إنما الأمم الأخلاق

الخميس 2014/10/16

كنا، أعني أبناء جيلي، جيل المرحلة الأخيرة من الكفاح الوطني التي انتهت بالحصول على الاستقلال فسُمّي به، فدعي جيل الاستقلال، في الكثير من البلدان العربية التي تتالى استقلالها عن حكم المستعمر.

استقلت لبنان وسوريا فليبيا فالمغرب فتونس فالجزائر، بعد ثورة وحرب سجلهما التاريخ لما زخرتا به من تضحيات. كنا، جيل الاستقلال والجيل الذي سلفه، نُعتبر، عند الكثيرين، ثوارا على الكثير من ثوابت المجتمع، خارجين عن المنظومة الاجتماعية في الكثير من سلوكياتنا. واجهنا من كبارنا ومحافظينا وجامدينا كلّ صروف الرّفض والانتقاد، وأصناف التّهم المشفوعة أحيانا بالشدّة في اللفظ والسّلوك. عيبنا، لدى البعض، وميزتنا لدى آخرين، أننا نريد إصلاحا ونبحث عن طرق سليمة لإرساء المطلوب، وهو تطهير العقول من رواسب الماضي. كنّا كما قال الفيلسوف التونسي المحجوب بن ميلاد: “نقاوم كلّ ما لفت أنظارنا لما ينخر هيكل العروبة وهيكل الإسلام -في العصر الحاضر- من ضروب السّوس لاعتبارنا أنّ في ذلك عونا للخصم على إشباع ما كان له من المطامع الخفيّة والسّافرة، في سبيل إفناء ذاتنا، وابتلاعها وإدماجها”.

كان سلاحنا قيما وأخلاقا ثابتة، مكّنتنا من السّير والتقدّم بثبات، ناجحين أحيانا، فاشلين أخرى، لكن ثابتين عارفين وجهتنا وغايتنا، نسير في وفاق دون سابق اتفاق، لكن أغلبيتنا مؤمنة بوجوب وضرورة التخلّص فبلوغ المرمى، ولو أنّ البعض، كما سبق القول، يرى غير مرآنا، من أسلوب عمل ووسائل إنجاز. لماذا؟ لأنها كانت غير معهودة فلا تُفْهم حقّ فهمها، فينصب لها العداء، أو أنّ شكلها يوحي بأنها غير أهليّة، فهي إذن غربيّة فغريبة، فمضرّة غير صالحة. رغم التباين في الآراء والأحكام، لم يبلغ الماء إلى النهر، لأننا حرصنا على أن لا حياد عن مميّزات ذاتنا، وخصوصيّات ديننا وثقافتنا، إذ هما كياننا، وعنهما نريد إزالة الغبار والجمود.

قد يسأل سائل: ما هي الثوابت التي تمّت المحافظة عليها؟ إنها أخلاق وخصال وحسن سلوك، أصبح جميعها طبيعة وسليقة ثابتة فينا، وهي اليوم، غريبة بين جيل أو أجيال ما بعد الاستقلال، لأنّ معظمهم فقدوا وأضاعوا، في تطوّرهم وانجرافهم بموجات ما فرضته الأنظمة التعسفيّة من دعايات، وما حملته وسائل الإعلام والاتصال من “ثقافات”، لهم ومن أجلهم أُعِدّت فكُيِّفت ثمّ بُثّت ونشرت، ففقدوا ما حافظنا عليه معتبرينه لبنة أساسية من لبنات هويّتنا وذاتيّتنا، ألا وهي أخلاقنا الإسلامية العربية وحتى الأفريقية. كانت لنا حليّا وزينة حفظتنا ما حافظنا عليها. سأسمح لنفسي بذكر واحدة منها، أبسَطَها وهي التي ستثير ضحك شباب اليوم، لأنها بسيطة ظاهريا، غزيرة المفاهيم التي لا يفقه كنهها إلا العاقلون. إنها احترام الأكبر سنّا واتباع نصحه وما يشير إليه، عملا بحديث شريف يقول:”صغيرنا يوقر كبيرنا، وكبيرنا يرحم صغيرنا”.

هذه السنّة أو القاعدة، منحتنا أيام الكفاح انضباطا، لا يقلّ عمّا تفرضه الجنديّة من تدرّج المراتب والمسؤوليات. انضباط مكّننا من القضاء على بعض الفوضى العقلية التي جعلتنا، ولا تزال تجعلنا، كما قال بن ميلاد سالف الذكر، “نقضي على الأسرة باسم الأسرة، وعلى العفاف باسم العفاف، وعلى الشرف باسم الشرف…”، فنقبر الحرية باسم الحرية، ونقبر العدالة باسم العدالة، والحضارة باسم الحضارة. فما نعقده بنيّة نحلّه بأخرى، وما نبنيه بلبنات الإخلاص نهدمه بمعول النّفاق، وما نشيّده بنور الحبّ، نحطّمه بظلمة البغضاء، وما نسعى لإنجازه بصدق الهمّة، وجود الإيثار، وزكاة الحق، نقضي عليه بسموم النّميمة والأثرة، ووسواس الخنّاس. إنّ من يشك في هذا ويريد التأكّد منه، فله في مجرى الأمور بليبيا خير دليل، وفي ما يمرّ به العراق أصدق برهان.

قد يستغرب بعضهم من ربط ما نحن فيه من تدهور وتخلف، بالأخلاق، ويتساءل ما للأخلاق وكلّ هذا؟ أقول له: إنّ الأخلاق لغة جمع خُلُق، وهو جمع بين الدّين والطبع والسّجيّة والمروءة. إنّه، لدى المفكرين مثل الغزالي، “عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة”، إنّه صورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصّة بها، بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها. أمّا في الإسلام، فقد عرّف بعض الباحثين الأخلاق بأنها “مجموعة المبادئ، والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، التي يحدّدها الوحي لتنظيم حياة الإنسان، وتحديد علاقته بغيره على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه”.

لا حاجة بعد هذا لمزيد التعريف والشرح، إذ لا شك أنّ المتيقّن وغير المتيقّن من ذوي الشكوك والرّيبة، قد أيقنوا أنّ ما تشمله الأخلاق، من مبادئ وقيم، تفرض سلوكا معيّنا، وتصرّفات متعقّلة، تحول دون كثير من الأمراض الاجتماعية التي تشكوها مجتمعاتنا. يقع الحدّ من مفعول، لا أقول زوال، الكثير من المفاسد المتسبّبة في الأضرار الجالبة للمتاعب والخسران، منها التعصّب، وانفراديّة الرّأي ثمّ فرضه، وعدم المشورة، والاستهزاء بالنصيحة والتكبّر، وكلّها، تؤدّي إلى التعصّب والتوكّل والتّآكل، لأنّ الأنانيّة وحبّ الذات تصبح، عند التخلّي عن الأخلاق، مهيمنة طاغية فتصبح الأمور كما هي لدينا، تشتّتا وانحطاطا وانتشار الرّذيلة وأنواع الفساد، وما الضحيّة، نتيجة هذا، إلاّ الوطن وما إليه، لأنّ الحق في ما قاله شوقي:

إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا فذهبنا، وترى متى نعود؟


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9