إنغفار كامبراد ملياردير يعيش متقشفا بعد أن أثث بيوتنا بمفروشاته

السبت 2016/10/01
فتى ريفي ابتكر علامة إيكيا التي لن ينساها العالم

ستوكهولم - شركة الأثاث العالمية السويدية إيكيا ذات العلامة التجارية الصفراء على خلفية زرقاء شهيرة، تعرف بأنها تنتج وتبيع الأثاث المنزلي الجاهز، تجهيزات المطابخ ودورات المياه، في محلاتها للتجزئة المنتشرة في العالم، إنها أكبر شركة منتجة للأثاث في العالم.

ولكن هل جال بخاطر أحدكم يومًا السؤال عن بدايات ذلك الصرح العملاق؟ ومن الذي بنى هذه الأسطورة الخاصّة بالأثاث المنزلي؟ وما قصة شركة إيكيا؟ ومن هو صاحب فكرتها ومؤسسها؟ وما هو سر انتشارها حول العالم؟

حسناً، إليكم قصة نجاح وصعود إنغفار كامبراد من الحياة الريفية البسيطة، إلى اعتلاء عرش صناعة الأثاث.

مزرعة في الريف السويدي

وُلد إنغفار كامبراد في الـ30 من مارس العام 1926 في مزرعة صغيرة. ونشأ في تلك المزرعة التي كانت تعود إلى جده، الذي انتحر قبل مولده بسبب عجزه عن دفع ديون مستحقة على المزرعة ذاتها، وقد كان جد أبيه من ألمانيا، ولكن العائلة انتقلت للسويد للعيش فيها.

جاء مولد كامبراد في أوقات قاسية عندما كانت السويد بلدًا زراعيًا يعاني الفقر؛ العمل الشاق والتقشف والمساواة المقترنة بحالة الفقر التي يتشارك فيها الجميع، وهي القيم التي ستمتزج في ما بعد بروح إيكيا.

على الرغم من أنه نشأ في أسرة كئيبة، وكان مصابا بمرض الدسلكسيا، وهو اضطراب تعلمي يتضح بشكل أساسي كصعوبة في القراءة والهجاء، فقد بدأ كامبراد حياته المهنية منذ صغره، بالدخول في اتفاقات أعمال صغيرة. عندما قام ببيع علب الثقاب على دراجته في الحيّ الذي يسكن فيه.

حينها اكتشف أن بإمكانه شراء علب الثقاب بالجملة وبأسعار رخيصة في ستوكهولم، ومن ثم إعادة بيعها بالتجزئة بسعر منخفض جداً لزيادة أرباحه. حينما بلغ العاشرة، ومن أرباح بيع الثقاب وسّع تجارته، وراح يبيع بذور الأزهار وبطاقات المعايدة، وزينة أشجار عيد الميلاد والأقلام وبطاقات أعياد الميلاد والأسماك وبذور الحدائق، حيث تمتّع منذ صغره بحسّ عملي قويّ. كما قام بتعليم نفسه العديد من الحيل العمليّة في مجال التجارة.

لم تكن البداية بالسهولة التي توقعها كامبراد. ولكن بعد سنوات البداية تلقى دعوة من الشركة التي تمده بأقلام الحبر الجاف لزيارة باريس. من خلال رحلته الأولى خارج السويد تفتحت عيونه على أشياء جديدة.

الخطأ الأكبر

في سنوات المراهقة انضمّ كامبراد إلى حركة الشباب النازية بتأثير من جدته الألمانية التي كانت معجبةً جدًا بهتلر. لاحقًا، وصف كامبراد تلك الفترة الزَّمنيَّة في حياته بأنها “أكبر خطأ في حياته”. حتى أنه بعث بخطاب لموظَّفيه يطلب منهم المغفرة على هذا الموقف الذي اتخذه أثناء سنوات المراهقة.

كامبراد يدير بفلسفة صارمة الهيكل المؤسسي المعقد لشركته والذي يتضمن القسم الخيري وقسم البيع بالتجزئة وقسم الامتيازات. أما الموارد المالية فيمكن أن تستخدم فقط بطريقتين: إما إعادة استثمارها في إيكيا، أوالتبرع بها لأغراض خيرية

عندما أصبح كامبراد في السابعة عشرة أعطاه والده مكافأةً مالية لحصوله على درجات عالية في المدرسة رغم تعثُّره في العملية التعليمية. استخدم كامبراد المكافأة لتأسيس ما حلم به منذ صغره؛ تلك المؤسسة الصغيرة التي طالما راودته كحلم تمنّى أن يتحقق.

قرر أن يختار لها اسم “إيكيا” متفائلاً بالأحرف الأولى من اسمه واسم قريته والمزرعة التي ولد فيها (اختصار: إنغفار كامبراد، مزرعة إلمتارود، رعية أغواننارود). كان ذلك في العام 1943. في البدء لم تقدّم إيكيا سوى الأغراض المنزليّة الصغيرة والأغراض المكتبية البسيطة، كالأقلام، والمحافظ، وإطارات الصور، وشراشف الطاولات، والساعات، والمجوهرات وخزائن النايلون ومنتجات خاصة بالمكاتب بأسعار منخفضة.

في أواخر الأربعينات من القرن العشرين تم توظيف أول عامل في الشركة. وقرر كامبراد توسيع نشاطه، والتخصص في الأثاث، فبدأ بجلب أثاث محلي الصنع، ينتجه صناع محليون من خشب الغابات القريبة من منزله. لاقت تلك التجارة استجابة واسعة، ومن أجل التوفير من المساحة التي تتطلبها المفروشات والتخفيف من كلفة الشحن، ابتكر كامبراد فكرة بيع مفروشات يقوم الزبون بجمعها، وللترويج لسلعته بشكل أكبر قرر الشاب نشر إعلان للتعريف بعلامته.

ثورة إيكيا

كانت ثورة كامبراد في عالم الأثاث بإدخال طريقة جميلة وغير اعتيادية لاختيار الأثاث تتجسد في أن تخفِّض التكلفة عن طريق ترك العملاء يشترون قطع أثاثهم منفردةً، ثم يُجمِّعونها كما يشاؤون حسب أذواقهم. لذلك تدعو مجلة نيويورك إيكيا بـ «المصمم غير المرئي للمنزل» ومن هذا المنطلق تكونت إيكيا التي نعرفها اليوم.

تم افتتاح أول معرض لإيكيا في السويد، بداية الخمسينات من القرن الماضي، ليكون النواة الأولى لمعارضها حول العالم. وبعد فترة قصيرة قرر كامبراد نقل إيكيا من الاعتماد الكامل على مصنّعي المفروشات المحليين إلى تصميم الأثاث والمفروشات ذاتيًا.

كان كامبراد قد واجه تحديًا كبيرًا في بداية انطلاق إيكيا، إذ عانى من عدوانية بعض تجار الأثاث السويديين آنذاك. فكانت أسعار منتجاته المخفضة تضايقهم، لذلك قاموا بمقاطعة المورّدين الذين يتعاملون معه سعيًا منهم لوأد إيكيا في مهدها. لكن كامبراد لم يقف مكتوف اليدين. بل سعى إلى حيلة مناسبة لمجابهة هؤلاء التجار، فكان يقوم باستلام المواد الخام من المورّدين بعيدًا عن الأنظار وأحيانًا تحت جنح الظلام. ولكن ذلك لم يرق له طويلاً. إذ رأى أن ذلك لم يعد كافيًا للوفاء بمتطلبات إيكيا التي بدأت تكبر شيئًا فشيئًا. فاضطر للسفر إلى بولندا لشراء الخشب من هناك مستعينًا بعلاقات تجارية جديدة لتدعم مسيرته التجارية.

تحكى عن كامبراد طرائف عديدة، ومنها اتصافه بالبخل الشديد. فيلاحظ الناس امتلاكه سيارة قديمة من نوع فولفو حتى الآن، كذلك حرصه على التسوق أثناء فترة الظهيرة لشراء حاجياته من الخضار والفواكه لأن أسعارها تكون رخيصة خلال هذه الفترة. إضافة إلى حرصه على عدم تناول المشروبات من ثلاجة الفندق الذي يسكن فيه لأنها باهظة الثمن فيقوم بشراء المشروبات بسعر أقل من المتاجر الخارجية المجاورة للفندق.

مولده يقول عنه كامبراد إنه كان قد جاء في أوقات قاسية عندما كانت السويد بلدا زراعيا يعاني الفقر؛ العمل الشاق والتقشف والمساواة المقترنة بحالة الفقر التي يتشارك فيها الجميع، وهي القيم التي ستمتزج فيما بعد بروح إيكيا.

الصناعي وسوق البراغيث

من الأشياء الغريبة في حياة كامبراد أنه يسافر في الدرجة السياحة في الطائرة، ويجلس في الدرجة الثانية بالقطارات، ولا ينام في الفنادق الفخمة، ويطلب من موظفيه في إيكيا أن يكتبوا على الورق من الجهتين للتوفير، ويستخدم في متاجره أكياسا مصنوعة من الأوراق، ومعروف عنه أنه يزور مطاعم إيكيا لأنها تقدم الوجبات الرخيصة.

من أهداف كامبراد في شركته أن يوفر المنتجات عالية الجودة بأرخص الأسعار. ويعود نجاح مجموعته الأولى عالمياً في مجال الأثاث إلى حس الاقتصاد هذا.

ذات يوم صرّح كامبراد لمحطة “تي في 4” السويدية أن “الاقتصاد في الإنفاق هو من شيم أبناء منطقة سمولاند الزراعية” مسقط رأسه في جنوب السويد. وأضاف “انظروا إليّ. كل ما أرتديه هو من سوق البراغيث، وأنا أريد أن أكون قدوة وليس مجرد الحديث عن الاقتصاد في الإنفاق”.

وعلّق كامبراد على ذلك في لقاء له مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية بالقول “إن الرفاهية لا تتعدى شراء قميص وربطة عنق بين الحين والآخر وتناول السمك السويدي غير المكلف”.

يقول كامبراد عن نفسه “إنني مقتصد بعض الشيء في ما يخص المال. وماذا في ذلك؟ إنني أفكر في الأموال التي أريد أن أنفقها على نفسي وأسأل نفسي إن كان زبائن إيكيا قادرين على تحمل إنفاقها؟”.

نقل كامبارد مقرّ شركته من السويد إلى كوبنهاغن بالدنمارك، ليتجنب الضرائب التجارية غير المواتية لشركته المتنامية. كما انتقل أيضًا هو وأسرته إلى سويسرا احتجاجًا على الضرائب السويدية المتزايدة. لكنّ الشركة الآن مقرها في هولندا، وكامبراد عاد أخيراً إلى السويد.

فكر الرؤية في الإدارة

كانت لكامبراد سياسته خاصة في أن يجول العالم ويفتتح في كل سنة تقريبا متجراً في دولة مختلفة. ففي العام 1974 تم افتتاح أول متجر لإيكيا في ميونيخ بألمانيا، وفي سنوات الثمانينات من القرن العشرين افتتحت الفروع في المملكة العربية السعودية وبلجيكا والكويت والولايات المتحدة الأميركية. أما في العام 1991 فتم افتتاح أول فرع لإيكيا في دولة الإمارات العربية المتحدة.

يدير كامبراد الهيكل المؤسسي المعقَّد لشركته والذي يتضمن القسم الخيري وقسم البيع بالتجزئة وقسم الامتيازات. الموارد المالية من مجموعة إيكيا يمكن أن تستخدم فقط بطريقتين: إما إعادة استثمارها في إيكيا والشركات صاحبة الامتيازات منها، أوالتبرع بها لأغراض خيرية.

“خلق حياة يومية أفضل للكثير من الناس”، هذه هي رؤية إيكيا. يقول كامبراد “تتمثل فكرتنا التجارية في أن نقدم مجموعة واسعة من منتجات الأثاث المنزلي ذات التصميم المتميز والعملية بأسعار منخفضة جدًا تكون في متناول معظم الناس”.

مالكوم جلادويل المؤلف الإنكليزي المعروف يصف كامبراد بأنه من سلالة نادرة. حيث أنه يمتلك مجموعة من الخصال الجيدة: الضمير والانفتاح والمبادرة

لكن تلك الرؤية تتجاوز أيضاً الأثاث المنزلي. يضيف كامبراد “نحن نتطلع إلى خلق حياة يومية أفضل لجميع الناس المتأثرين بعملنا”.

وفقًا لمالكوم جلادويل المؤلف الإنكليزي المعروف، فإن كامبراد من سلالة نادرة. حيث أنه يمتلك مجموعة من الخصال الجيدة: الضمير والانفتاح والمبادرة. هذه السمات الشخصية جعلت منهُ مبتكرًا في بداية عمله بهذا المجال.

في السنوات القليلة الماضية كانت هناك تكهنات حول القيمة الحقيقية لثروة كامبراد وعائلته. وتقدر ثروته الشخصية الصافية بـ48.1 مليار دولار.

نُشِرَ كتابان عن قصة شركة إيكيا. وكان كامبراد قد شرح مفهوم وفكر شركته في كتاب “شهادة من بائع أثاث” والذي يُعدُّ الآن بمثابة البيان الرسمي لإيكيا. وفي أواخر 1990 عمل كامبراد مع صحافي سويدي على كتاب “القيادة عبر التصميم: قصة إيكيا”.

الآن لدى إيكيا 370 متجرًا في 47 دولة، ويؤكد الخبراء أن كامبراد لم يقترض مالًا أبدًا ولم يقم أبدًا بإصدار أسهم لإيكيا حتى مغادرته لها في 2013. الخدمات الغذائية لإيكيا استأثرت بـ 1.8 مليار دولار من المبيعات العام الماضي. كل متجر لإيكيا لديه مطعم صغير يقدم الطعام المحلي لجذور كامبراد السويدية. وباعتبار أن كلّ مكان أو موقع من العالم لديه أطباق محلية ووجبات خفيفة، يقدم المطعم كذلك المأكولات السويدية المفضلة مثل اللحم وحلوى الوافل، وهي متاحة للشراء عبر المتاجر أو حتى أونلاين عبر الإنترنت.

بعد قضائه أربعين عامًا في سويسرا يُتابع نموّ شركته لتُصبح شركة عالمية كما هي الآن، عاد كامبراد إلى مسقط رأسه في السويد. ليكون أقرب إلى العائلة والأصدقاء بعد وفاة زوجته.

ورغم بلوغه التسعين، ما زال كامبراد يشغل منصب كبير مستشاري إيكيا وأعلى صانع قرار فيها. بالرغم من دور ابنه ماتياس كرئيس للشركة. لكن هذا لا يؤثر على عادات كامبراد. فهو لا يزال يعيش حياة متواضعة ويرفض أن يطير في درجة رجال الأعمال.

14