إنعام كجه جي تلاحق بطلة روايتها بين عواصم العالم

السبت 2017/10/07
مغامرات وقصص من التاريخ

بيروت - تروي إنعام كجه جي، في روايتها الجديدة “النبيذة” (340 صفحة)، الصادرة حديثا عن دار “الجديد” اللبنانية، قصة صحافية من بغداد، إيرانية الأصول، تدعى “تاج الملوك عبدالحميد”، كانت أسرتها تقيم في الكاظمية، وأثمرت موهبتها عن امتلاك مجلّة “الرحاب” البغدادية.

وقد عُرفت تاج الملوك بتحررها وجرأتها، فرعاها الباشا نوري السعيد، رئيس وزراء العراق الأسبق في العهد الملكي. لكن الظروف تدفعها إلى القيام برحلة طويلة تشمل بلدانا وعواصم عديدة، محمولة بمغامرات يكاد لا يتسع لها عمر واحد، “عاشت ثلاثة أعمار في عمر واحد، وما عادت تتوقّع مزيدا من الأقدار والمُصادفات” كما يصفها سارد الرواية.

تغدو تاج الملوك (أو تاجي)، ذات يوم زوجة ضابط استخبارات فرنسي اسمه سيريل شامبيون، ومن خلاله تصبح جاسوسة لفرنسا، أيام الثورة الجزائرية، وتجُنّد لاغتيال الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة في القاهرة.

أعطوها صورة له وحدّدوا لها اسمه الحقيقيّ ولقبه الحركي “مزياني مسعود”، رأته في المكان الذي وصفوه لها. يشرب القهوة، حسب عادته، في ساعة مُحدّدة على النيل. تمشّت وتمهّلت بالقرب منه. فوقف وردّ على تحيّتها وسؤالها العفوي. لكنها انصرفت مثلما جاءت، عابرةً بسؤال عابر. “جرّبت ولم يطاوعها قلبها”، كما تقول، ونجا الهدف من الموت، وعاش حتّى استقلّت بلاده، وصار رئيسا للجزائر.

تتذكّره “تاجي” بأسى ولا تحبّه، ولا تحبّ حلفاء جمال عبدالناصر. وها هو قد تجاوز التسعين، وجاء يتعالج عند مستعمريه، أعداء الأمس، راقدا على بعد أمتار من غرفتها في مستشفى “فال دو غراس” بباريس، يتجاوران تحت لعنة الشيخوخة. هو في شبه غيبوبة يحتضر، وهي أرملة مسنة تغضّن وجهها وانحنى ظهرها من ألم المفاصل. تتمدّد على سريرها وتتابع أخبار ثورة الياسمين في تونس من خلال مذياعها الصغير الذي تضعه على أُذنها.

وحين تتحرّك في ممرّ المستشفى تتعكّز على عصا. لكن رأسها لا يتوقّف عن ضخّ الأسماء والسحنات، تتحدّث عن أسماء هامة لم تعد حاضرة إلّا في كتب التاريخ. تستحضر أرواحا تحلّلت هياكل أصحابها تحت التراب، كأن قبورهم مؤرشفة في جارورها، طوع بنانها. من بينها المحامي التونسي الثائر الحبيب بورقيبة حين زار بغداد طالبا من حكومة نوري السعيد دعما لشعبه. وقد عرّفها إليه الباشا، وأجرت معه مقابلة صحافية لمجلتها.

تجري أحداث الرواية في مدة زمنية تقارب 80 عاما، تتوزع على العراق وفلسطين وبيروت وكراتشي وفنزويلا وباريس. تلتقي بطلتها “تاجي” في باريس بعازفة الكمان العراقية وديان الملاح التي فقدت سمعها وتبدل مجرى حياتها، ويجمعهما العراق. إحداهما جاءت من إيران إلى العراق الملكي، والثانية عاشت فيه أثناء حكم صدام حسين.

أحداث الرواية تجري في مدة زمنية تقارب 80 عاما، تتوزع على العراق وفلسطين وبيروت وكراتشي وفنزويلا وباريس

صديقتان تفصل بينهما عقود من التفاوت. عمر الأولى ضعف عمر الثانية. تتعايشان على الحافة ما بين التفاهم والتنافر، كأنّهما ضَرّتان لشبح واحد، جمعهما مصير أخرق. نبتتان من تربتين مختلفتين وطقسين متعاكسين. فإذا هطلت الأمطار تقارب الرأسان تحت مظلّة واحدة. وتتشعّب الرواية بشخصياتها وأزمنتها ومغامراتها وقصص حبها، فلا تغيب عنها وديان الملّاح، ولا الفلسطيني منصور البادي، اللذين يمتلك كل منهما صوته وقصّته المستقلّة.

يُذكر أن “النبيذة” هي الرواية الرابعة لإنعام كجه جي بعد “سواقي القلوب” و”الحفيدة الأميركية” و”طشاري”، وهنا مقتطف منها:

“ارتدت تاج الملوك أسماء كثيرة. رقصت بها ثمّ خلعتها. رمتها في صناديق الكرتون تحت تختها. لم تعد تتذكّر كم سريرا احتواها في البلاد. فراش للولادة وللغواية وللضجر وللأحلام وللنعاس. ومنام للشيخوخة والمرض. لو كان هناك منطق في كلّ هذه المتاهة لكانت الآن تلملم قُصاصاتها الصفراء. تربط شعث شعرها وراء رأسها وتمضي بدون أن تتلفّت. لن تلقيَ نظرة أخيرة على فوضى دنياها. حياة مثل قلائد السحرة والمشعوذين. ملضومة من بقايا خشب وخزف وعاج وريش وجلود. أغانٍ بلغات شرقيّة وغربيّة. خرز ملوّن وقطرات دموع تحمل أسماء عشّاق يائسين”.

17