إنقاذ أهداف أكثر حساسية من مصر للطيران

السبت 2016/05/21

إذا ثبت أن طائرة مصر للطيران قد أُسقطت بفعل عمل إرهابي، فهذا معناه أن أحدا لم يعد في مأمن على الإطلاق من أيدي الجهاديين التي باتت تطال كل شيء.

مرور ستة أشهر فقط على هجمات مروعة في شوارع باريس، لا يعني شيئا سوى أن قوات الأمن كانت في حالة استنفار تامة في كل المدن الفرنسية، ناهيك عن أكبر مطارات البلاد.

ما بات مؤكدا الآن هو أن كل ما أنجزته الإجراءات الأمنية المعقدة التي اتخذتها فرنسا منذ الهجوم على مجلة شارلي إيبدو وحتى هجمات بروكسل، هو أنها درّبت الجهاديين على كيفية الالتفاف حولها واختراقها.

يشعر حلفاء فرنسا الغربيون اليوم بحنق مغلف بالشفقة تجاه أجهزة الاستخبارات الفرنسية. الغضب الذي تسرّب من الغرف محكمة الإغلاق عن أسرار ما يجري بين الحلفاء خصوصا بعد هجمات بروكسل، يشير إلى أن ثقة الولايات المتحدة في الأداء الأمني الفرنسي لم تعد كما كانت، وأن الاطمئنان للتعويل على باريس في تبادل المعلومات يخفت كل يوم.

في إحدى المناسبات قال لي مسؤول أمني سابق في لندن، إن الوقت الذي كنا نستغرقه لإقناع الفرنسيين بأن عملية إرهابية على وشك الحدوث، كان أطول بكثير من الوقت اللازم لإحباطها.

تُذكّر الحالة السائدة الآن بين الجانبين بستينات القرن الماضي بعدما اكتشفت واشنطن والعالم أن كيم فيلبي الضابط رفيع المستوى في “إم آي 6” الذي كان مسؤولا عن تبادل المعلومات الاستخباراتية بين بريطانيا والولايات المتحدة، جاسوس سوفييتي. حينها طُرح في مدينة لانغلي سؤال كبير: هل من المناسب أن نستمر في منح ثقتنا إلى هؤلاء الأشخاص، بعدما ردوا على هذه الثقة بمنحنا جاسوسا؟

دفعت بريطانيا نفس الثمن الذي تدفعه فرنسا اليوم. لكن ماذا عن مصر؟

رغم أن أغلب ضحايا الطائرة هم مصريون، تشعر القاهرة، من وجهة النظر الرسمية، ببعض الإنصاف الذي افتقدته في تعاملها مع الغرب منذ سقوط الطائرة الروسية في سيناء أواخر أكتوبر الماضي، وسط دائرة اتهامات بالتقصير الأمني، وضغط سياسي حتمي.

وطأة هذه الضغوط التي تبعت سقوط طائرة مصر للطيران في طريق العودة من باريس إلى القاهرة، كانت حتما ستختلف إذا كانت الطائرة قد سقطت في طريق الذهاب من القاهرة إلى باريس.

الآن يقول الناس في مصر “إذا صار من الممكن اختراق مطار شارل ديغول بهذه السهولة، إذن لا حرج على مطار شرم الشيخ”. الحقيقة الوحيدة اليوم هي أن أحدا لا يمكنه الجزم بما حدث بالضبط. لكن الحرج في مطار شرم الشيخ وكل صناعة الطيران المصرية يكمن في حقيقة أخرى أكثر وضوحا، وهي أن مصر في السابق كانت بلدا سياحيا، لكنها لم تعد كذلك.

في الغالب ستمر إجازة أي سائح في مصر بسلام. لكن لا أحد يستطيع أن يلومه إذا ما قرر عدم إنفاق نقوده من أجل الذهاب إلى هناك لمجرد أن الاحتمالات بأن يعود إلى بلده حيا أكبر من احتمالات ألا يعود أصلا.

حان الوقت كي يتفهّم المصريون أن هذه العقلية هي الحاكمة في قرارات السائحين وحكومات الدول التي ينتمون إليها، وأنها السبب الأهم، إلى جانب أسباب تتصل بعدم الاستقرار الداخلي، في تأخر عودتهم.

السبب الآخر يكمن في تردد روسيا في السماح لمواطنيها بالعودة إلى مصر.

كان الروس أول من أعلنوا أن الاحتمال الأرجح هو أن الطائرة أسقطت بواسطة عمل إرهابي. لا تستطيع موسكو نسيان الطعنة التي تلقتها من الغرب مباشرة بعد سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء، حيث كانت بريطانيا أول من أعلن أن الطائرة سقطت نتيجة عمل إرهابي.

سبّب هذا الإعلان حينها حرجا كبيرا لروسيا التي كانت للتو قد أرسلت قوات عسكرية كبيرة لدعم نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا.

تنحدر رغبة موسكو في ترجيح العمل الإرهابي انطلاقا من دافع غامض يتحكم في أجهزتها كي تثبت أنها تدخلت في سوريا فأُسقطت طائرتها في مصر، وأن فرنسا تدخلت في سوريا أيضا فأُسقطت طائرة مصر بعد الإقلاع من أراضيها.

بين رغبات موسكو ومخاوف الغرب، تقف الولايات المتحدة في حيرة من أمرها. لم يعد هناك مكان لأي شكوك بأن واشنطن تواجه خطا مستقيما يفصل بسرعة فائقة بين بنية العلاقات الدولية التي تأسست بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أوائل التسعينات، وبين نظام عالمي آخر تتحكم فيه فوضى عارمة.

في أول هذا الخط تقف روسيا التي خرجت من القمقم على دعائم طموحة يقودها الرئيس فلاديمير بوتين كي تربك حسابات الغرب المستقرة، وفي آخره يقف الإرهاب الذي خرج لتوه أيضا من القمقم لكن ضمن ماكينة داعش المشغلة لأكثر أصناف الإسلام الراديكالي بشاعة، كي يربك العالم بأسره.

لم يعد الاستنفار الأمني في المطارات كافيا. أي نظام استخباراتي يمكن اختراقه، حتى لو كان في مطار شارل ديغول. لم تعد الطائرات هي وسيلة السفر الأكثر أمانا.

العثور على بقايا حطام الطائرة المصرية أمر جيّد. لكن يجب على من يبذلون جهدا كبيرا الآن في البحث عن الصندوق الأسود في أعماق المتوسط، أن يبذلوا جهدا أكبر للتأكد من أنهم لن يعودوا مجددا للبحث عن صندوق أسود في مكان آخر.

عندئذ قد يتم إنقاذ الأهداف المقبلة، التي ربما تكون أكثر حساسية بكثير من المطارات.

6