إنقاذ الأفلام حفظ للذاكرة وللتاريخ

لا يوجد فيلم مفقود طالما أننا لم نبدأ البحث عنه، رغم أنها مهمّة صعبة وشاقة وتحتاج إلى تمويل.
الأربعاء 2019/08/21
ترميم وإحياء الأفلام القديمة

الفيلم تاريخ. هذا أمر لا ريب فيه. في الفيلم، كل فيلم، سواء كان روائيا أو تسجيليا، طويلا أو قصيرا، يمكنك أن تشاهد ملامح الفترة التاريخية التي ظهر فيها. الملابس، الديكورات، تفاصيل البيوت من الداخل، العمارة، تصفيفات الشعر، طرز السيارات أو العربات، طريقة الحركة، إيقاع الحياة في الشارع، كيف كان الناس يعيشون، وكيف كانوا يتحدثون، وكيف كانت لغة الحديث اليومي بين البشر ثم كيف تطورت.

تاريخ الفيلم هو تاريخ الإنسان منذ ظهور السينما حتى يومنا هذا، أي منذ ما يقرب من 125 سنة. وقد تطور الفيلم في تقنياته وأفكاره وأشكاله وأساليبه ووسائل عرضه، بل وفي تأثيره على البشر أيضا. وكل الأفلام على الإطلاق، ذات قيمة تاريخية مهما اختلفنا حول مستواها الفني، فهذا لا يهمّ، فالمهم قيمة الفيلم كوثيقة.

كل فيلم هو وثيقة على نحو أو آخر، لذلك أنا من الذين يتحفظون على مصطلح “فيلم وثائقي” وأفضل “تسجيلي”، فمن الممكن حسب ما قدمته من تفسير، أن نعتبر كل الأفلام وثائقية، حتى لو لم تحتو على مشاهد مصورة مباشرة من “الواقع”، لأن كل فيلم هو شاهد على عصره بملامحه المختلفة حتى لو كان يروي قصة خيالية تماما فهو في هذه الحالة إنما يعبر أيضا عن الخيال وطريقة صياغة وصناعة الخيال في زمن محدد.

تاريخ ضائع

هذا المغزى “الفلسفي” لقيمة الفيلم كوثيقة “تاريخية” رغم أي شطحات خيالية أو مبتكرة، يقودنا بالضرورة إلى أن الحفاظ على تراث السينما في العالم وليس في بلد ما، بل في كل البلاد، هو حفاظ على التاريخ الإنساني نفسه، والفيلم لم يعد ملكا لصاحبه منذ أن بدأ يعرض في العالم عبر شركات التوزيع التي تمتلك حقوق توزيعه لكنها لا تمتلك التاريخ. لذلك نشأت المؤسسات التي تهتم بحفظ هذا التراث، بالبحث عن الأفلام القديمة التي أصبحت في عرف “المفقودة” واكتشافها والكشف عنها للعالم بعد ترميمها واستعادة أجزائها المفقودة ووضعها معا في السياق الأصلي واستعادة ألوانها الأصلية إن وجدت، أو صورها النقية وتحويلها أيضا إلى نسخ رقمية حديثة فائقة الوضوح بحيث يمكن أن تصمد للزمن لمئات السنين.

هناك مؤسسات ومهرجانات عالمية باتت تمول وتدعم وتتعاون مع أرشيفات أوروبية في إنقاذ وتجديد الأفلام الكلاسيكية

كانت النسخ الأصلية (السلبية) من الأفلام تصنع في الماضي من مادة السليولويد التي تدخل في تكوينها مادة نترات الفضة وهي قابلة للاشتعال كما يسهل تحلّلها مع مرور الزمن خاصة لو حفظت الأفلام في درجات حرارة غير مناسبة. وقبل عام 1951 كانت كل الأفلام مصورة باستخدام نترات السليولوز والكافور مع نترات الفضة لذلك فقد العالم الكثير من الأفلام. الآلاف من الأفلام تحللت نسخها الأصلية (نتيجة العمر الافتراضي المحدود للمادة) وذابت وانتهت من الوجود، والآلاف من الأفلام الأخرى التهمتها النيران في حرائق كبيرة منها على سبيل المثال الحريق الذي نشب في 9 يوليو 1937، في مخزن الأفلام بشركة فوكس في هوليوود وقضى على مخزون الشركة من الأفلام التي أنتجت قبل 1932 ومنها أفلام نادرة، واحترقت النسخ السلبية الأصلية منها، واعتبره المؤرخ السينمائي أندرو سلايد، الفاجعة الأكبر التي تعرضت لها أفلام نترات الفضة في التاريخ.

معهد السينما الأميركي يقدّر نسبة ما فُقد من الأفلام الأميركية المنتجة بين عامي 1895 و1918 بـ85 بالمئة. والنسبة قريبة من ذلك في الأفلام الإيطالية والاسكندينافية والفرنسية ومن بين ضحاياها حسبما يذكر الباحث ريمون بورد، أفلام لجورج ملييس وفردينا زيكا وأولى أفلام أبيل غانس وموريس ستيللر وفيكتور سغوتروم.

الوجه الآخر للمشكلة أنه مع الانتقال بعد عام 1951 إلى استخدام مادة أكثر أمانا في تصوير الأفلام، قام الكثير من المنتجين بتدمير الآلاف من الأفلام القديمة التي ظنوا أن لا قيمة لها طالما أنها لم تحقق نجاحا جماهيريا.

وفي وقت من الأوقات حذّرت اليونسكو من أن العالم يفقد في كل دقيقة فيلما. وقيمة الفيلم كتراث ثقافي مسألة غير معترف بها حتى يومنا هذا في العالم العربي، أقصد من الناحية العملية. صحيح هناك الكثير من الباحثين والنقاد وأساتذة السينما تحدثوا وكتبوا وحذروا من خطورة تحلل النسخ السلبية وضرورة إنقاذها من التلف وأهمية إنشاء دار المحفوظات السينمائية (السينماتيك) لكن وزارات الثقافة والحكومات المنوطة بهذه المهمة لم تخصّص ميزانيات حقيقية لترميم وإنقاذ وحفظ الأفلام حتى الآن.

إنقاذ الأفلام

كل فيلم هو وثيقة
كل فيلم هو وثيقة

البحث عن الأفلام مهمّة صعبة وشاقة وتحتاج إلى تمويل. لذلك لا يوجد من يقوم بها في مصر والعالم العربي، لأن الدولة ليست مستعدة لتمويل مهمة البحث والتقصي والتنقيب في أرشيفات العالم ودور العرض ومكتبات الأفلام، من أجل العثور على ما يعتقد أنه من الأفلام “المفقودة”.

في بداية إنشاء دور السينما كان معظم ملاكها من اليهود الذين غادروا مصر في الخمسينات، وكانت دور السينما تمتلك الكثير من الأفلام والواضح أن الكثير من هذه الأفلام وجدت طريقها إلى إسرائيل، بدليل أن كتابا صدر في إسرائيل قبل سنوات، يذكر قائمة بنحو مئة فيلم مصري صورت قبل عام 1912 موجودة في الأرشيف السينمائي الإسرائيلي. وهي أفلام لا يعرف عنها أحد في مصر شيئا وغير موجودة أصلا في فيلموغرافيا السينما المصرية التي لم تكتمل حتى يومنا هذا. وعندما نقول “كتابة الفيلموغرافيا” فالمقصود رصد جميع البيانات والمعلومات الخاصة بجميع الأفلام التي صورت وأنتجت على أرض مصر، فكلها “أفلام مصرية” حتى لو كان من أنتجوها من الأجانب المقيمين أو الذين جاؤوا خصيصا للتصوير في مصر.

وقبل نحو خمسة وعشرين عاما اتصلت بي شابة إيطالية من روما تسألني عمّا أعرفه من معلومات عن المخرج السينمائي الإيطالي فيكتور روسيتو الذي أخرج أربعة أفلام في مصر في الفترة بين الحربين. ولم أكن أعرف سوى أن المؤرخ والباحث المصري الراحل أحمد الحضري اكتشف وهو يعد كتابه في تاريخ السينما المصرية، فيلم “في بلاد توت عنخ آمون”، وهو فيلم روائي صامت أخرجه روسيتو عام 1923. واعتبره الحضري أول فيلم روائي مصري وليس فيلم “ليلى” كما هو معروف وسائد. ولكن أين هو الفيلم؟ وأين أفلام روسيتو المصرية الأخرى؟ ربما تكون الإجابة عند الإيطاليين!

كل فيلم هو شاهد على عصره
كل فيلم هو شاهد على عصره

المؤسسة الدولية التي يرأسها المخرج سكورسيزي تقوم بدور رائد في مجال ترميم وإحياء الأفلام القديمة. ومهرجانات السينما الدولية الكبرى مثل كان وفينيسيا وبرلين تمول وتدعم وتتعاون مع أرشيفات أوروبية في إنقاذ وتجديد الأفلام الكلاسيكية وتوفير نسخ رقمية حديثة منها. ويتم هذا سنويا خصيصا للعرض في هذه المهرجانات قبل أن يصبح متاحا للتداول في أسطوانات البلو راي. ومن هذه الأفلام على سبيل المثال، فيلم “نابليون” (1927) لأبيل غانس الذي قدمت له عرضا نقديا من قبل على صفحات “العرب”.

البريطانيون تمكنوا من استعادة وترميم عدد كبير من الأفلام الصامتة التي صورت عن مسرحيات شكسبير. وتقول المعلومات التي نشرها معهد الفيلم البريطاني إن 300 فيلم أنتجت عن أعمال شكسبير حتى نهاية عصر السينما الصامتة. وأصبح لدينا اليوم شريط يتضمن مقاطع من 24 فيلما من هذه الأفلام التي لم يشاهدها أحد منذ العشرات من السنين، على أسطوانة مدمجة مثل “يوليوس قصير” (إنتاج 1908) و“العاصفة” (1908) و“تاجر البندقية” (1910) و“كليوباتره” (1910) و“الملك لير” (1910) و“ريتشارد الثالث” (1911).. ومنها أيضا فيلم “روميو وجوليت” الذي يعتبر أول فيلم يظهر فيه الممثل الكبير جون غيلغود عام 1924، كلها مصحوبة بالموسيقى التي كانت تستخدم في ذلك الوقت لمتابعة الأفلام الصامتة في دور العرض.

من ضمن العشرات من الأفلام المفقودة في مصر، لدينا حتى الآن ثلاثة من الأفلام العشرة التي قام ببطولتها نجيب الريحاني، مازالت مفقودة. هي أفلام “صاحب السعادة كشكش بيه” (1931)، و“حوادث كشكش بيه” (1934)، و“بسلامته عايز يتجوز” (1936). وكان قد تم العثور مصادفة في فرنسا قبل سنوات قليلة، على فيلم “ياقوت” (1934) الذي كان يعتبر مفقودا. وهو من أفلام الريحاني. وأنا من الذين يؤمنون بمقولة مؤسس السينماتيك الفرنسية هنري لانغلوا “لا يوجد فيلم مفقود طالما أننا لم نبدأ البحث عنه”!

16