إنسان اليوم سجين ذاكرة رقمية شمولية

الألماني بيونغ شول هان: الذكاء الاصطناعي حوَّل البشر إلى بيانات معلَّبة.
الجمعة 2021/07/16
مجتمع رقابي يفصح المرء فيه عن كل أسراره بإرادته الحرة

في كتابه “المراقبة والمعاقبة” يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن تصميم سجن البانوبتيكون (الرؤية الشاملة) كجهاز للانضباط والإكراه، يُرسِّخ شعور المراقبة الدائمة لدى السجناء، فحتى لو لم يكن هناك من يراقبهم فهم لن يستطيعوا معرفة ذلك، لتصبح العبودية جزءا من السلوك الاعتيادي للمسجون. المجتمع الرقمي اليوم وفق المفكر الألماني بيونغ شول هان هو  بانوبتيكون جديد، يفصح فيه المرء عن كل أسراره بإرادته الحرة، ومن ثم يسجن نفسه بشكل افتراضي.

يقدّم لنا المفكر الألماني من أصل كوري بيونغ شول هان رؤية بعد حداثية لمجتمع التواصل الشبكي، والبيانات الضخمة، تتّسم بنوع من التشاؤمية، حيث لا يرى للحياة في العالم الافتراضي، مهما تمتع بإمكانيات لا محدودة للتواصل الرقمي، دورا إيجابيا في حياتنا على المدى البعيد.

ويعتقد هان أن المجتمع الرقمي مجتمع رقابي من نوع جديد، فيه يفصح المرء عن كل أسراره بإرادته الحرة، ومن ثم يسجن نفسه بشكل افتراضي. وفي هذا السياق، يُعدّ التواصل الشبكي، كما نعرفه اليوم، إحدى ممارسات السياسات النفسية، أو السيكوبوليتيكا التي يعرّفها بأنها فنّ سياسة المشاعر والأفكار. فإذا كانت أقصى إمكانات الرقابة قديما منحصرة في متابعة الأفراد بصريا وسمعيا، فإنّ لدى النيوليبرالية اليومَ إمكانية مراقبة أحلامهم وآمالهم وأرواحهم ذاتها. ويتميّز هذا الطرح بجدلٍ مع بعض أهم مفكّري الحداثة وما بعدها في أوروبا، متضافرٍ مع تسلسل الأفكار بشكل تلقائي، ما يجعله أسلوبا ملائما حتى لغير المتخصص.

بعد منظوري

يرى هان في كتابه “السيكوبوليتيكا.. النيوليبرالية وتقنيات السلطة الجديدة” الذي ترجمه أخيرا كريم الصياد وصدر عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” أن المراقبة الرقمية تثبت كونها أشد نجاحا؛ نظرا إلى أنّها غير متوقّفة على منظور الرؤية الذي يحققه البانوبتيكون، ولا تعاني من نقاط ضعف النظام المعتمد بالضرورة على البُعد المنظوري. إنّ المراقبة الرقمية تمكن المراقِب من رؤية كل الزوايا وتمحو كل البقع العمياء. وعلى خلاف الإبصار في صورته التمثلية أو المنظورية، فهي قادرة على اختراق الروح الإنسانية نفسها.

ويقول إن “نزعة البيانات تتضمّن نوعا من اليقين بعصر تنوير ثانٍ، ففي عصر التنوير الأول كانت الإحصائيات هي وسيلة تحرير المعرفة من المحتوى الخرافي، لهذا احتفى بها التنوير الأوروبي في سعادة غامرة. وحتى فولتير كان يرنو في ظل الإحصائيات إلى حكاية مجردة من الخرافة، الإحصاءات بالنسبة إليه موضوع فضولٍ لدى المواطِن، ولدى الفيلسوف؛ لقراءة التاريخ. ويصير التاريخ غير المتوقَّع، الذي تخبرنا به الإحصاءات، فلسفيا “إنّ أرقام الإحصائيات هي الأساس الذي يمكنه إزالة الشك المنهجي عند فولتير في التاريخ، على خلاف حكايات التاريخ القديم، التي تقع دوما بالنسبة إليه على حافة الأسطورة، فإنّ الإحصاء لديه رديف التنوير؛ فهو يتصدى لكل سرد خرافي من خلال معرفة موضوعية تسندها الأرقام، وتشفع لها”. وبالنسبة إلى فولتير فإن الإحصاء يعني التنوير. إنه ما يضع في مقابل الخرافة معرفة موضوعية، مؤسسة على الأرقام.

كتاب "السيكوبوليتيكا.. النيوليبرالية وتقنيات السلطة الجديدة" البيانات الضخمة ليست أخاً أكبر فحسب بل هي صفقة كبيرة

ويتابع أن “الشفافية هي الكلمة المفتاح لعصر التنوير الثاني، والبيانات مجال شفاف بطبيعته. هي عدسة شفافة يمكن الاعتماد عليها. مبدأ عصر التنوير الثاني هو كلّ شيء يجب أن يتحوّل إلى بيانات ومعلومات. هذه الشمولية البيانية، أو الفيتيشية المعلوماتية، وهي ما يمنح التنوير الثاني روحَه. نزعة البيانات، القائلة إنّنا يجب أن نترك الأيديولوجيا خلف ظهورنا هي في ذاتها أيديولوجيا. هي التي تقودنا نحو شمولية رقمية. ومن الضروري ها هنا أن يبدأ عصر تنوير ثالث، يوضح لنا أن التنوير الرقمي قد تحول إلى حالة من العبودية”.

يشير هان إلى أن وسيط التنوير الأول كان هو العقل، الذي باسمه تم قمع الخيال والجسد والشهوات. وفي سياق نوع من الجدل الحتمي تم اعتبار كلّ ذلك أقرب إلى حالة بربرية، والآن فإن التنوير الثاني الذي يعتمد على المعلومات والبيانات والشفافية، يهدده الجدل المصيري نفسه. التنوير الثاني يحمل في طياته نوعا جديدا من العنف. يعني جدل التنوير أن عملية التخلص من المعتقدات الخرافية تفضي في كل خطواتها إلى الوقوع في حبائل الخرافة “الوضوح المزيَّف ليس إلا اسما آخرَ للأسطورة”.

كان يمكن للفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني تيودور أدورنو القول إنّ “الشفافية” في يومنا هذا هي اسم آخَر كذلك للخرافة، لمّا كانت نزعة البيانات تتضمن بالمثل وضوحا كاذبا. الجدل القديم نفسه يصنع التنوير الثاني، الذي يسعى لمجابهة الأيديولوجيا بأيديولوجيا تعمل لصالحه، وأكثر من ذلك بما يؤدي إلى “بربرية البيانات”.

ويرى أن نزعة البيانات نزعة رقمية تنسحب من كلّ أنواع الأنساق ذات المعنى. إنها تفرغ اللغة نفسها من معناها: “أفعال الحياة لا بدء لها ولا منتهى، كل ما يحدث يتم وفقا لآلية اعتباطية بحتة. هذا هو السبب في أن كل شيء متماثل مع ما سواه. البيانات هي البساطة بعينها”. نزعة البيانات نزعة عدمية؛ إنها تتخلى عن كل أشكال المعنى. البيانات والأرقام ليست حكايات، إنها مجرد إضافات. أما المعنى على الناحية الأخرى فهو قائم على وجود حكاية. البيانات بكل بساطة تملأ الفراغ، الذي يتركه المعنى.

حاليا لا يتم تحويل البيانات والأرقام إلى حقائق مطلقة، بل ينظَر إليها من منظور النزعة الفيتيشيه (العبودية الجنسية)، بحيث تغذّي الطاقة الجنسية السارية في “النفس المُكَمَّمة”. بشكل عام تظهِر لنا نزعة البيانات سلوكيات جنسية في الواقع بورنوغرافية.

تيودور أدورنو: نزعة البيانات نزعة رقمية تفرغ اللغة من معناها

البيانيون (أصحاب نزعة البيانات) يتزاوجون مع بياناتهم. وفي هذه الأثناء هناك حتى حديث عن “مُشتهِي البيانات”. إنهم رقميون بلا رحمة، يخلعون الصفات الجنسية على الأرقام.

ويتابع هان أنه بشكل كامل يسود الاعتقاد بقابلية قياس الحياة وتكميمها على كل العصر الرقمي. كذلك تتملك النفسُ المكمَّمة الاعتقاد نفسه. صرنا نرسم صورة الجسد عن طريق المجسّات الرقمية، وبيانات الآلات، نقيس حرارة الجسم، سكر الدم، اكتساب السعرات الحرارية، وحرقها، نمط الحركة، ودهون

الجسم. حتى أثناء جلسات التأمّل تقاس نبضات القلب، وحتى الاسترخاء له مقاييس متعلقة بجودته وفاعليته. وكذلك الحالة الوجدانية، والعقلية، والأنشطة اليومية، كل ذلك يتم تسجيله.

وعن طريق القياس والتحكم الذاتيين يفترض بالأداء العقلي والبدني أن يتحسن. إنّ حجم البيانات يراكم حصيلتنا من الإجابات، ولكنّه لا يطرح سؤال: مَن أكون؟ بالأحرى إن “النفس المكممة” هي تقنية للنفس، تفرغها تماما من المعنى، بحيث تتحلل النفس إلى بيانات بلا معنى.

ويعتقد هان أن شعار النفس المكممة هو “معرفة الذات من خلال الأرقام”.

في الواقع مهما كانت البيانات والأرقام وحدها، مهما بلغ وسعها، مفهومة، فهي لا تمنحنا فهما للذات. الأرقام لا تخبرنا بشيء البتة حول الذات. العدد ليس حكاية، بينما ترتهن النفس ذاتها بسياق الحكاية. ليس العد “الإحصاء” سردا. لكن الذات تدين بالفضل إلى السرد. ليس الإحصاء، بل الرواية، ما يؤدّي إلى اكتشاف الذات ومعرفتها. إنّ الانشغال القديم بالذات قد ارتبط بممارسات متعلقة بما يسجله المرء حول نفسه من معلومات.

ويوضح أنّ “نشر الذات” رحلة بحث عن حقيقة الذات. أن تسجّل ذاتَكَ هو، في حد ذاته، أخلاق للذات. لكن نزعة البيانات تفرغ تتبع الذات من مضمونه الخلقي والحقائقي، وتحوله إلى مجرد تقنية للتحكم في الذات، كما يتمّ نشر البيانات المجمَّعة وتبادلها. لقد صار تتبع الذات بشكل متزايد أقرب إلى مراقبتها. الذات اليوم أقرب إلى أن تكون سيدة أعمال لنفسها، تستغل ذاتها. إنها تراقب نفسها.

مساجين الذاكرة

Thumbnail

الذات المستغلة لذاتها هي أقرب إلى ورشة عمل، تكون ضمنها في منزلة الضحية، والجاني في الوقت نفسه. وحين تكون الذات قائمة على تنوير ذاتها ومراقبتها، فهي تصنع لنفسها بانوبتيكون؛ حيث هي مراقِب ومراقَب في الوقت ذاته. الذات الرقمية، في عصر الإنترنت، هي بانوبتيكون نفسها. الذات مفوَّضة اليوم من قبَل نفسها لأن تقوم بهذا الدور.

ويقول هان “اليومَ يتم حفظ كل ما نقوم به، وكل بحث نقوم به على الشبكة. كل خطوة نخطوها على الشبكة تلاحَظ وتُسجَّل. إننا نحيا اليوم بالكامل في شبكة رقمية. وإن وضعنا الرقمي يمدّنا بانطباع عن أنفسنا، وشخوصنا في غاية الدقة، قد يكون أكثر دقة

بيونغ شول هان: الذات المستغلة لذاتها هي أقرب إلى ورشة عمل، تكون ضمنها في منزلة الضحية، والجاني في الوقت نفسه

وكمالا من صورتنا الذهنية عن أنفسنا. ولقد صار عدد المواقع المتاحة على الشبكة من الكثرة إلى درجة اللانهاية، إلى درجة أنّ من الممكن أنْ يكون لكل سلعة أو خدمة عنوان على الشبكة. وهكذا صارت الأشياء نفسها مصادر معلومات نشطة. إنها تحمل المعلومات عن حيواتنا وأفعالنا وعاداتنا. إنّ امتداد شبكة الأشخاص: الشبكة إلى شبكة الأشياء هو ما ينجز مجتمع التحكم الرقمي. حيث شبكة الأشياء هي ما تجعل التدوين والتوثيق الشامل للحياة ممكنا. إننا اليوم مراقَبون بوساطة الأشياء، التي نستهلكها يوميا”.

ويؤكد “نحن اليوم مساجين في الذاكرة الرقمية الشاملة. إن بانوبتيكون بنثام يفتقر إلى عنصر مهم في سياق نظام المراقبة الفعال؛ إنه مجرد نظام تسجيل، يصنع قوائم العقوبات وأسبابها، ولكن حيوات المساجين فيه غير مسجَّلة. إن الأخ الأكبر يبقى غائبا على كل حال، غير عالِمين بما يفكر فيه فعلا، أو ماذا يرغب. ولكن على النقيض من الأخ الأكبر سريع النسيان إنّ البيانات الضخمة لا تنسى شيئا. ومن هنا السبب في أن البانوبتيكون الرقمي أكثر فاعلية من نظيره لدى بنثام”.

ويعتقد هان أن للبيانات الكبيرة القدرة على جعل رغباتنا التي لا نعيها قابلة للقراءة. إننا نطوِّر في مواقف معينة الميل للانسحاب من وعينا، ونحن لا نعرف عادة لماذا نشعر فجأة بوجود حاجة معينة في أنفسنا. إن المرأة في الأسابيع الأولى من الحمل تصاب بمثل هذه الرغبة في منتَج ما، إنها تشتري هذا المنتَج، وكفى، دون أن تعرف لماذا. “إن الأمر كذلك”، وكفى. هذا “الأمر- كذلك” ربما يتمتع بعلاقة فرويدية تخدع الأنا. وهنا تقوم البيانات الضخمة بتحويل “الهُوَ” إلى “أنا”، ومن ثم تسمح بالاستغلال السيكوبوليتيكي للأنا. وإذا كانت للبيانات الضخمة القدرة على الولوج إلى عالم اللاوعي المؤسس لأفعالنا وميولنا، فإن السيكوبوليتيكا قادرة على التغلغل بعمق في نفوسنا واستغلالها.

ويرى إمكانية مقاربة البيانات الضخمة بكاميرا الفيلم. التنقيب عن البيانات بمنزلة عدسة مكبرة؛ من شأنه أن يضخم التصرفات البشرية، ويفسح المجال لقيام الفعل غير الواعي بعيدا عن فضاء الفعل الذي يتخلله الوعي. أما الميكروفيزياء التي للبيانات الكبيرة فهي “أفعال غير منقسمة”؛ أي أفعال دقيقة الصغر، تكشف عن نفسها بصريا، بينما هي تتهرب دائما من الوعي.

الناس باعتبارهم بيانات

فولتير: الإحصاء معرفة موضوعية تسندها الأرقام وتشفع لها

البيانات الضخمة يمكن لها كذلك أن تُعدّ أنماطا جمعية للسلوك، لا يخضع للوعي في العادة. وهو ما يجعل اللاوعي الجمعي مخترَقا. وكما هو الحال في اللاوعي البصري يمكن للمرء كذلك أن يدعو اللاوعي الرقمي بالشبكة الميكروفيزيقية أو الميكرونفسية. ومن ثم قد تستطيع السيكوبوليتيكا أن تستحوذ على سلوك الجماهير ضمن مستوى يتجاوز نطاق الوعي.

ويوضح هان أن البيانات الضخمة ليست أخا أكبر فحسب، بل هي من الآن فصاعدا صفقة كبرى. البيانات الضخمة أعمال تجارية كبيرة. البيانات الشخصية هي بالكامل مجال للتقييم النقدي الاقتصادي والتجاري. واليوم تجري معاملة الناس، باعتبارهم بيانات معلَّبة، يمكن استغلالها اقتصاديا. وهكذا صاروا هم أنفسهم بضاعة مزجاة. وعندما يرتبط الأخ الأكبر بالصفقة الكبرى، فإنّ الناتج هو اتحاد دولة المراقبة بالسوق. إن شركة البيانات أكسيوم تتعامل مع البيانات الشخصية لنحو 300 مليون مواطن أميركي، تقريبا كل الشعب الأميركي. أكسيوم تعرف عن المواطنين الأميركيين أكثر مما يعرف مكتب التحقيقات الفيدرالي.

ولدى أكسيوم يتم تصنيف المواطنين في 70 فئة مختلفة. يعرضون في قوائم شأنهم شأن البضائع المعروضة. لكل احتياج ما يوجد ما يمكن شراؤه منهم. المواطنون ذوو القيمة الشرائية المنخفضة يصنفون مهملاتٍ؛ أي قمامة، أما هؤلاء ذوو القيمة المرتفعة فهم في مجموعة النجوم الصاعدة. المواطنون بين عمري السادسة والثلاثين والخامسة والأربعين ديناميكيون، يستيقظون باكرا للهرولة، ليس لديهم أطفال، متزوّجون، يفضلون السفر، ويشاهدون المسلسل التلفزيوني “ساينفيلد”.

ويلفت إلى أن البيانات الضخمة تسمح بظهور طبقة اجتماعية رقمية جديدة؛ فمَن ينتمون إلى فئة “المهملات” هم الذين يصنفون ضمن الطبقة الكادحة، ومَن يتم وصمه بتقدير ضعيف، فسوف يتم حظره. فإذا كان البانوبتيكون يقوم بمراقبة النزلاء المحبوسين داخل النظام، فإن البانوبتيكون الجديد يقوم من ناحية أخرى باستبعاد أعداء النظام، الأشخاص الذين يتعرف عليهم بوصفهم غير مرغوب فيهم، من النظام نفسه. البانوبتيكون الكلاسيكي يقدم خدمة التأديب داخل النظام، أما الجديد فهو يضمن أمان النظام وفاعليته.

12