إنكار الواقع بالصحراء المغربية.. الوصفة الجاهزة لتخبط الجزائر والبوليساريو

الحقيقة الصادحة أنه لا يمكن المزايدة على قرارات الدول أو الوصاية عليها من طرف انفصاليين يعيشون على هامش التاريخ والجغرافيا.
السبت 2020/02/22
من أجل المصلحة المشتركة

لطالما عبّرت الجزائر عبر وسائل الإعلام أن لا علاقة لها بملف الصحراء. “هذا شأن بين البوليساريو والمغرب لا دخل لنا فيه”، هذا ما ظل الإعلام ومسؤولو الجارة الجزائر يكرّرونه. لكن لماذا عندما يتم افتتاح قنصلية لبلد أفريقي صديق في مدينة من مدن الجنوب المغربي ينسون كلامهم ويشرعون في التهجم على تلك الدول وكأنها ملحقات لقصر المرادية أو جنود عند فرقة قائد الجيش الجزائري.

ما معنى أن تستدعي الجزائر سفيرها بجمهورية كوت ديفوار للتشاور، عقب فتح هذا البلد الأفريقي قنصلية له في مدينة العيون المغربية؟ سؤال يتطلب بحثا معمّقا في الدواعي والأسباب والنتائج. فأن تقوم قيادة الجزائر بهذه الخطوة ضد بلد أفريقي قام بما تمليه عليه مصلحته الاستراتيجية، فهذا يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ثلاث نقاط أساسية وهي:

أولا، أنّ الجزائر متورطة في النزاع المفتعل على الصحراء المغربية عكس ما تدعيه. ثانيا أنها فشلت في استعداء كل دول الاتحاد الأفريقي لأحقية المغرب وسيادته لأقاليمه الجنوبية، ثالثا، أن القيادة الجزائرية ما زالت متشبثة بالإسهام بعدم حل النزاع المفتعل في الصحراء بإنكار تدخّلها في تأجيجه بتأييد الانفصاليين.

ولكي توضّح موقفها غير المبرّر سياسيا ودبلوماسيا، ارتأت قيادة الجزائر الحالية أن تتدثر بقوانين ومقرّرات الاتحاد الأفريقي. واعتبرت الخارجية الجزائرية أن قنصلية كوت ديفوار بالصحراء المغربية تعدّ “ضربا للالتزام الجماعي للبلدان الأفريقية المؤسسة للاتحاد القاضي بالتمسّك بمبادئ المنظمة والعمل على تحقيق الأهداف المكرّسة في العقد التأسيسي، خاصّة ما تعلّق منها بضرورة الوحدة والتضامن بين الدول والشعوب والدفاع عن السيادة والوحدة الترابية واستقلال الدول الأعضاء”.

هذا بعدما حاولت قيادة الجزائر قبل أيام الاستنجاد بالأمم المتحدة معتبرة خطوة الدول التي افتتحت قنصلياتها بمدن الجنوب المغربي ضد “قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بالنزاع الصحراوي وتعرقل عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة”، متناسية بشكل متعمد أن صنيعتها البوليساريو تنتهك تلك المقرّرات بتدخّلاتها لتغيير المعالم الديمغرافية والجغرافية لتيفاريتي وبير الحلو باعتبارها مناطق عازلة منذ العام 1991 بقرار أممي.

كلام الخارجية الجزائرية حول الوحدة والتضامن والدفاع عن سيادة الوحدة الترابية، لا يعدو إنشاء يفتقر إلى المنطق السياسي، وهو الذي لم تلتزم بها الجزائر وهي تدعم انفصاليي البوليساريو يحاولون تفتيت وحدة التراب المغربي، وقبل شهور رفضت ذات الدولة مبادرة مغربية للوحدة دون شروط مسبقة.

تدخّلات الجزائر في سيادة المغرب واضحة ولا داعي لإبرازها، لكن هذه المرة تجاوز قرار التدخل باتجاه دولة كوت ديفوار. وقد استبقت هذه الدولة الأفريقية هذا السلوك عندما، عندما أكد علي كوليبالي، وزير الاندماج الأفريقي وإيفواريي الخارج، أن ” كوت ديفوار تتمتع بحرية القرارات وترفض جميع الإملاءات المتعلقة بتوجهها في العلاقات الدولية”، مضيفا أن “فتح قنصلية عامة بالعيون يعتبر قرارا سياديا يتوازى مع قناعات كوت ديفوار الدبلوماسية المتجذرة في التاريخ”.

ما يزيد من سعار الجزائر والبوليساريو هو تواتر افتتاح القنصليات بالمدن الكبرى بجنوب المغرب، إذ تعد قنصلية كوت ديفوار التمثيلية القنصلية الخامسة بالعيون بعد قنصليات جزر القمر المتحدة وجمهوريات أفريقيا الوسطى، والغابون وساوتومي وبرنسيب.

دولة كوت ديفوار تقرر لماذا ومتى وأينما تشاء. ولهذا جدد علي كوليبالي التأكيد على أنه “قرار نتحمل فيه كامل المسؤولية، ويتماهى مع سيادتنا في القرارات ومع مصالح بلدينا واحترامنا لمبادئنا التاريخية الداعمة لمغربية الصحراء، ولا نقبل تقديم الدروس والمواعظ في السياسة، ولا نقبل تدخل أطراف أخرى في قراراتنا السيادية مع دول حليفة كالمغرب”.

أليس هذا الموقف كافيا لكي تكف القيادة الجزائرية لسانها ومناوراتها ضد وجدة المغرب الترابية؟ لكن ومن الخبرة المتراكمة في علاقة الجزائر بالمغرب يتبيّن أن قيادات الجارة الشرقية لن تستكين ولن تتراجع عن نهجها المناهض لوحدة المغرب الترابية.

الحقيقة الصادحة أنه لا يمكن المزايدة على قرارات الدول أو الوصاية عليها من طرف انفصاليين يعيشون على هامش التاريخ والجغرافيا، إذ كل الدول الصديقة وتلك التي راجعت موقفها وعلاقتها مع الكيان الانفصالي، كان لها نفس الرأي في مغربية الصحراء دون مساومات.

في هذا السياق المليء بالمفاجئات غير السارة للبوليساريو والجزائر ما أبرزه خابيير دوموكوس رويز، سفير كوبا في الرباط، بمقر البرلمان المغربي، من توجه استراتيجي للمملكة في تعزيز التعاون جنوب – جنوب، تحت قيادة الملك محمد السادس، مشيرا إلى العدد الهائل من مشاريع التعاون التي أطلقها الملك مع عدد من الدول الأفريقية على الخصوص، في مجالات حيوية من قبيل البنيات التحتية والفلاحة والصناعة وغيرها.

ليكون هذا التحول في خطاب وطبيعة علاقة كوبا الاشتراكية مع المغرب وهي الدولة التي كانت تدعم البوليساريو له ما بعده سياسيا ودبلوماسيا، وهو ما يشي بأن الأطروحة الانفصالية تقف على أرض هشّة لا يمكنها الاستمرار في حمل مشروع دولة وهمية لم يصمد أمام ضربات المغرب، هذا البلد الذي عزم على تحطيم كلّ مزاعم تلك الأطروحة بتحركات عملية على الأرض الدبلوماسية وبأدوات القوة الناعمة الكفيلة بتعزيز مقولة أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.

وهذا يدفعنا للقول إن تصورات الشرعية في النظام العالمي الحالي تعتمد بشكل أساسي على القوة الناعمة، وهذا ما يقوم به المغرب بشكل عملي للدفاع عن مشروعية اختياراته وسيادته على أقاليمه الجنوبية، الشيء الذي لم تستفد منه البوليساريو والجزائر اللتان بقيتا رهينة لمخلفات الحرب الباردة، ولحسن الحظ، القادة الحاليون في الدول الأفريقية وأميركا اللاتينية يعرفون أفضل في كيفية تدبير العلاقات الخارجية على أساس واقعي ومنسجم مع التحولات العالمية.

8