إنريكي تاريو زعيم "براود بويز" ووجوهه المختلفة في مشهد الكونغرس

المقتحمون يردّدون نظريات تتهم أثرياء العالم وأعضاء الحكومة الأميركية بنسج مؤامرة تهدف إلى السيطرة على البشر، وإقامة طقوس عبادة الشيطان وتسميم الطعام والشراب وزرع الشرائح في أجساد المليارات من البشر.
الأحد 2021/01/10
اجتماع الرموز الأميركية يخلط المضطهَد بالمضطهِد

لم يكن إنريكي تاريو هو الرجل صاحب القرنين الذي ظهر منتشياً باقتحامه مبنى الكونغرس في واشنطن، ولم يكن واحداً من البيض الشقر الذين رفعوا الإنجيل في السيل البشري المندفع نحو قاعات الكابيتول هيل رمز الديمقراطية الأميركية العريق. ولا أولئك الذين رفعوا العلم الإسرائيلي أو صور الرئيس دونالد ترامب الذي يعيش أسوأ أيام حكمه بسبب ورطة أبعدت عنه أقرب داعميه من ساسة أميركا بمن فيهم زعماء الحزب الجمهوري ذاته.

تاريو لم يكن في واشنطن أساساً في ذلك اليوم. فقد منعته السلطات من القدوم إلى العاصمة، بل إنه كان معتقلاً بتهمة إحراق لافتة كتب عليها “حياة السود مهمة” أخذت من كنيسة تاريخية سوداء في واشنطن. وقد اعترف تاريو بجريمته، التي أضيف إليها حيازته لقطع أسلحة غير مرخصة، مبرراً ذلك بالقول إن حركة تأييد الأميركيين الأفارقة قد “أرهبت مواطني هذا البلد”. غير أن تاريو كان موجوداً في كل مظهر وعلامة من تلك العلامات التي شاهدها العالم في الكونغرس، من خلال قيادته لتلك الفوضى في وجه النظام. 

يمثل هذا الشاب الثلاثيني الصورة في منتهاها التي صنعتها الترامبية في الشارع الأميركي. يتزعّم تنظيم “براود بويز” أو الفتيان الفخورين، وهي جماعة يمينية مقتصرة على الذكور، تعادي المهاجرين والأقليات الدينية، مع أن تاريو كوبي الأصل، نشأ في هافانا الصغرى في ميامي.

ظواهر من عالم ديزني

الشاب الثلاثيني يمثّل الصورة التي صنعتها الترامبية في الشارع الأميركي في منتهاها. بتزعّمه لتنظيم يعادي المهاجرين والأقليات الدينية، مع أن تاريو كوبي الأصل، نشأ في هافانا الصغرى في ميامي.
الشاب الثلاثيني يمثّل الصورة التي صنعتها الترامبية في الشارع الأميركي في منتهاها. بتزعّمه لتنظيم يعادي المهاجرين والأقليات الدينية، مع أن تاريو كوبي الأصل، نشأ في هافانا الصغرى في ميامي.

كبرى مظاهرات تاريو كانت ترفع شعار “أوقفوا السرقة” والمقصود من ذلك الإشارة إلى سرقة الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس المنتخب جو بايدن وخسرها ترامب. ورغم احتجاج تاريو على “السرقة” إلا أنه كان قد أوقف في سن العشرين بتهمة “سرقة” دراجة نارية وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات. وبعد خروجه عاد إلى مخالفة القانون وبيع المنتجات الطبية “المسروقة” أيضاً، وحينها أوقف مجدداً وحكم عليه بالسجن لأكثر من سنة.

في السجن هبط الإلهام على تاريو، فتحوّل كما يقول للصحافة من تلك الحياة الإجرامية إلى التفكير في التجارة وإدارة الأعمال، ولهذا الغرض أسس شركتين؛ الأولى تخص السلامة وأنظمة الأمن والثانية توفر نظام الاستدلال الطرقي للمؤسسات.

هذه الجماعة الفوضوية لا تكاد تستقر على عدو حتى تنتقل إلى آخر، فمن معاداة السامية وكراهية اليهود وتبني الفكر النازي إلى رفض المهاجرين والملونين إلى غير ذلك، دون توقف. كانت قد تأسست في العام 2016  للدفاع علانية عن “الفاشية الجديدة” ومناصرة ما تسميها بـ”قيم الغرب”. وأكثر من ذلك “رفض الاعتذار عن خلق العالم الحديث”. وفي نهاية قائمة التعريفات “تأييد ترامب”. نحن إذاً أمام حالة فكرية لا مجرّد شارع غاضب.

ظهرت على شكل “أخوية”، أو جمعية للرجال مشتقة اسمها من أغنية شهيرة من مسرحية علاء الدين أنتجتها شركة والت ديزني في العام 2011 وحملت عنوان “فخور بفتاك”.

كان المؤسس هو غان ماكننيس الذي لم يلبث أن ابتعد عن المخلوق الذي صنعه في عامه الأول، معلقاً على ذلك بالقول “إن تركيز (براود بويز) كان على القيم الغربية، وليس اليمين البديل المرتكز على العرق”. ترك المؤسس مكانه خالياً، ولم يمض سوى عامين حتى تولى تاريو موقع رئيس مجلس إدارة “براود بويز” رسمياً. وكان أول حدث كبير ولافت يشارك به هؤلاء هو احتجاجهم على إزالة تمثال الجنرال الانفصالي روبرت إي لي، وحينها دهس أحد أعضاء التنظيم بسيارته المتظاهرين المعارضين للجنرال وقتل أحدهم.

يقول تاريو الذي ولد في العام 1984 حاملاً اسم هنري “أنا أسمر اللون، وكوبي، ولا يوجد في داخلي ما يشير إلى تفوّق البيض”. لكن هذا يبقى قشرة التفكير وحسب، فالإيمان العميق بالقيم المحافظة يجعله يتماهى دون أن يشعر مع العنصريين البيض “المحافظين” ولذلك يقول “أؤمن أن المحافظة ستنقذ أميركا”.

وفي تبسيط لشكل تنظيمه يصف تاريو “براود بويز” بالقول “نحن جماعة من الرجال نتسكع ونشرب البيرة ونمضي وقتاً ممتعاً” لكنه يقول في مكان آخر “من الواضح أننا مجموعة سياسية، لكن هذا أمر ثانوي”. أما في الواقع، فلا يبدو البعد السياسي ثانوياً في نشاط هذا التنظيم. فشرب البيرة والتسكع والوقت الممتع أمورٌ لا تنتج خطاب كراهية ضد المثليين والسود والمسلمين والنساء. إذ لم يكد المتابعون ينسون لتاريو نعته للممثلة الأميركية ليزلي جونز بأنها تبدو كـ”قرد”.

تقدر نيويورك تايمز عدد أعضاء “براود بويز” بقرابة الثلاثة آلاف عضو. ولكن مهلاً، هناك شروط ضرورية التحقيق كي يتم قبولك عضواً في التنظيم، أولاً أن تكون رجلاً، ثم أن تقول في ما يشبه القسم الكلمات التالية “أنا شوفيني غربي وأرفض الاعتذار عن خلق العالم الحديث”. ومن بينها أن تنقش على جسدك وشماً يحمل اسم التنظيم. وأن تشارك في معارك ضد المجموعات اليسارية المتطرفة.

أين سيجد هؤلاء الفتيان ملهماً مثل ترامب وخطابه الذي يكاد يتطابق مع أفكارهم؟ ترامب ذاته عرف هذا، ولم يتردّد بالتصريح باسم التنظيم في مناظرته مع بايدن، بل طلب منه الاستعداد حرفياً. وهم لم يتأخروا عن تلبية ندائه، فقد قاد تاريو بنفسه جماعة “لاتينيون من أجل ترامب” في حملته الرئاسية في ولاية فلوريدا.

بعد رحلته مع التجارة، التي قادته إلى تربية الدواجن وبيع القمصان في شركة أنشأها تحت اسم “متجر 1776” متخصصة ببيع البضائع اليمينية ومعدات تنظيم “براود بويز” ذاته، قرّر تاريو دخول عالم السياسة من بوابة الكونغرس التي اقتحمها لاحقاً أتباعه، فترشّح عن الدائرة السابعة والعشرين في فلوريدا العام الماضي، لكنه انسحب من السباق، وكان برنامجه الانتخابي يركّز على إنهاء الحرب على المخدرات، وإصلاح قوانين الهجرة.

تاريو وذو القرنين

تاريو لا يمثل أكثر من رأس جبل الجليد، فالظاهرة في اتساع، وتشمل العديد من القادة والزعماء الشباب، من بينهم صاحب القرنين أيضاً، جاك آنجيلي، أحد مؤيدي الحركة اليمينية المتطرفة "كيو آنون" التي يزعم أنصارها أن "كيو" قوة سرية تخوض حربًا كبيرة لدعم ترامب ضد أعداء أميركا في الدولة العميقة

يبدو أن تاريو يمثل رأس جبل الجليد فحسب، فالظاهرة في اتساع، وتشمل العديد من القادة والزعماء الشباب، من بينهم صاحب القرنين أيضاً، واسمه جاك أنجيلي، ثلاثيني أيضاً، من مؤيدي الحركة اليمينية المتطرفة “كيو آنون” التي يزعم أنصارها أن “كيو” قوة سرية تخوض حربًا كبيرة لدعم ترامب ضد أعداء أميركا في الدولة العميقة.

يرفع أنجيلي عادة لافتة تقول “كيو أرسلني” مردّداً، مثل غيره ممن اقتحموا الكونغرس، نظريات تتهم أثرياء العالم وأعضاء الحكومة الأميركية بنسج مؤامرة تهدف إلى السيطرة على البشر، وإقامة طقوس عبادة الشيطان والاعتداء على الأطفال وتسميم الطعام والشراب وزرع الشرائح في أجساد المليارات من البشر.

ويرفض رسول “كيو” جميع الإجراءات المتعقلة بمكافحة وباء كورونا، ويطالب بعدم ارتداء الكمامات وبفتح المحلات التجارية والأسواق، بذريعة أن وباء كوفيد – 19 مجرد وهم أطلقه الأثرياء للهيمنة على البشرية.

لكن الزي الذي ظهر به آنجيلي وهو يقتحم الكونغرس ملتحفاً الفراء ومعتمراً قبعة بقرنين مع رمح طويل، تجعله تجسيداً حياً لأفكار تاريو و”براود بويز” من بوابة رفض المجتمع ومؤسساته.

إلى جوار أنجيلي كان يقف ماثيو هيمباك أحد منظمي شارلوتسفيل الذي بزغ فيه نجم تاريو، والذي يعدّ رمزاً من رموز القوميين البيض الجدد. وكذلك ريتشادر بارنيت الذي اقتحم مكتب رئيسة الأغلبية الديمقراطية نانسي بيلوسي وبرر ذلك بالقول “هذا مكتبي، أنا مكلف أميركي، وأنا وطني، هذا ليس مكتبها، لقد أعرناها إياه”. وهو يقود مجموعة على موقع فيسبوك مؤيدة لحمل السلاح. وهو صورة من صور النازية الجديدة تظهر بكل ارتياح إلى جوار متظاهرين يرتدون قمصاناً كتبت عليها عبارات عن معتقل “أوشفيتز” النازي وبالقرب منها أعلام بيضاء وزرقاء إسرائيلية.

الإرهاب المحلي المعولم

ترامب لم يكن وحيداً في منحدر أميركا الزلق. إذ لا يجب نسيان أن أول من طعن بنزاهة الانتخابات الرئاسية كان الديمقراطيون أنفسهم. وأنهم قاموا بمحاولة محاكمة ترامب، واتهموه بالخيانة العظمى
ترامب لم يكن وحيداً في منحدر أميركا الزلق. إذ لا يجب نسيان أن أول من طعن بنزاهة الانتخابات الرئاسية كان الديمقراطيون أنفسهم. وأنهم قاموا بمحاولة محاكمة ترامب، واتهموه بالخيانة العظمى

هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها أميركا، إرهاباً محلياً من هذا النوع، لم يكن “إرهاب” طلاب متمردين يساريين، ولا “إرهاب” سود يطالبون برفع كافة أشكال العنصرية من المجتمع الأميركي كما في الماضي البعيد والقريب. بل هو “إرهاب” معولم متعدد الهويات والوجوه والثقافات.

هي ثغرة فتحها ترامب، عبر مهاجمة المؤسسات التي بقيت تفخر بها الولايات المتحدة طويلاً، حرية التعبير، من خلال مهاجمته للصحافة ووسائل الإعلام ورفعه شعار “فايك نيوز” الشهير، والطعن بمصداقية تلك المنابر التي تعدّ قوة هائلة تحكم أصابعها القبض على المجتمع والمؤسسات عبر رقابتها أحياناً، وتوجيهها المسبق في أحيان أخرى. ومن خلال توجيهه الاتهام الدائم لمؤسسات الدولة الأميركية، مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي ناصبه العداء طويلاً، وصولاً إلى خطابه التخويني الذي يتجاوز الخصومة السياسية بحق الحزب الديمقراطي إلى ما هو أبعد، نحو خدش الشخصيات بعمق وتصويرها وكأنها أعداء للشعب. وصولاً إلى عدم اعترافه بنتائج أكبر مظاهر الديمقراطية “الانتخابات”، هذا كلّه قاد إلى لحظة الكونغرس الرمز الذي أهين وحطّمت قدسيته بأيدي هؤلاء الذين كان من الطبيعي أن يستجيبوا لنداءات ترامب المتواصلة.

لكن هل كان ترامب وحيداً في ذلك المنحدر الزلق الذي وقعت فيه أميركا؟ لم يكن كذلك. إذ لا يجب نسيان أن أول من طعن بنزاهة الانتخابات الرئاسية كان الديمقراطيون أنفسهم. وأنهم قاموا بمحاولة محاكمة ترامب طيلة فترة حكمه، ونزع الأهلية عنه. ووجهوا إليه كل التهم الممكنة بما فيها العمل لصالح الروس والتي تعني الخيانة العظمى، وافتتحوا تحقيقاً رسمياً قاده “أف.بي.آي” لمساءلة ترامب وفريقه عن كل صغيرة وكبيرة، ولم ينجحوا بإثبات أي تهمة وجهوها إليه.

هو مسار مشترك من التدمير الذاتي قاده الحزبان، الجمهوري الذي سلّم نفسه لشخصية مثل ترامب، والديمقراطي الذي انجرّ إلى سياسة جديدة تقوم على تحطيم الآخر وتجريده من كل القيم، وما نتج عن ذلك هو تجريد المجتمع الأميركي ذاته من كل الثوابت، وانتعاش ظواهر مثل تاريو و”براود بويز” التي انطلقت للتو وسوف تكون لها نظائرها ومستقبلها بدءاً من هذه اللحظة.

8