إنريكه بينيا نييتو عملاق لاتيني يتوجّه نحوه العرب

الأحد 2016/01/24
لا عودة إلى الماضي

إسطنبول - وقّع وزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وكلاوديا رويس ماسيو وزيرة الخارجية المكسيكية مذكرة تفاهم بشأن تعزيز التبادل الثقافي بين الجانبين. وهذه الاتفاقية تضاف إلى عدد كبير من الاتفاقيات التي جرى التوقيع عليها خلال زيارة الرئيس المكسيكي إنريكه بينيا نييتو إلى دولة الإمارات مؤخراً.

تلك الاتفاقيات غطت جوانب التعليم العالي والبحث العلمي وتبادل الخبرة في قطاعي النفط والغاز وحماية وتشجيع الاستثمار وتوطيد التعاون المشترك في حقول الطاقة النظيفة والتغير المناخي.

وكانت انتخابات العام 2012 في المكسيك قد أفضت إلى وصول السياسي الشاب إنريكه بينيا نييتو (45 سنة آنذاك) إلى سدّة الحكم. في البلد الذي عاش عقودا طويلة في حالة من الهدوء المطبق بسبب حكم حزب واحد، ثم انتقل إلى عقد من الصراع السياسي، كان أواره يشتد في لحظات الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فانتخابات العام 2006، أي الانتخابات الأولى بعد وصول اليمين إلى السلطة، لم تنته وقائعها بشكل يسير، فقد عمل أندريس مانويل لوبيس أوبرادور مرشح حزب الثورة الديمقراطية، على الدفع ببطلانها، عندما اتهم خصمه فيليبي كالديرون مرشح حزب العمل الوطني.

تكرر الأمر في العام 2012، حيث اتهم أوبرادور الخاسر للمرة الثانية الرئيس الشاب الجديد بالتزوير، رغم أن نتائج الانتخابات كانت تفصح عن فرق كبير في نتائج كلا المرشحين.

كانت النتيجة غير متوقعة. إذ لم يكن بالإمكان تصور عودة الحزب الثوري المؤسساتي إلى الحكم مرة جديدة بعد غيابه عنها لمدة 12 سنة، ولعله من العلامات السيئة على القوى السياسية الأخرى أن تكون هذه العودة محمولةً على أكتاف جيل جديد من القادة الشباب، ما ينذر بإمكانية أن يستمر حكم الحزب للمكسيك لفترة طويلة قادمة.

المكسيك ووجها الاقتصاد والسياسة

عاشت المكسيك أو “الولايات المتحدة المكسيكية”، في بدايات القرن العشرين سنوات اضطراب طويلة، إذ أنه رغم قيام حكومة الرئيس بورفيريو دياز وطيلة ثلاثين سنة بتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد، عبر جلب الاستثمارات الأجنبية التي ناسبها انخفاض أجور العمال كي تجد في المكسيك مساحة لعملها.

إلا أن الانقسام الطبقي بين فئة المستفيدين من الاستثمارات وبين الشرائح العامة من المكسيكيين أدّى إلى تحول الحكم الديمقراطي شيئاً فشيئاً إلى واجهة تزيّن واقعاً قوامه قمع المطالبين بحقوق المستضعفين.

منافسو نييتو يروجون لزعامة تحاول صنع "تشافيز" مكسيكي، يشابه النماذج التي وصلت إلى السلطة في غير بلد من أميركا اللاتينية. بينما يمضي نييتو في خلق تصور عملي لدى جيل الشباب يركز على إتاحة مساحة أوسع من الحرية الاقتصادية لهذا الجيل الطامح

وضمن هذا السياق يمكن فهم الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة المكسيكية الشهيرة في نهاية العقد الأول من هذا القرن، والتي شكلت ذاكرتَها أسماءُ قادتها مثل إيمليانو زاباتا في الجنوب، وبانشو فيلا وباسكوال أوروزكو، وفينوستيانو كارانزا، بالإضافة إلى فرانسيسكو مادرو الذي أعد وثيقة “خطة دي سان لويس”، التي حرضت الشعب المكسيكي على مواجهة حكومة بورفيريو دياز.

النزاع بين قادة الثورة المنتصرين استمر لأكثر من عقدين، وفي خضم وقائعه أعلن فينوستيانو كارانزا، الدستور المكسيكي. وفي نهاية هذه المرحلة شكلتْ مجموعة من المحاربين الثوريين القدماء حكومة قامت على حزب سيحكم البلاد لأكثر من سبعة عقود هو الحزب الثوري المؤسساتي ذو التوجهات الاشتراكية، والذي وضع أسس قيام الدولة المكسيكية الراهنة، من خلال إحلاله السلام في البلاد، بالإضافة إلى عمله على ترسيخ قاعدة اقتصادية تسمح للبلاد بالنمو والتطور، وعلى خلق آليات اقتصادية تكفل لجميع فئات المجتمع إمكانية التعايش، دون أن يؤدي النشاط الرأسمالي إلى ابتلاع المستثمرين لحقوق الفئات العاملة.

قامت الحكومات المتلاحقة التي شكلها هذا الحزب بإحلال الإصلاح الزراعي، من أجل كسب الفلاحين، بالإضافة إلى تأميم للبنوك، وفي مراحل متقدمة من حكم الحزب الثوري المؤسساتي للمكسيك شهدت البلاد نشاطاً فنياً وثقافياً وفكرياً كرس حضورها العالمي، ولكن هذا الحزب وبعد سنوات حكمه الطويلة كان يواجه مشكلات أساسية تتعلق بعدم قدرته على تبنّي خطة إصلاحية داخله تمكنه من التكيف مع التيارات الجديدة في داخله وفي الحياة السياسية المكسيكية، التي بات يواجهه فيها حزبان قويان، هما حزب الثورة الديمقراطية الذي يشترك معه في كونهما ينتميان إلى ذات الاتجاه الفكري الاشتراكي، فهما عضوان في الأممية الاشتراكية، وكذلك حزب العمل الوطني اليميني المحافظ.

وهكذا خسر الحزب الثوري المؤسساتي الانتخابات في العام 2000، ليشكل وصول اليمين إلى السلطة نهاية لسنوات حكمه الطويلة التي شاب العقود الأخيرة منها مشاكل اقتصادية كبيرة، دفعت المكسيكيين للانكفاء عنه، والانكفاء عن شبيهه الاشتراكي الآخر لمدة تجاوزت العقد الكامل، قبل أن يعود إلى السلطة على يد شباب الحزب الذين يمثلهم الرئيس الحالي إنريكه بينيا نييتو.

اقتصاد المكسيك يعتبر الخامس عشر في العالم من حيث القيمة الإسمية والحادي عشر من حيث تعادل القوة الشرائية، وفقا لصندوق النقد الدولي

جيل القادة الشباب

ولد نييتو في العام 1966، في قرية أتلاكومولكو في ولاية المكسيك لعائلة اشتهر أفرادها بكونهم ينتمون إلى الحزب الثوري التأسيسي. ولم يتخلف مطلع شبابه عن الركب، فانتمى بدوره إلى الحزب عندما كان في سن الثامنة عشرة بعد أن شارك في أنشطة سياسية مختلفة عندما كان يوزع مطبوعات خاصة بأحد أقاربه الذي أصبح حاكماً لولاية المكسيك.

في العام 1993، بدأ نييتو مرحلة عملية في حياته عندما أصبح المساعد الشخصي لوزير التنمية الاقتصادية في ولاية المكسيك لينتقل بعدها إلى موقع أشد فعالية حيث أمسى نائباً لوزير الداخلية بالولاية ووزيراً للإدارة ونائباً في مجلس الولاية.

غير أن النقلة الأبرز التي عاشها السياسي الشاب جاءت في العام 2005 عندما تقلد منصب حاكم ولاية المكسيك التي تضم العاصمة مدينة مكسيكو سيتي. ليستمر في هذا الموقع الفاعل والمؤثر حتى العام 2011 أي قبل الحملة الانتخابية التي أوصلته إلى الرئاسة بسنة واحدة.

لقد دخل أتون الصراعات السياسية الحزبية التي وضعته في بؤرة التنافس بين السياسيين الكهول، وبين إرادة التجديد التي يمثلها القادة الشباب. فالمجتمع الحزبي كان يدرك أن الخسارة التي مني بها الحزب في العام 2000، ستبقى خسارة مستمرة في حال لم تقم الكوادر بتجديد رؤاها والابتعاد عن حالة الرسوخ في المكان وفي الأفكار التقليدية التي لم تنتج للحزب سوى مجدٍ سابقٍ غطت عليه فضائح الفساد التي أتُهم بها رجاله السابقون في السلطة، والتي أزهقت شعبيته وجعلت من الصعوبة بمكان أن يستطيع السياسيون التقليديون أنفسهم تجاوز هذا المأزق الكبير. ولكن هذه الفرصة يمكن أن تتجدد في حال تغيرت الوجوه وتغيرت الرؤى أيضاً.

الانتماء إلى العصر

تظهر الأرقام أن المجتمع المكسيكي مجتمع شاب. فأكثر من 50 بالمئة من تعداد السكان ينتمون إلى هذه الفئة العمرية، وضمن هذا الواقع يكون من المجحف بحق أيّ حملة انتخابية أن تبنى على آليات ترويجية تقليدية.

لهذا كان على مرشح الحزب الثوري التأسيسي الشاب، وبعد أن نجح في الحصول على ترشيح جماعته السياسية ليكون حصانها في سباق للرئاسة، أن يعمل على استخدام آليات انتخابية جديدة، تمثلت بتحويل الشخصية إلى “لوغو” يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع حملة تلفزيونية قوية ركزت على كسب محبة الجميع، جاعلة من وسامة المرشح الشاب، عنواناً لها بين الشرائح غير المهتمة بالسياسة، وعلامة على تجدد الأفكار بين جيل الشباب.

كان منافسه الرئيسي أندريس مانويل لوبيس أوبرادور مرشح حزب الثورة الديمقراطية، يستخدم آليات تقليدية، بخطاب سياسي خشبي، ينتمي لعالم الأحزاب الشيوعية التقليدية، التي مازالت رهينة الماضي.

وبينما كان هذا المرشح يروّج لخلق “تشافيز” مكسيكي، يشابه النماذج التي وصلت إلى السلطة في غير بلد من أميركا اللاتينية في العقد الأول من الألفية الجديدة، كان بينيا نييتو يمضي في خلق تصور عملي لدى جيل الشباب يركز على إتاحة مساحة أوسع من الحرية الاقتصادية لهذا الجيل الطامح، في مواجهة عتاولة السياسة التقليديين الذين كانوا يخفون تحالفهم مع الشركات الأميركية من خلال استخدام شعارات قومية شعبوية (وصلت برئيس البلاد السابق إلى طرح فكرة تغيير الاسم والاكتفاء بالمكسيك بعد شطب عبارة الولايات المتحدة)، ويقومون بالاحتيال على الحريات من خلال استخدام شعارات الحرب على المخدرات.

نييتو ومن خلال إدراكه ضرورة أن يتحلى موقفه بالتجديد، عبر الخروج من حالة التجاذب التقليدية، يعمد إلى طمأنة الجماهير معلناً أنه يمثل إرادة التغيير والرغبة في تطهير الحياة السياسية والاقتصادية من الفساد، لذلك قال في أول تصريحاته الصحفية بعد الفوز بالانتخابات”لا عودة إلى الماضي”، متعهداً بممارسة “طريقة جديدة من الحكم” لن تخرج أبداً عن حدود الديمقراطية. ومواصلة القتال، ومكافحة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات.

الإمارات العربية المتحدة من بين الدول العربية التي تدرك أهمية المكسيك على الخارطة الدولية، لذلك فقد وقعت معها مؤخرا اتفاقيات غطت جوانب التعليم العالي والبحث العلمي وتبادل الخبرة في قطاعي النفط والغاز وحماية وتشجيع الاستثمار وتوطيد التعاون المشترك في حقول الطاقة النظيفة والتغير المناخي

دعم الديموقراطية بالتنمية

ضمن مسار النتائج الإيجابية لسياسة الرؤى الجديدة في الواقع المكسيكي أظهر إنريكه بينيا نييتو في غير مناسبة رغبته في نقل المكسيك من بلد يعيش في ظل الولايات المتحدة الأميركية إلى بلد مركزي، ليس ضمن فضاء القارة الأميركية فحسب بل على مستوى العالم.

سجل له حضوره البارز ضمن اجتماعات دول العشرين الأخيرة في تركيا، والذي كان يركز على جلب الآخرين إلى بلده، بوصفه بلداً قابلاً للتطور في حال توفرت الإرادة المحلية من طاقات وقوانين وسياسات وهو ما عمل عليه طيلة الفترة السابقة، وفي حال تمت مساندة هذا التوجه من قبل دول العالم التي ترغب بألا تبقى المكسيك بؤرة لتصدير المخدرات.

ضمن هذا السياق أظهرت جولته في منطقة الخليج العربي تأكيده ورغبته بقيام تحالف فعال بين بلده وبين بلدان المنطقة مؤكداً أن “بلاده منفتحة على التعاون مع العالم والمسافات الجغرافية يمكن تجاوزها لأن العالم مترابط”، مشيراً إلى أن المكسيك “اعتمدت إصلاحات رئيسية ساهمت بتعزيز تنافسية الاستثمار على أراضيها. كما أنها وقعت اتفاقيات تجارة مشتركة مع 11 دولة. وبالتالي فإن التصدير إلى المكسيك يتيح فرصاً في حوالي 46 سوقاً مختلفاً والوصول إلى 140 مليون مستهلك”.

يضيف نييتو أن اقتصاد بلاده “بات مستقراً بعد أن وصل التضخم العام الماضي إلى أدنى مستوياته بأقل من 2 بالمئة في حين أن 50 بالمئة من السكان هم من الشباب ويتخرج سنوياً في الجامعات المكسيكية 100 ألف مهندس”.

هذا كله يضاف إلى واقع جديد في قطاع التصنيع الذي أدى كما يقول الرئيس نييتو إلى أن “85 بالمئة من صادرات المكسيك حاليا هي منتجات صناعية. في حين أن الوضع كان مختلفا قبل 30 عاماً عندما كان البترول يستحوذ على أكثر من 80 بالمئة من صادراتها”.

7