إنضاج الأطفال قبل أوانهم.. "رعب الحضانة" يتخطى رعب الكبار

بدأت أفلام الرعب تخرج عن إطار تقليدي لطالما تم تقديمها من خلاله، كي تستولي على مخيلة الأطفال الذين باتوا أسرى دمى تمثل شخصيات مرعبة. وانتقلت أفلام رعب الأطفال إلى مستويات جديدة بدأت تؤثر على تماسك شخصيات الأطفال. ووصلت درجة الابتكار بين كتّاب السيناريو إلى طرق تخويف توازي مشاهد الرعب في أفلام الكبار.
الثلاثاء 2017/08/08
\"طقس تشاكي\" صار ثقافة عامة في عمر مبكر

لندن – يقول متخصصون في صناعة السينما في بريطانيا إن أفلام الرعب تستهدف الآن جروح المجتمع المفتوحة، بل وتظل تخدشها حتى تنزف من جديد. ولكن إذا كانت “أفلام التعذيب”، التي صعدت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، هي الأسلوب الفني المُتبع للتعبير عن الوحشية وعدمية العالم الجديد، وإذا كان يمكن تفسير أفلام “الزومبي” على أنها استعارات للتعبير عن كل شيء حولنا بداية من فيروس الإيبولا وحتى الأزمة المالية للبنوك، بعد ذلك ماذا سنفعل إزاء هذه الظاهرة الصاعدة: الدمى المرعبة والأرجوزات والأطفال المخيفة؟

وظهر مؤخرا فن “رعب الأطفال”، ولكن إذا تم التحقق من أي من أفلام الرعب التي عُرضت مؤخراً، أو تم مشاهدة إعلاناتها التجارية فقط، فانك ستجد ظهور نفس التعبير المجازي، حتى أنك ستشعر أنك تشاهد نفس المشاهد المتكررة من فيلم “غروندوغ داي”.

تاريخ الرعب في السينما
* فيلم "هي هو غيتس سلابد" 1924

الفيلم الأول الذي أنتجته شركة “إم جي إم” وهو أول فيلم رعب لشخصية مهرج سيرك يُخلد في تاريخ السينما. يسرد الفيلم قصة الانتقام الكلاسيكية حينما يعمل بول كمهرج سيرك بعدما سلبه أحد النبلاء الشريرين عمله وزوجته.

وعندما تعرف على عدوه ذات ليلة بين الجمهور، يحقق انتقامه باستخدام أسد كسلاح للقتل. ربما لم يقصد الفيلم حينها أن ينقل الفكرة المعروفة بأن شيئا شريرا يقبع وراء هذه الابتسامة المطلية التي تعود إلى القرن الرابع عشر، ولكنه بالتأكيد كان بداية انطلاق الاتجاه إلى إنتاج أفلام الرعب.

* فيلم "فيليدج أوف ذا دامند" 1960

يرسل الفيلم القشعريرة في جسدك حينما ترى مجموعة من الأطفال الشقر ذوي الهيئة الغريبة. ففي إحدى المدن الأميركية تعرض كل سكانها للنوم الإجباري، وعندما استيقظوا وجدوا أن معظم النساء حوامل.

وبعد إنجابهم للأطفال اكتشفوا تشابهاً غريباً بهم في الشكل والطباع وقوة اكتشاف أفكار الآخرين. يدركون أن هناك شيئا غير طبيعي بهم، فهم يتسببون في قتل كل من يعترض طريقهم باستخدام قدرتهم النفسية وإجبار الكبار على إطاعة أوامرهم.

* فيلم "نايت أوف ذا ليفينغ ديد" 1968

فيلم أخرجه جورج روميرو والذي ساعد على انتشار فكرة “الزومبي”. تعرض الفيلم لانتقادت كثيرة عند صدوره بسبب محتواه، لكن من أكثر مشاهده رعباً كان مشهد اكتشاف فتاة تتغذى على جثة شخص ميت في القبو.

يتطرق العمل إلى ما حل بالناجين بينما يلقي الضوء على أسوأ كابوس يمكن للوالدين أن يعيشانه؛ هل يمكن حقاً أن تقتل طفلك، حتى لو اكتشفت أنه يأكل لحوم البشر؟

* فيلم "دونت لوك ناو" 1973

د

ونالد سوذرلاند وجولي كريستي يريان روح ابنتهما “باكستر” التي ماتت حينما يريان شبح القاتل الذي يجوب أزقة مدينة البندقية.

* فيلم "هالوين" 1978

أصبحت شخصية مايكل مايرز، بقناعه الأبيض، رمزاً للرعب على مدار الـ30 عاماً منذ إطلاق هذا الفيلم. ولم يحقق المسلسل الذي عرض في عشر حلقات نجاحاً مثلما حقق الفيلم الأصلي.

تدور قصة الفيلم حول شخص يراقب اثنين من المراهقين خارج منزل في إحدى الضواحي الهادئة. يلبس البطل قناعه الأبيض، ويطارد ضحاياه على درجات سلم المنزل، ثم يقتلهم باستخدام سكين كبير. ثم تأتي اللحظة الحاسمة من المشهد حينما تتحول الكاميرا إلى الشخص الثالث في اللحظة التي يزيل فيها القناع ليشكف عن طفل يبلغ من العمر ست سنوات.

* فيلم "ذا برود" 1979

من الصعب أن نتجاهل شخصية دكتور أوليفر ريد، الطبيب النفسي، ولكن تلك المخلوقات القاتلة حازت على نسبة اهتمام أعلى. تقتل هذه المخلوقات الصغيرة مجموعة من الكبار البالغين قبل الكشف عن ماهية نشأتها. هي لا تصدر أصواتاً، وليست لديها أسنان، ولكنها جائعة.

وليس من الغريب أن نكتشف أن ديفيد كروننبرغ قد ألف الفيلم بعد فترة وجيزة من ولادة ابنته.

* فيلم "تشايلدز بلاي" 1988

هل كانت دمية دون مانسيني مصدر إلهام لعمل حلقات مسلسل “توي ستوري”؟ تدور قصة الفيلم حول الحياة التي تدب في دمية يمتلكها طفل التي ترتكب كم من الجرائم الأكثر بشاعة حتى من لعبتي “وودي” و”باز”.

تتمثل العديد من الدمى المخيفة في دمية “أنابيل” التي جسدت العديد من أفلام الرعب مثل “كرييشن” و”كالت أوف تشاكي” و”ذا كونغورينغ ثري”، وأيضاً الدمية “كلاونز” التي جسدت أفلاما مثل “إت” و”كريبيتوس” و”كلاون تاون”، ودمية “كلاون ماسكس” التي جسدت أفلاما مثل “روكيت بيبر ديد” و”هابي ديث داي”، والدمية “كريبي كيدز” التي جسدت أفلام مثل “أويجا: أوريغن أوغ إيفل” و”سينيستر تو” و”ذا داركنيس”، وعادة ما تظهر تلك الدمى وقد تملكتها الأرواح الشريرة الانتقامية أو الآلهة القديمة.

وتقول آنة بيلسون، الناقدة الفنية في صحيفة الغارديان، “دائماً كنا نرى دمى مخيفة وأطفالاً ومهرجين مخيفين في أفلام الرعب، على سبيل المثال مثل الدمية تشاكي وحتى التوأمين شايننغز وغرادي”.

وأضافت “لكن تطور الأمر في الآونة الأخيرة بصورة مرضية. فبعد أن كنا نرى الدمى والمهرجين أو الأطفال، نرى الآن أدوات مرعبة جديدة، مثل الكرة المسكونة، أو صناديق موسيقية مرعبة، أو دمى القردة. انتهكت أفلام الرعب اليوم براءة الطفولة وحولتها إلى كابوس طويل”.

هل يمكن أن يستهدف ذلك النوع من الأفلام الآباء والأمهات الذين يتطفلون على حياة أبنائهم خلال العقدين الماضيين، حيث يمارس الآباء والأمهات عادة سيطرة غير مسبوقة على حياة أبنائهم اليومية؟

لقد حدث تحول كبير في درجة اهتمام الآباء والأمهات بأبنائهم، الذين كانوا يميلون في الغالب إلى الإهمال الذي تجسد في أفلام جون هاغز مثل “ذا بريكفاست كلاب” و”فيريز بولرز داي أوف”.

ربما تريد السينما الجديدة أن تنقل فكرة الآباء والأمهات الذين يهتمون أكثر من اللازم بأدق تفاصيل حياة أبنائهم. حيث هؤلاء الآباء والأمهات يريدون حماية أبنائهم في الواقع من الأرواح الشريرة لدرجة أنهم يتطفلون على حياة أطفالهم منذ الصغر. وتقول بيلسون “عندما كبرت قليلاً، ذهبت مع مجموعة ممن هم في سني وعزمنا على الذهاب للعب من دون رقابة آبائنا. ذهبنا للعب بالأرجوحة، وعلى ضفاف النهر، وعلى ضفاف جدول مائي كريه الرائحة، أو خلف الشجيرات بجوار الطرق الرئيسية المزدحمة. قفزنا على الجدران ولعبنا بعيدان الثقاب في حظائر الحديقة وتعرفنا على آخرين من مجموعة من الأصدقاء في نفس أعمارنا. ولو علم والدي بما فعلنا، لاستشاط غضباً”.

وأضافت “مع ذلك لم تكن طفولتي مميزة أو استثنائية. فجميع الأطفال كانوا يقومون بمثل تلك الأشياء في هذا الوقت. ربما كنا محظوظين بعض الشيء، فقد كانت الإصابة الوحيدة الخطيرة التي حدثت هي لفتاة كسرت ذراعها أثناء محاولتها الوقوف على يديها في ملعب الكريكت”.

مع مرور الوقت تم التقليص من حرية تلك الحركة الممنوحة للأطفال. ووفقا لتقرير نُشر في العام 2015، فإن نسبة 80 بالمئة من الأطفال ذوي السبع أو الثمانية أعوام كانوا يذهبون إلى المدرسة بمفردهم في عام 1971. وبحلول عام 1990، تقلصت هذه النسبة إلى 9 بالمئة فقط، حتى جاء عام 2010 حيث لم يسمح لأي طفل في مثل هذا السن الذهاب بمفرده إلى المدرسة. وفي الوقت الحاضر، يصطحب الوالدان في الغرب طفلهما إلى بوابة المدرسة، ثم يعودان ليصطحبانه إلى المنزل في نهاية اليوم.

يحرص الآباء الآن على قضاء معظم الوقت مع أطفالهم، الذين لا يجدون الوقت الكافي للعب بأجهزتهم الخاصة. كل دقيقة يقضيها الكبار مع الأطفال تقابلها دقيقة مفقودة من عمر الطفولة. وكنتيجة لذلك ينشأ جيل من الأطفال تعرض لأوقات طويلة لتطفل الوالدين على حياته منذ الصغر.

ويقول محللون نفسيون إنه ربما أتت تلك الدمى المخيفة لتجد طريقها للوصول إلى تلك الخيالات المكبوتة. لذلك لاقى المسلسل التليفزيوني “سترينجر ثينغز” شعبية كبيرة لأنه لامس لدى البعض حنيناً لفترة معينة من الزمن، عندما كان الكبار يسمحون للصغار بقيادة الدراجة لمواجهة “الوحوش” بأنفسهم.

وينتقد المسلسل أيضاً افتقار أفلام الرعب التي تُعرض في الوقت الحالي إلى المشاهد الأصلية التي كانت تُعرض في الماضي. واعتمد صناع ذلك النوع من الأفلام في الوقت الحاضر فقط على حصد الجوائز وارتفاع نسب المشاهدة بين الأطفال، لدرجة تم وصف تلك الأفلام التي تفتقر إلى مشاهد الرعب المعتادة، كالأبواب المغلقة بعنف والصدمات والاهتزازات ونظرات الوجوه المشوهة، بأنها ليست أفلام رعب حقيقية.

ويقول الكاتب البريطاني توبي موسيز “نجد أيضاً أن تلك الأفلام المثيرة للاهتمام، مثل فيلم ‘إت كامز آت نايت’، وفيلم ‘ذا ويتش’ وفيلم ‘إت فولوز” وغيرها من الأفلام، تحتوي على عناصر مرعبة جديدة ومختلفة عن تلك الأفلام التي تعرض دائماً فكرة وجود أرواح شريرة، وأسر تتعرض لخطر مواجهة تلك الأرواح”.

وأضاف “وفقاً لطبيعة أفلام رعب الأطفال، فإنه يمكننا بسهولة التنبؤ بالقصة التي يدور حولها الفيلم والتي تجسد غالباً الصراع بين الخير والشر والحياة والموت، والجنة والجحيم. ولكن هذا النوع من أفلام الرعب الذي يُعرض في هذه الأيام، لا يمكن توقع ما سيحدث أو أي من القوى ستنتصر في آخر الفيلم. لذلك يمكننا القول بأن أفلام الرعب في مجملها هي أشبه ‘ببيت رعب’؛ مخيف ولكنك تعلم جيداً أنك ستنتهي من مشاهدته غير مصاب بأي أذى، على عكس الشخصيات التي مثلت الفيلم”.

13