إنذار آلي بوجود دخان يعيد الجدل حول ملابسات تحطم الطائرة المصرية

أعلن وزير الخارجية الفرنسي البحث عن الطائرة بالتعاون مع القاهرة، مشيرا إلى أن أسباب تحطم الطائرة لم تتّضح بعد، وأن هناك تضاربا في المعلومات بشأن الطائرة المصرية المنكوبة، من دون وجود أدلة، ما يجعل كل الفرضيات “صحيحة” إلى أن يتم العثور على الصندوق الأسود، أو تتبنى جهة جهادية العملية.
الأحد 2016/05/22
سمعة فرنسا على المحك

باريس – قال وزير الخارجية الفرنسي، جون مارك أيرولت، “إنّ كل الفرضيات بشأن الطائرة المصرية أيرباص إيه 320 مازالت مطروحة، ولا نرجح فرضية على أخرى”، مضيفا، خلال مؤتمر صحافي السبت، “جهودنا الآن تتركز على العثور على الصندوقين الأسودين”.

وخلق تضارب المعلومات بشأن الطائرة المصرية المنكوبة وعدم العثور على أيّ خيط يقود إلى تفسير الحادث وتبيان أسبابه، جدلا على الساحة الدولية زاد من صخبه الجانب السياسي الذي طغى على الحادث وحوّله من حادث سقوط طائرة، قد يكون لأسباب تقنية، إلى محلّ مزايدات سياسية لا يمكن فصلها عن حادث سقوط الطائرة الروسية في شرم الشيخ في أكتوبر الماضي ولا عن خلافات مصر مع دول أوروبية ولا عن خلافات هذه الأخيرة مع روسيا، التي كانت من أول الجهات التي طرحت فرضية سقوط طائرة أيرباص إيه 320 جراء عمل إرهابي.

وفي خضم تعدّد التأويلات والقراءات، قالت هيئة سلامة الطيران الفرنسية السبت إن طائرة الركاب المصرية المنكوبة أرسلت عددا من الإشارات برصد دخان على متنها قبل أن تتحطم في البحر المتوسط يوم الخميس. وقال متحدث باسم الهيئة إن الإشارات لا تفسر سبب انبعاث الدخان أو نشوب حريق في طائرة مصر للطيران التي سقطت في البحر وعلى متنها 66 شخصا أثناء رحلتها من باريس إلى القاهرة.

وأفادت وسائل إعلام أميركية مساء الجمعة أن نظام الاتصالات الآلي في طائرة مصر للطيران أصدر قبيل سقوطها إنذارات بوجود دخان مجهول المصدر في مقدم الطائرة ثم بوقوع خلل في الكمبيوتر الذي يتحكم بالتحليق. وأكد المحققون الفرنسيون السبت وجود إنذارات بشأن الدخان في الطائرة مع الإشارة إلى أنه ما زال من المبكّر تفسير هذه العناصر.

وجدّدت باريس التأكيد على أن كل الاحتمالات لا تزال قيد الدرس حول ملابسات تحطم الطائرة التابعة لشركة مصر للطيران في البحر المتوسط، خاصة وأن سبب انبعاث الدخان لايزال مجهولا. وأفاد مصدر في مجال الطيران بأن نشوب حريق على متن الطائرة يؤدي على الأرجح إلى إرسال إشارات تحذيرية كثيرة إلا أن وقوع انفجار مفاجئ قد لا يؤدي إلى إرسال أيّ إشارة وذلك رغم أن المسؤولين لم يستبعدوا أيّ سيناريو بما في ذلك وقوع انفجار.

وقال خبير سلامة الطيران ديفيد ليرمونت “المسألة الآن هي ما إذا كانت النار التي تسببت في الدخان ناتجة عن عطل كهربي -تماس كهربي على سبيل المثال تسبب فيه تلف أسلاك- أو ما إذا كان شكلا ما من المتفجرات أو جهاز إشعال استخدم من قبل إرهابي لإشعال حريق أو ضرر آخر”. وكتب ليرمونت في مدونة أن بيانات أكارس تشير إلى أن الحريق انتشر بسرعة “يمكن أن تفسر حقيقة أنه لم تكن هناك إشارة استغاثة”.

لكن، يزداد الوضع غموضا، مع نفي مسؤول بلجنة التحقيقات المصرية تقريرا بشأن رصد دخان على متن طائرة مصر للطيران قبل سقوطها. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، لأنه غير مخول بالإدلاء بأيّ تصريحات صحافية “إن آخر اتصال بين قائد الطائرة وبرج المراقبة وقبل سقوطه بخمس دقائق لم يتحدث عن أيّ شيء غير عادى كما لم يبلغ عن حدوث حريق”.

التفسير الأكثر تشاؤما ولكن الأقل ترجيحا أن المجموعة الإرهابية اكتشفت طريقة جديدة لمهاجمة الطائرات وإخفاء تورطها لتكرار هجوم آخر مماثل

هل الحادث مدبر

في قراءته لهذا الأمر، قال مهندس صيانة الطائرات أسامة بسيوني “إذا صح ما قيل عن وجود حريق في غرفة الكمبيوترات والمعدات الإلكترونية قبل سقوط الطائرة؛ فهذا معناه أننا رجعنا لاحتمال وجود عطل فني. وهذا العطل الفني يكون نتيجة عيب صناعة وليس نتيجة إهمال صيانة، وهذا لا ينفي احتمال انفجار داخل الطائرة”.

وأضاف بسيوني “إذا صح وجود هذا العيب فمن المفترض أن شركة مصر للطيران على علم به. وإذا صح انبعاث دخان أو حدث حريق فإن علم مصر الطيران به يقينا منذ البداية لأن جهاز الكمبيوتر في الطائرة يرسل إنذارا بذلك لمحطة التحكم والسيطرة بمصر للطيران. وعن طريق برنامج الكمبيوتر الذي أنتجته شركة أيرباص يتم متابعة كل بيانات الطائرة ومعرفة أيّ خلل أصاب الطائرة أو حتى إنذار باحتمال حدوث خلل في أيّ نظام من أنظمة الطائرة”.

من وجهة نظر البعض من المراقبين من أنصار نظرية التآمر يبدو الحادث مدبرا ويرمي إلى ضرب العلاقات القوية مع فرنسا، وهو أمر تكرر من قبل مع روسيا وإيطاليا من خلال حادثي سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء نهاية أكتوبر الماضي، ومقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في أوائل فبراير الماضي.

ويردد هؤلاء أن العلاقات المصرية الفرنسية مستهدفة في الوقت الحالي أكثر من أيّ وقت مضى، بعد الصفقات العسكرية الأخيرة التي أبرمتها القاهرة مع باريس، والتي ضاعفت من القدرات التسليحية للجيش المصري. ويتبنى هذا الموقف سمير غطاس، رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات، الذي اعتبر أن “إسقاط الطائرة المصرية القادمة من فرنسا قد يكون وراءه عمل استخباراتي”.

من جهة أخرى هناك وجهات نظر ترى أن فرنسا ستكون أكبر الخاسرين. وفي هذا السياق، يرى الكاتب المصري جمال سلطان أنه لو ثبت أن الحادث جاء نتيجة عمل إرهابي فسوف تتحمل فرنسا كامل المسؤولية السياسية والأمنية، لأن الطائرة خرجت من مطارها؛ لكن لو ثبت أن الطائرة سقطت بخلل فني بشري أو تقني فإن المسؤولية كاملة ستتحملها مصر، لأنها مسؤولية شركتها في الصيانة وإعداد من يقودون طائراتها بدنيا ونفسيا وفنيا، وهذا سيكون كارثة محققة على مصر وشركتها الوطنية.

وسيبقى السباق المحموم يدور حول الفرضيتين: العمل الإرهابي أو الخطأ التقني، إلى أن يتم تحليل الحطام وانتشال الصندوقين الأسودين لتحديد سبب ثالث ضربة لقطاع السياحة في مصر منذ أكتوبر فيما لا يزال القطاع يعاني بسبب الاضطرابات السياسية بعد الانتفاضة التي أطاحت بحسني مبارك عام 2011.

الصندوق الأسود مفتاح اللغز

قال المتحدث باسم هيئة سلامة الطيران الفرنسية التي تساعد تحقيقا مصريا رسميا في أن الأولوية الآن هي العثور على جهازي تسجيلات رحلة الطائرة ويشملان تسجيل الصوت في قمرة القيادة وبيانات رحلة الطائرة أيرباص إيه 320.

وقال شخص مطلع على التقديرات البحرية في الغرب إنه يعتقد أن الطائرة سقطت في جزء عميق من مياه البحر المتوسط يتراوح عمقه بين 2000 و3000 متر. ويقول تقرير عن حادث سقوط طائرة تابعة لشركة أير فرانس في المحيط الأطلسي عام 2009 إن هذا العمق يجعل الذبذبات التي يصدرها الصندوق الأسود والتي تساعد في تحديد مكانه وتستمر 30 يوما على أبعد مكان لرصدها من سطح الماء ويستلزم استخدام أجهزة صوتية كتلك التي تستخدم في المراحل الأولى من البحث.

وأرسلت بيانات الرحلة من خلال نظام يعمل تلقائيا يسمّى نظام إبلاغ وتوصيل اتصالات الطائرة (أكارس) الذي يرسل بشكل روتيني بيانات الصيانة والأعطال إلى شركة الطيران التي تشغّل الطائرة. ونشر موقع الطيران “أفييشن هيرالد” سبع إشارات مفاجئة صدرت عن الطائرة في غضون ثلاث دقائق. وشملت الإشارات تحذيرات من دخان في المرحاض وكذلك في أجهزة توجيه الطائرة الموجودة أسفل قمرة القيادة.

وتمشط القوات البحرية المصرية بمساعدة سفن فرنسية وغيرها منطقة شمالي الإسكندرية إلى الجنوب من مكان فقدان الاتصال بالطائرة في وقت مبكر من فجر يوم الخميس. وقال رئيس شركة مصر للطيران صفوت مسلم للتلفزيون الرسمي إن البحث عن حطام الطائرة يجري في نطاق 40 ميلا (64 كيلومترا) وقد يزيد نطاق البحث إذا لزم الأمر.

وأفادت وكالة الفضاء الأوروبية بأن قمرا صناعيا أوروبيا رصد بقعة نفط في البحر المتوسط على بعد نحو 40 كيلومترا جنوب شرقي آخر موقع رصدت فيه الطائرة قبل اختفائها. ويجعل سقوط الطائرة في المياه، وفق مركز ستراتفور الأميركي، من التحقيق أصعب بكثير من تحقيقات سابقة لحوادث طائرات سقطت على الأرض، وبعضها استغرق سنوات لحلها، مثل حادثة سقوط طائرة ركاب أميركية تابعة لشركة طيران بان أميركان، سنة 1988، والمعروفة بقضية لوكربي.

ومرّت أكثر من سنتين على اختفاء طائرة من نوع بوينغ 777-200 إي أر التابعة لشركة الخطوط الماليزية، والتي كانت في رحلة دولية بين كوالالمبور وبكين، وكان على متنها 227 راكبا و12 من طاقم الطائرة. وقد انطلقت من كوالالمبور في الساعة 00:41 بتوقيت ماليزيا (UTC+8) في يوم 8 مارس 2014، وكان من المقرر لها أن تصل للعاصمة الصينية في الساعة 06:30 من نفس اليوم، لكنها لم تصل.

وجاء في تقرير مركز سوبانغ لمراقبة الحركة الجوية أنه فُقد الاتصال مع الطائرة في تمام الساعة 02:40. وتعدّدت الفرضيات على امتداد السنتين إلى أن تم العثور على أجزاء من الطائرة رجّح على إثرها سلاح البحرية الفيتنامية أن الطائرة تحطمت في خليج تايلاند.

وفي حادثة أخرى وقعت سنة 2009، فقدت طائرة من طراز أيرباص إيه 330-203 تابعة للخطوط الجوية الفرنسية. وقد استغرق البحث عنها أكثر من ثلاث سنوات، وقبل أن يتم التأكد من أن سبب تحطم الطائرة فوق المحيط الأطلسي عطل فني، وليس عملا إرهابيا.

وكان تنظيم الدولة الإسلامية أعلن مسؤوليته عن إسقاط طائرة الركاب الروسية بعد أن أقلعت من مطار شرم الشيخ في أواخر أكتوبر الماضي مما أسفر عن مقتل كل من كانوا فيها وعددهم 224 شخصا. وكانت القنبلة الصغيرة التي انفجرت على متن طائرة تشارتر الروسية بعد إقلاعها من شرم الشيخ أدت إلى تفككها على الفور إذ تسببت، بحسب الخبراء في “انخفاض في الضغط يؤدي إلى انفجار” نتيجة الارتفاع الكبير للطائرة في ذلك الوقت إذ كانت على بعد 11 كيلومترا من الأرض، ولذلك لم تتح أيّ فرصة لقائد الطائرة لإرسال إشارة استغاثة. وكانت طائرة مصر للطيران على نفس الارتفاع عندما انقطع أيّ اتصال بها فجر الخميس.

لو ثبت أن الحادثة جاء نتيجة عمل إرهابي فسوف تتحمل فرنسا كامل المسؤولية السياسية والأمنية، لأن الطائرة خرجت من مطارها؛ لكن لو ثبت أن الطائرة سقطت بخلل فني بشري أو تقني فإن المسؤولية كاملة ستتحملها مصر

صمت الجهاديين

وسط كل هذا الجدل يبدو صمت الجهاديين واضحا، لكنه مريب، وفق محللي مركز ستراتفور، الذين يشيرون إلى أن الجهات الجهادية الأساسية التي لديها القدرة والرغبة في إسقاط طائرة الرحلة 804، هما تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة.

وإذا نظرنا إلى حوادث سابقة، مثلا عند إسقاط الطائرة الروسية نجد أن تنظيم الدولة الإسلامية أعلن مسؤوليته عن الهجوم في نفس اليوم؛ كما أعلن أيضا مسؤوليته عن الهجمات الأخيرة في بروكسل وجاكرتا وباريس خلال يوم واحد.

وبالمثل، أعلنت التنظيمات التابعة للقاعدة مسؤوليتها عن سلسلة من الهجمات ضد فنادق في غرب أفريقيا في اليوم نفسه أو في اليوم الموالي. وعزا المهاجمون في عملية سان برناردينو أعمالهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية قبل تأييد التنظيم الرئيسي للعملية، وقد احتاجت الذراع الإعلامية للجماعة الجهادية ثلاثة أيام للثناء على الهجوم.

ويضيف محللو ستراتفور، أنه استنادا إلى العمليات السابقة، وإذا كان تنظيم الدولة الإسلامية أو تنظيم القاعدة أو أحد الفروع الإقليمية التابعة لأحد منهما وراء حادث الطائرة المصرية، فإننا نتوقع أن يتبنّوا الهجوم قريبا. وقد يكون تمّ تنفيذ هذا الهجوم بشكل منفرد من جانب أحد الخلايا الجهادية في فرنسا أو تونس أو إريتريا (وهي البلدان التي زارتها الطائرة قبل 24 ساعة من تحطّمها). وعلى غرار ما حدث في هجوم سان بيرناردينو، قد يستغرق الأمر بضعة أيام حتى يتمكن فريق الدعاية الجهادية من إعداد الرد والتأكد من أن العملية قامت بها ذئاب منفردة تتبنى عقيدته.

التفسير الأكثر تشاؤما، ولكن الأقل ترجيحا، وفق تقرير ستراتفور، أن المجموعة الإرهابية اكتشفت طريقة جديدة لمهاجمة الطائرات وإخفاء تورّطها لتكرار الهجوم في مكان آخر.

وقد تم استخدام هذا النوع من النشاط السري في عملية بوجينكا عام 1995؛ حيث لم يتم تبني تفجير طائرة الخطوط الفلبينية على الرحلة 434 في ديسمبر عام 1994، لأن المخططين كانون يأملون في استخدام نسخة محسنة من نفس جهاز التفجير في هجوم أوسع يستهدف 10 طائرات عبر المحيط الهادي.

ويخلص محللو ستراتفور إلى أن غياب تأكيد مسؤولية جهة ما عن الحادث قد يخفف، وفق البعض، من مخاوف أن يكون الحادث نتيجة هجوم إرهابي، لكن خلف هذا الصمت، قد يكون هناك سيناريو أسوأ، يتمثّل في أنها استراتيجية جديدة للجهاديين ومؤشّر على وقوع مزيد من الهجمات في المستقبل.

4