف الوزير المختص في بالإصلاح الإداري وشؤون الموظفين في الحكومة الإندونيسية جاهيو كومولولا، لـ”العرب”، عن خطة يجري حاليًا تنفيذها متعلقة بتعزيز ولاء موظفي الدولة للدستور وللمبادئ الوطنية، بالنظر لتركيز الحركات المتشددة المحظورة على استقطاب عناصر ضمن مؤسّسات الدولة ومن بين موظفي الحكومة، مشددًا على معاقبة كل موظف ينتمي لتلك التنظيمات بالفصل من العمل والعزل من المنصب.

ويحرص  الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو بدوره على عدم ترك الفرصة لجبهة المدافعين عن الإسلام ومن على شاكلتها من جماعات راديكالية من أجل الترويج لخطابها، من خلال تشجيع ودعم جمعيات منضوية داخل مؤسسات الدولة تعلن نسبتها للرسول محمد (ص) وحب آل البيت.

ويُطلق على هذه الجماعات في إندونيسيا اسم “الحبائب”، وتربطهم علاقة وثيقة بالرئيس الذي يوقرونه ويعتبرونه كوالدهم، ومنها الرابطة العلوية وجمعية أهل الطريقة المعتبرة النهضية التي يرأسها الحبيب محمد لطفي بن يحيى الذي يشغل منصب مستشار رئيس الجمهورية.

وتتوخى الجبهة التي تصور نفسها قائدة للقضايا الإسلامية في إندونيسيا لعب مختلف الأدوار التي تمس إشكاليات دينية على الساحة، ولذلك فإن خطورتها تكمن في التوظيف السياسي وإثارة الشارع، بينما تماهيها مع داعش أو جماعة الإخوان يفقدها الكثير من تأثيرها ويخنقها سواء في مربع الإرهاب أو خانة الانقسام والتفكك الذي تعاني منه جماعة الإخوان.

واستبعد الباحث الإندونيسي في شؤون الحركات المتطرفة مصعب مقدس فرضية حدوث تعاون بين جبهة المدافعين عن الإسلام بعد حظرها مع داعش أو القاعدة أو حزب التحرير أو الإخوان، حيث تعاني جميعها من التفكك والانقسام وتتسم بالبراغماتية، إذ أن قادة الجبهة يدركون أنهم بعد قرار حل منظمتهم لا يزالون تحت عين الحكومة خاصة بعد تجميد حساباتهم البنكية.

واعتبر مقدس أن التواصل بين قادة الجبهة، بخلاف زعيمها وبقية المقبوض عليهم، وبين تنظيمات إرهابية أخرى على الساحة سيكون بمثابة ورقة ضغط مضافة في يد الحكومة الإندونيسية للقبض على باقي القيادات بتهمة الإرهاب، مُرجحًا أن يلجأ هؤلاء القادة لتحريض الشباب المتعاطف مع خطاب الجبهة وتحفيز كوادرها لتنفيذ تمرد مدني رفضًا للقاح كورونا تحت ذرائع فتاوى لزعيم الجبهة، ونشر الشائعات الكاذبة ضد الدولة والحكومة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

ويضيّق حظر الحكومة الإندونيسية لأنشطة جماعات متطرفة تتمتع بانتشار وشعبية، مساحات العمل عليها ويحرمها من مكانتها القانونية كمنظمات جماهيرية، لكنه يحرم أيضا الحالة الإندونيسية من سمة اختلفت بها عن دول الجوار وتتمثل في فتح مجالات العمل السياسي والاجتماعي للإسلاميين، ما أدى إلى تحجيم قدرة التنظيمات الأكثر تشددًا في وقت سابق من الترويج لخطابها وتجنيد أعداد كبيرة في صفوفها.

خيار الحظر رغم أهميته ومنافعه يوظفه المتشددون بشكل سلبي لمصلحتهم وفق الباحث الإندونيسي سيديمان أحمد، من خلال تصوير الديمقراطية في إندونيسيا على أنها لا تقبل الإسلاميين الذين لن يعدموا التحايل على الحظر لمواصلة أنشطتهم بدعم خارجي وداخلي غير مباشر من الأحزاب السياسية الشعبوية وحركات اليسار الفوضوية.

13