"إنسان داعش" من مدن الصفيح إلى تفجير العالم

الأحد 2014/06/15
\"داعش\" حيث الناس حطب الدنيا وحطب جهنم

خلخلة البنى المجتمعية، وإهمال الطبقات وتهميشها، واحتقار الإنسان ومطالبه البسيطة في الحياة والعمل والستر والكفاية، كانت تلك المعطيات أولى اللبنات التي أسّست لظهور المتمردين على النسق الاجتماعي وضوابط الدول الحاضنة لأولئك الذين خرجوا عن بيئاتهم، وذهبوا لا يلوون على شيء، مستبدلين الدنيا بالآخرة، والواقع بالغيب، وقرروا جرّ الجميع معهم إلى أتون حرب لن تنتهي إلا بتفجير المكان والزمان.

نشأت حول المدن الكبرى في العالم، مدن أخرى أفرزها العقل العالمي المعقّد، عبر وسائل كثيرة، لم تعر الاهتمام لنتائج الضغط المتواصل على فئات بعينها، عوملت معاملة احتقار وازدراء، فتم تجهيلها وتكريس تخلّفها وخلق شكل من الحياة القذرة من حولها، لأسباب كثيرة، لا يبدأ أولها بالعنصرية التي واجهت بها دول غربية أولئك المهاجرين إليها طلباً للرزق وتحسين شروط الحياة، فلم تقبل باندماجهم في مجتمعاتها، كما كان يحصل قبل قرون، بل عاملتهم على أنهم مواطنون من درجات متدنية، ملونو البشرة، عرب مسلمون، أفارقة، أصحاب الشعر الأسود، فانكمشوا في أحيائهم، وانغلقوا على من يشبههم، غير مستفيدين من حياتهم في أكثر البلدان تحضراً في العالم، من أوروبا إلى الولايات المتحدة، عبوراً بالعالم العربي والإسلامي بالتأكيد.


الإسلام في خطر


بعد انهيار الدولة العثمانية، تابعت نخبة من العلماء المسلمين مسيرة التنوير في مجتمعات الدول التي هيمنت عليها سلطة الأتراك أربعة قرون، متعلقة بالخلافة والقيادة المركزية الدينية، التي مزجت الديني بالسياسي مجتمعة في شخص السلطان، بينما ذهب بعض أولئك المهتمين بالحضور الديني، إلى تعميم لحظة انهيار الخلافة، لتصبح هاجساً في كل لحظة، تمدّد ليكون مبدأ جديداً يناقض فكر الإسلام ونبيّه الذي قال ”إن هذا الدين لمتين ولن يشادّ أحدٌ هذا الدين إلا غلبه” إلى القول بأن “الإسلام في خطر”، وكان أعلى الأصوات في هذا صوت حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، التي تفرّعت عنها فيما بعد جميع التنظيمات الجهادية التي تدمج اليومي بالسياسي والروحي بالاقتصادي، وليس أتناول حسن البنا هنا، من باب سياسي، بل من الباب الأكثر خطورة، وهو من باب الفكر الذي أثّر بعقول الشباب فيما بعد، وبات مهيمناً على حياتهم، بمجرّد تغيير طفيف ولكنه خطير، في فهم الإسلام ووضعه، وتحت فكرة الخطر المحيق بالدين، عاش شباب المسلمين الإحساس بالخطر من كل شيء، والارتياب من كل شيء، وبات الآخر بعيداً، ممعناً في التآمر على الدين والإنسان، الذي أصبح الآن، حسب تلك المتوالية، هو من يعيش تحت الإحساس بالخطر.

ذهب بعض المهتمين بالحضور الديني، إلى تعميم لحظة انهيار الخلافة، لتصبح هاجسا في كل لحظة تمدّد ليكون مبدأ جديدا يناقض فكر الإسلام، وكان أعلى الأصوات في هذا صوت حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين منع جميع الحركات الجهادية فيما بعد


فقدان الأمل


ومع بداية نشوء حراك سياسي ديمقراطي في المجتمعات العربية، لم يتمكن أولئك الذين يشعرون بالخطر الدائم من الدخول في لعبة الديمقراطية والتنافس دخولاً سلساً، فالآخر ما دام ليس منهم ، فهو بالتأكيد عدوّ للدين، وأحد تلك الأخطار التي تتهدّده، بينما نظر إليهم الديمقراطيون على أنهم مشايخ، لا يفهمون في دهاليز السياسة، ولم يرتقوا لمستوى من عاش ودرس في الغرب، أو من احتك مع كبار سياسيي العالم، فكان صعباً أن تهدأ ساحة التناحر السياسي، مع التكريس الخطير الذي مارسه الغرب (المحتل والمستعمر) بنظرته الاستشراقية للمجتمعات العربية، والتي لم ير فيها سوى قطعان من عبيد السلطان ـ الخليفة، متطرفين دينياً، يحلمون باستعادة الخلافة، فعزّز من حضور تلك الحركات الإسلامية السياسية، ودعمها حيناً بالمال، وفتح لها الباب للوصول إلى دوائر عليا في العملية السياسية في مصر وغيرها.

ومع الانقلابات وتولي حكومات عسكرية الحكم بقبضة محكمة وطاغية، تم سحق كل الأشكال المدنية للعمل المدني والمجتمعي، ولم يبق مقابل العسكر إلا أولئك المتدينون (أصحاب الخطر)، الذين ردّوا على عنف العسكر بالعنف المضاد ومحاولة التغيير بالقوة، فتنحى جانباً الفكر المعتدل، والوسطية، وحرموا من ممارسة حقهم في التغيير، واستمرت دوامة الصراع ما بين العسكر والإسلام السياسي، ما بين تحالف وتحارب، حتى وصل أولئك الذين كفروا بالعمل السياسي ولكنهم تمسكوا بالدين كحامل للتغيير، إلى فقدان الأمل من هذا الفريق وذاك، ونمت في بيئاتهم الفقيرة المحرومة، كل أشكال الشحن والحقد، مع تدنٍ كبير في مستوى الحياة الإنسانية والبطالة وانتشار الفساد في هياكل الدولة وبقية فئات المجتمع.


التحول إلى الانتقام بالفناء


مع شخصيات مثل عبدالله عزام، وأسامة بن لادن لاحقاً، ووجود مصيدة وظيفية تم تصميمها بعناية بإشراف مباشر من الولايات المتحدة في أفغانستان، تم استثمار فاقدي الأمل، وفتح الباب لهم لتفريغ كل تلك الشحنات، التي ستفضي إلى انتقام رهيب من الدول والمجتمعات التي عاشوا فيها، ولا شيء أفضل من الانتحار السياسي والأخلاقي والجسدي المباشر، للتعبير عن الذات، فانخرط في تنظيمات الجهاد كل يائس، وكل هامشي، كل من تم تمزيق علاقاته بمجتمعه، وأصبحت القاعدة، قاعدة البيانات الأميركية ـ الغربية في صراعها مع الاتحاد السوفييتي والشيوعية، حاضناً لمن طردتهم مجتمعاتهم ودولهم عمداً أو سهواً، فابن العشيرة الذي تم إهانة مكانته في بيئته، وتحقير دوره التاريخي في قيادة من حوله، فرّ إلى المعسكرات الاستشهادية في أفغانستان، والمتعلم المثقف الذي حرم من توظيف ما يحمله من خبرات، وجد في الطريق إلى الآخرة سبيلاً أفضل من الجمود في المكان، حيث لا عمل ولا استثمار في بلدان يهمها الولاء وليس الأداء، وكذلك فعل المهاجر إلى الغرب محمّلاً بإرث الخطر، وخشونة الحياة في مجتمع مرتاب، من مصر إلى سوريا والعراق وفلسطين والخليج والمغرب العربيين بدأ تدفق هؤلاء، إلى الموت في مكانٍ ما أو الحياة على هامش آخر في مكانٍ ما.

السوريون المنتمون إلى داعش، هم من أبناء الأرياف، وتثبت اجتماعات مجلس الوزراء السوري المنعقد في العام 2010، أن عدد النازحين من سكان المناطق الشمالية الشرقية السورية إلى ريف دمشق وريف حلب، وصل إلى أكثر من مليوني سوري، فقدوا مصادر رزقهم بالجفاف


أبراج مانهاتن واحتلال العراق


بعد الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر من العام 2001، وغزوة نيويورك وتفجير برجي مركز التجارة العالمي، ومقتل أكثر من ثلاثة آلاف أميركي، وبتداخل المصالح، والنفط، ورغبة طبقة حكمت الولايات المتحدة بأن يعيش مئات الملايين تحت تهديد القاعدة، وأسلحة الدمار الشامل التي لم يعثر عليها بعد، تم احتلال العراق، ليتحول ضلع العرب الشرقي وأحد أهم مراكز الإشعاع الثقافي في التاريخ العربي، إلى مصيدة أخرى لأولئك المهمشين، ولتتوافد عليه قوافل المجاهدين، في توافق مخابراتي كبير بين عدد هائل من الأنظمة المستفيدة من تدمير العراق، بهدف البقاء من جهة، وبهدف استثمار ورقة الإرهاب من جهة أخرى، وليساهم نظام بشار الأسد الذي بدأ بعد موت حافظ الأسد في العبث بأوراق سوريا والمنطقة، دون تلك الحسابات التقليدية التي اعتادت عليها، فسمح للنفوذ الإيراني بابتلاع العراق ولبنان أولاً ثم سوريا تالياً، لتطبيق مشروع ظلامي آخر كان ينشأ وينضج على نار هادئة، وكان مشروع احتلال إيران للعراق قائماً على مبدأين، الأول التفاهم ما بين المرجعيات الشيعية والاحتلال الأميركي من جهة، وثانياً بتخويف الغرب من شبح القاعدة، ولم يكن هذا ليحصل سوى بخلق قاعدة جديدة في العراق، بالتعاون ما بين طهران ودمشق.


النواة جماعة التوحيد والجهاد


وكان من شأن الجسم الجديد الذي سينشأ أن يحرج قيادة القاعدة المدحورة في أفغانستان، فهو تنظيم ينتمي فكرياً للقاعدة ولكنه لا يرتبط بها عضوياً ولا يخضع لأوامر قيادتها، وعليها بالمقابل أن تظهر أمام العالم وكأنها مسيطرة عليه، كي تدّعي الاستمرار في الحياة، فتم تشكيل جماعة “التوحيد والجهاد” بقيادة أبي مصعب الزرقاوي في العام 2004، بعد عام من سقوط بغداد، معلناً مبايعته لأسامة بن لادن، ويتحوّل إلى “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين”، وفي الضفة السورية كان لأبي القعقاع السوري “محمود قول أغاسي” الدور الأكبر والأوحد في رفد العراق بالمجاهدين تحت نظر وإشراف مباشر من المخابرات السورية، فتم امتصاص كل ما يمكن امتصاصه من شباب الهوامش والأحياء الفقيرة في العالم، ليعبروا الجسر السوري إلى العراق، بتسهيلات كبيرة، قدمتها إيران للقيادات وقدمتها المخابرات السورية للكوادر، كثير من هؤلاء العائدين الذين لم ينالوا” الشهادة” في العراق، تم القبض عليهم وتسليمهم لأجهزة المخابرات العربية والغربية، بتنسيق أمني رفيع على أعلى المستويات، ولم نكد نصل إلى العام 2006 حتى خرج أبو مصعب الزرقاوي في خطاب متلفز، معلناً تشكيل مجلس شورى المجاهدين برئاسة “عبدالله رشيد البغدادي”، قتل الزرقاوي، وخلفه أبو حمزة المهاجر، وبعد شهور قليلة تم الإعلان عن تأسيس “دولة العراق الإسلامية” بقيادة البغدادي، الذي لقي مصرعه مع أبي حمزة في نيسان من العام 2010، على يد الأميركيين، فاجتمع مجلس الشورى، ووقع اختياره على “أبي بكر البغدادي” قائداً للدولة الإسلامية في العراق.

قنابل موقوتة
العاصمة المصرية القاهرة، الأوفر حظا بمخصصات التنمية منذ أكثر من خمسين عاما، يحيط بها 81 منطقة عشوائية، من إجمالي 1221 منطقة عشوائية في عموم البلاد، وفقا للإحصائيات الرسمية في عام 2005، ولا يختلف الأمر كثيرا في سوريا، فتشير دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العام 2005 إلى أن أكثر من 38 في المئة من الفقراء يعيشون في المناطق الحضرية السورية التي تضم 50 في المئة من السكان، كما أن 58 في المئة من الفقراء يعيشون في الإقليم الشمالي (حلب، أدلب، الرقة، دير الزور، حسكة) الذي يمثل نحو 45 في المئة من السكان.

والنسبة الباقية تتركز في بعض أحزمة الفقر حول المدن وجيوب الفقر، وفي العراق ، ذكر تقرير دولي بثته الـ “بي بي سي” البريطانية في العام 2012 أن ما نسبته 38 بالمئة من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر وأشار التقرير إلى أن الحكومة َالعراقية تفتقر إلى قواعد بيانات عن دخل مواطنيها، وأن هناك فوارق كبيرة بين طبقات الشعب، فالبعض بحسب التقرير يصل دخلهم إلى عشرة ملايين دينار شهريا، والبعض منهم معدومو الدخل، وتقول إحصائيات غير رسمية أن من يعيشون تحت خط الفقر المدقع على المستوى العربي يقدرون بخمسين مليون شخص، ومن يعيشون تحت خط الفقر العام يتراوح عددهم بين مئة مليون ومئة وعشرة ملايين إنسان.


إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام


بعد شهر واحد من إعلان الناشطين السوريين انطلاق الثورة السورية في آذار من العام 2011، بدأ النظام السوري بالإفراج عن معتقلين من الدولة الإسلامية في العراق، ومن تنظيم النصرة، وممن كانوا يصنّفون في سجلات المخابرات السورية بأنهم سجناء القاعدة، فظهر أبو بكر البغدادي معلناً أن “جبهة النصرة” هي الذراع العسكري للدولة الإسلامية في العراق، وقام بإلغاء اسم “النصرة” وإعلان اسم جديد للتنظيم الكلي هو ”الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ولكن كان قد بدأ تأثير التمويل على قطاعات واسعة في كتائب الجهاديين، منها التأثير القطري على النصرة، التي أعلنت رفضها للانضمام إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام، وبدأ صراع بين التنظيمين يشتدّ وينخفض تطلّب تدخل الدكتور أيمن الظواهري خليفة أسامة بن لادن على قيادة القاعدة في العالم، عدة مرات لحل ذلك الخلاف الذي اتخذ شكلاً عنيفاً وصل إلى الحرب المباشرة بين النصرة و”الدولة” كما يفضل أن يسميها أتباعها، بينما أطلق عليها أحد الناشطين في محافظة الرقة السورية اسم “داعش” اختصاراً للحروف الأولى من الكلمات المكونة لاسمها، وبدأ توريد المقاتلين من كل مكان من العالم بعد حثهم على نصرة إخوتهم من السنة في سوريا.

بالتزامن مع هذا كان على نظام الأسد أن يقضي قضاء مبرماً على الوجه المدني للثورة السورية، سواء باعتقال الناشطين وقتلهم تحت التعذيب، أو تغييبهم شهورا وسنوات، أو بدفعهم وتسهيل مغادرتهم للأراضي السورية، حتى لا يبقى في ساحة الصراع سوى الجهاديين، ولتتخذ الانتفاضة السورية طابعاً إسلامياً محضاً، يمهّد لاعتبارها حاضناً لداعش التي ستنتشر في الأراضي التي تم تحريرها من جيش بشار الأسد وشبيحته، وباتت تعيش أجواء حرية وخدمة ذاتية وإدارة محلية غير مسبوقة، لتحل داعش في تلك المناطق وتفرض سيطرتها عليها، وتعلن تطبيق الشريعة محاربة تدخين التبغ أول الأمر، لتصل إلى تحريم الانترنت والفيسبوك ثم تحريم وتجريم التعامل مع المجلس الوطني السوري المعارض وكذلك الائتلاف، فكانت أحدث الجرائم التي عاقبت عليها أبناء المناطق التي احتلتها في سوريا بالصلب وقطع الرأس جريمة التعامل مع المعارضة السورية.


من هم أعضاء داعش


قيادات داعش غامضة، ولا أحد يتواصل معها من الكوادر التي تقبع في الطبقات السفلى من ذلك التنظيم، أما أعضاؤه، فهم خليط من مقاتلين عرب وأفارقة ومهاجرين من الشيشان وأوروبا الغربية والشرقية، وحتى الولايات المتحدة الأميركية، ومن ليبيا وتونس، من الشباب الذين اختنقوا بربيع تلك البلدان، الذي لم ينجز أحلامهم، أما السوريون المنتمون إلى داعش، فهم من أبناء الأرياف، من الفلاحين الذين تم تجفيف أراضيهم عبر السنوات، وحرمانهم من مهنهم الأصلية، وتثبت اجتماعات مجلس الوزراء السوري المنعقد في العام 2010، أن عدد النازحين من سكان المناطق الشمالية الشرقية السورية إلى ريف دمشق وريف حلب، وصل إلى أكثر من مليوني سوري، فقدوا مصادر رزقهم بالجفاف، وتضييق الدولة عليهم بالقروض والفوائد وتخفيض أسعار المحاصيل وحصر بيعها بالدولة وحدها، فتحولوا إلى مهن أخفض في السلم الوظيفي الاجتماعي، ومن كان يملك أرضاً بعشرات الدونمات أصبح يعمل ماسحاً للأحذية أو عاملاً مياوماً أو حمّالاً أو سوى ذلك من الأعمال، ويسكن في أحزمة الفقر والمخيمات التي حافظت على اسمها حول دمشق وحلب وحمص، والتي لا تختلف بشيء عن علب الصفيح في عواصم أخرى من العالم.

أما أعضاء داعش العراقيون، فهم بقايا الجيش العراقي المنحل الذي تمت معاملته معاملة سيئة للغاية، واعتبرت الحكومات المتعاقبة على حكم العراق بعد سقوط بغداد، أنه هذا الجيش هو جيش صدام حسين، وليس جيش العراق، وهم بقايا الصحوات التي وقفت مع تلك الحكومات لصد القاعدة والمتطرفين، فتم التنكيل بهم بعد انتهاء مهمتهم، وتم اغتيال كبارهم، وزج الكثيرين منهم في السجون، وهم أبناء السنة في غرب العراق، الذين تم عزلهم سياسياً على اعتبار أن كل سني هو بعثي بالضرورة، إرضاءً للمتنفذين من الشيعة في الأحزاب الطائفية المرتبطة بإيران، أعضاء داعش هم أبناء العشائر، والفلاحون والرعاة، والمهربون البسطاء الذين كانوا يعتاشون على تمرير البضائع عبر الحدود، وكان الشاي والتبغ والملابس أكبر جرائمهم.

تم تصنيع “إنسان داعش” بفضل التفريط الكبير، من قبل النخبة الفكرية والسياسية والعسكرية التي حكمت وتحكّمت بالشرق فكريا وسياسياً ودينياً، والتي تواطأت مع الغرب في فهم المجتمعات العربية المسلمة، وتشاركت معه في النظرة الاستشراقية ذاتها، إلى مئات الملايين ممن كان يمكن أن يكون بينهم العالم والباحث والمخترع والشاعر والفنان والصحفي والمعلم، بدلاً عن قاطعي الرؤوس الذين يعملون بجهد كبير لتنفيذ دور وظيفي هم آخر من يعلم به.

7