إنشاء المحكمة الجنائية بين رفض روسي وإصرار ماليزي بدعم غربي

الثلاثاء 2015/08/11
ماليزيا عازمة على الكشف على الجناة رغم الفيتو الروسي ضد إنشاء المحكمة الجنائية

نيويورك - بعد مرور عام تقريبا على حادثة إسقاط الطائرة الماليزية “إم أش 17” فوق الأراضي الأوكرانية بينما كانت تعبر منطقة التوتر فوقها متجهة إلى بانكوك، لا تزال التحقيقات سارية في ما يخص مرتكبي هذا الهجوم. وتصر الخارجية الماليزية في هذا السياق عن الكشف عن الجناة وتقديمهم إلى العدالة بأي شكل من الأشكال، الأمر الذي سبب توترا على المستوى الدولي لم يحسم حتى في أشد المؤسسات حساسية في العالم وهي مجلس الأمن.

وبعد مشاورات بين القوى الكبرى وماليزيا، وصلت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى فكرة إنشاء محكمة جنائية خاصة بحادثة تحطم الطائرة في أوكرانيا، ومن مهام هذه المحكمة التحقيق في الحادث والحكم على الجناة.

هذا المقترح لم يعجب الروس بأي شكل من الأشكال، بل شنت الدبلوماسية الروسية حملة واسعة لرفض إنشاء هذه المحكمة وعدم شرعيتها، وقد أكد في هذا السياق ممثل روسيا الدائم في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين أن بلاده ترفض هذا المقترح وتعارضه معه بشكل قاطع “لأن صلاحيات مجلس الأمن ليست في إنشاء المحاكم بل الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين”.

وفي المقابل تصر ماليزيا على إنشاء هذه المحكمة وهو ما عبر عنه وزير النقل الماليزي داتو سري لي تيونغ الذي أكد أن بلاده “عازمة على الكشف على الجناة رغم الفيتو الروسي ضد إنشاء المحكمة الجنائية للتحقيق في الهجوم على طائرتها”.

محكمة جنائية دولية ضرورية لمعرفة من أسقط الطائرة الماليزية

أعرب وزير النقل الماليزي داتو سري ليو تيونغ عن “خيبة أمل كبيرة برفع روسيا الفيتو في وجه قرار مجلس الأمن بعث محكمة جنائية دولية للتحقيق في حادثة الطائرة الماليزية التي أسقطت فوق سماء أوكرانيا”، معتبرا أن المجلس “وجه رسالة خطيرة حول الإفلات من العقاب” إلى إرهابيين محتملين يريدون مهاجمة طائرات مدنية.

داتو سري ليو تيونغ: ولد سنة 1961 بملاكا بماليزيا، شغل منصب الأمين العام لجمعية العلاقات الصينية الماليزية ثم نائبا في البرلمان الماليزي سنة 1999 قبل أن يتولى منصب وزير النقل.

وصرح وزير النقل أن “الفيتو الروسي لا يمكن بأي حال من الأحوال فهمه على الوجه الإيجابي، فهذا قرار أممي واتفقت حوله أغلب الدول العضوة في المجلس. ورأى لي تيونغ أن المحكمة الجنائية الخاصة بالتحقيق في حادثة إسقاط الطائرة الماليزية كفيلة بتحديد الجناة والكشف عنهم “لكن الروس رفضوا ذلك”.

ونبه ليو تيونغ قبل التصويت إلى أن “جميع من يسافرون بالطائرات سيواجهون مزيدا من الأخطار”، داعيا إلى تبني قرار إنشاء محكمة دولية خاصة تحقق جنائيا في سقوط الطائرة “لأننا ندين بذلك لعائلات الضحايا”. وأكد الوزير أن ماليزيا “تبقى مصممة على إحقاق العدالة لجميع الضحايا الأبرياء”.

وقال الوزير الماليزي إن الأمر ليس متعلقا فقط بمصالح ماليزيا المعنوية والمادية “بل إن إرهاب الطائرات أصبح أمرا خطيرا” معبرا عن “صدمته” لرؤية روسيا التي “تحاول معارضة إحقاق العدالة للضحايا الـ298 الذين قضوا في هذه الطائرة”. وقال الوزير “هذا الأمر كان يمكن أن يحصل لأي من عائلاتنا”، مضيفا “لا يمكن أن يفلت المسؤولون عن الحادث من العقاب ولن يفلتوا”.

وأضاف ليو تيونغ إن فشل مجلس الأمن في تبني قرار بشأن تشكيل محكمة جنائية دولية للتحقيق في حادث إسقاط طائرة تابعة لبلاده في أوكرانيا يبعث “رسالة خطيرة فحواها إضفاء الحصانة على مرتكب الجريمة”. وأكد الوزير أن الفيتو الروسي ضد قرار في مجلس الأمن الدولي لإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة المسؤولين عن تحطم الطائرة الماليزية (ام اتش 17) لن يثنيها عن سعيها إلى “معاقبة المذنبين”.

ونقل المتحدث باسم وزارة النقل الماليزية عن الوزير داتو سري ليو تيونغ قوله إن “ماليزيا لن تتوقف هنا، فالهدف هو معاقبة المذنبين”، وذلك بعد بضع دقائق من استخدام موسكو للفيتو خلال تصويت مجلس الأمن في نيويورك.

ووعد الوزير الماليزي “بإحقاق العدالة لعائلات ضحايا تحطم الطائرة الماليزية رغم الفيتو الروسي ضد إنشاء محكمة خاصة لدى التصويت على قرار في هذا الصدد في مجلس الأمن الدولي”.

وكتب في صفحته على أحد مواقع التواصل الاجتماعي إن “النتائج تتحدث عن نفسها”، في إشارة إلى نتيجة التصويت التي أظهرت تأييد 11 عضوا للقرار وامتناع ثلاثة أعضاء إضافة إلى الفيتو الروسي، الأمر الذي دفع لي تيونغ إلى القول بأن “روسيا من بين الدول التي تعرقل التحقيق والوصول إلى الحقيقة، وهذا أمر مثير ومرفوض ومريب”. وأضاف ليو تونغ “لكن ماليزيا لن تتوقف هنا، ينبغي معاقبة المذنبين، إنه واجبنا حيال الضحايا وعائلاتهم”.

الفيتو الروسي لا يمكن فهمه على الوجه الإيجابي، فهذا قرار أممي بخصوص المحكمة وعلينا تقديم الجناة إلى العدالة

وأكد وزير النقل أن بلاده تقوم باتصالات حثيثة مع العديد من الدول الأوروبية للقيام بتحقيقات حول إسقاط الطائرة الماليزية فوق السماء الأوكرانية والتي تتهم فيها المجموعات الروسية المسلحة المقاتلة في أوكرانيا بإسقاطها.

وهذه المحكمة الدولية طالبت بها خصوصا الدول الخمس التي تجري تحقيقا في الحادث، أي ماليزيا وهولندا واستراليا وأوكرانيا وبلجيكا.

لا داعي لإنشاء محكمة جنائية والأمر خارج اختصاص مجلس الأمن

قال فيتالي تشوركين مندوب دولة روسيا الاتحادية بمجلس الأمن أن بلاده ترفض إقامة محكمة جنائية خاصة للتحقيق في حادثة إسقاط الطائرة الماليزية فوق أوكرانيا الصيف الماضي مضيفا “لقد ذكرنا مرارا أننا لا نؤيد تشكيل محكمة حيث لا يوجد سبب يدعو لذلك”.

وكان تشوركين قد برر استخدام بلاده حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار بتشكيل محكمة جنائية دولية حول إسقاط الطائرة الماليزية “إم إتش 17 فوق أوكرانيا بقوله إن “هذا الأمر لا يهدد السلم والأمن الدوليين”.

وأشار تشوركين إلى نص القانون الذي يتضمن التهديدات والمشاكل التي تتسبب في المس من الأمن والسلم الدوليين وعلى رأسها “الحروب الأهلية والحروب الانفصالية بعيدا عن الطرق الشرعية كالانتخابات والاستفتاء وكذلك امتلاك أسلحة دمار شامل تستعمل في شن الحروب المصلحية غير المشروعة واستعمال أسلحة محرمة دوليا وتأجيج الفتنة والاقتتال الأهلي أو بين الدول”. وقال تشوركين إن كل هذه الإخلالات بالأمن والسلم الدوليين تقوم بها بعض القوى بعينها الآن.

فيتالي تشوركين: ولد سنة 1952 بموسكو وهو خريج المعهد الروسي للعلاقات الدولية، شغل قبل توليه تمثيل روسيا لدى الأمم المتحدة خطة المترجم الرئيسي لوزارة الخارجية الروسية

وبخصوص اختصاصات مجلس الأمن الدولي فقد أكد تشوركين أن مجلس الأمن ليست له صلاحية قضائية أو تحقيقية في حوادث وقعت في العالم، بل إن دوره هو تنظيم العلاقات بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة واتخاذ قرارات تخص ضبط الأمن والسلم في العالم، وأضاف “لا تقع شؤون تنظيم محاكمات قضائية ضمن اختصاص مجلس الأمن”.

وقد أعلن الكرملين أن بوتين رد بأن “روسيا لا تزال تعتقد أن إنشاء محكمة مماثلة ليس الخطوة الأفضل الواجب القيام بها”. وهي المرة الثانية في شهر تلجأ روسيا إلى الفيتو لعرقلة قرار غربي، وقال تشوركين في هذا السياق “إن قيادة بلاده لا يمكن لها أن توافق على خرق القانون الدولي بتعلات سياسية تستهدف أمن روسيا ومصالحها”، مضيفا أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لا يريد الكشف عن الجناة الذين أسقطوا الطائرة الماليزية فوق الأراضي الأوكرانية “بقدر ما يريد توريط روسيا في هذا الحادث بأي شكل من الأشكال”.

وقد استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي ضد مشروع قرار لإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة المسؤولين عن إسقاط الرحلة “ام اتش 17 التابعة للخطوط الجوية الماليزية في يوليو 2014 في شرق أوكرانيا.

وقال فيتالي تشوركين إن بلاده تعترض على القرار لأن المسألة لا تندرج تحت ولاية مجلس الأمن. وصرح في مقابلة تلفزيونية أن “روسيا بلد لا يريد للعالم أن يضيع توازنه وفي الحين ذاته لا تقبل روسيا أن تهدد في أمنها وقوتها الإستراتيجية، علينا أن نفهم أن مثل هذه الاستفزازات التي يقوم بها الغرب ليست سوى لعب على أوتار الصراع، ونحن لن ننجر إلى ذلك”.

ودافع السفير الروسي تشوركين، عن استخدام بلاده حق النقض، قائلًا، “نحن نعتقد أنه ليس من المفترض أن يتدخل مجلس الأمن الدولي، للتعامل مع مثل تلك القضايا، ونرى أن ذلك ليس منصوصا عليه في ميثاق الأمم المتحدة”، مضيفا أن مجلس الأمن “وللأسف يتم توظيفه غالبا في الحروب بالوكالة أو لصالح قوة دولية ما تسيطر على العالم من خلال فرض قراراتها على مجلس الأمن بحلفائها والتابعين لها عبر تقاطعاتهم الدولية”، مضيفا “كل دولة حرة في ما تفعل، المهم أن تعلم أن حدود روسيا لا يمكن الاقتراب منها”.

وتابع، “إن روسيا مستعدة للتعاون في تحقيقات متكاملة ومستقلة وموضوعية، حول سبب وملابسات سقوط الطائرة ولكن على الجميع أن يحترم القانون الدولي والمواثيق التي تنظم المؤسسات الدولية، فاختصاص المحاكم والتحقيق الجنائي في كفة ووظيفة مجلس الأمن والأمم المتحدة في كفة أخرى”.

ذكرنا مرارا أننا لا نؤيد تشكيل محكمة حيث لا يوجد سبب يدعو لذلك وهذا الأمر خارج اختصاص مجلس الأمن الدولي

وأكد السفير الروسي أن إنشاء مثل هذه المحاكم الخاصة بأحداث بعينها "يحيل العالم إلى صورة أميركا التي تريد كل شيء على مقاسها لتسيطر على مقدرات العالم وتفاصيله، مع أن الأمر ليس كذلك، وأريد أن أذكر العالم أن أميركا ليست القوة الوحيدة في الواقع". واعتبرت عديد التحليلات أن مثل هذه التصريحات سوف تزيد من الأمور تعقيدا خاصة وأن قضية الطائرة الماليزية لم تعد شأنا ماليزيا فقط، بل إن عديد الدول الأوروبية قد تدخلت في التحقيقات.

ماليزيا تحتج على فيتو روسي يمنع إنشاء محكمة للتحقيق في سقوط طائرتها

احتجت ماليزيا وأستراليا على استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو) ضد اقتراح بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة المسؤولين عن حادث إطلاق النار على الطائرة الماليزية “إم إتش 17” فوق أوكرانيا العام الماضي. وذكرت الخارجية الماليزية أن حق الرفض “لا يعني أنه سيكون هناك إفلات من العقاب عن حادث الطائرة “إم إتش 17” بل سنبحث عن خيارات أخرى وآليات محاكمة قابلة للتطبيق".

ومن جانبه، صرح رئيس الوزراء الأسترالي توني أبوت بأن عدم تأييد روسيا لإنشاء المحكمة الدولية، قد أظهر تجاهلا تاما لحق الأسر في معرفة المسؤول عن إسقاط الطائرة وفي رؤية مثول هؤلاء المجرمين أمام أمام العدالة. وكانت الطائرة “إم إتش” 17 في طريقها من أمستردام إلى كوالالمبور وكانت تقل 298 شخصا على متنها، عندما تم إطلاق قذيفة عليها بينما كانت تمر فوق منطقة شرق أوكرانيا المضطربة في 17 يوليو عام 2014.

وطرح وزير النقل الماليزي ليو تيونغ حلا في مجلس الأمن الدولي يدعو فيه إلى إنشاء محكمة جنائية دولية. ويشار إلى أن القرار الذي حظي بتأييد أستراليا وبلجيكا وهولندا وأوكرانيا، صوتت لصالحه 11 دولة من الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، إلا أن روسيا استخدمت حق الفيتو ضده.

وفي بروكسل، تقول مايا كوسيانيتش المتحدثة باسم المفوضة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغريني “نشعر بأسف شديد لما حدث في مجلس الأمن”. وأوضحت أن هذه الخطوة كانت “ستضع آلية ملزمة وذات مصداقية لمحاكمة المسؤولين عن هذه المأساة المروعة”، إلى جانب التزام مجلس الأمن الدولي بتقديم مرتكبي الواقعة إلى العدالة.

وأضافت أنه “بغض النظر عن هذه الانتكاسة، فإنه من الضروري أن يستمر العمل حتى تتم محاسبة الأشخاص المسؤولين بشكل مباشر أو غير مباشر عن إسقاط الطائرة”.

الخارجية الماليزية تؤكد أن الفيتو الروسي لن يمنع مواصلة التحقيقات في حادث سقوط الطائرة

وقال أبوت إن تحركات الكرملين “تعزز من المخاوف بشأن حماية روسيا لمرتكبي حادث إسقاط الطائرة، والاستمرار في التعدي على سيادة أوكرانيا”، مضيفا أن “أستراليا ستستمر في العمل مع شركائنا حتى يتم تحقيق العدالة”.

من جهتها أكدت روسيا غداة استخدامها حق النقض الفيتو ضد مشروع قرار لإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة المسؤولين عن إسقاط الطائرة التابعة للخطوط الجوية الماليزية في يوليو 2014 في شرق أوكرانيا، أنها تأمل في تحقيق “بعيد عن كل تسييس في هذه الحادثة”.

وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الروسية “وحده تحقيق موضوعي وغير منحاز يسمح بتحديد المسؤوليات، ونريد تحقيقا لا يؤثر عليه أي تسييس أو ضجيج سياسي أو أي شيء”.

هذا وقد حض رئيس الوزراء الهولندي مارك روت في اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الموافقة على إنشاء المحكمة.

وأعلن الكرملين أن بوتين رد أن “روسيا لا تزال تعتقد أن إنشاء محكمة مماثلة ليس الخطوة الأفضل الواجب القيام بها”.

12