إنما المختلسون إخوة

لأنها أموال طائلة إما أن يكون أصحابها قاموا بتحويلها من حساباتهم الشخصية في المصارف العراقية إلى حساباتهم في الدول المضيفة أو بصفقات استيراد وهمية لم تعترض عليها الدول التي استقبلت تلك المسروقات.
الخميس 2021/09/16
الفساد في العراق لا يقهر

قبل الدخول في تفاصيل الموضوع لا بد من الاعتراف بأن الفساد في العراق لا يمكن أن يقهر مادام هناك خلطٌ بين السياسة والدين والولاء والعمالة. إذ لا يمكن لمختلس عراقي، كبيرا كان أو صغيرا، أن ينجو من الحساب والكتاب دون دراية الحكومة والمجتمع العراقي بمساجده وحسينياته، وبدون حماية السلاح المتسيدّ الذي لا يغلبه غلاب. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى لا يمكن تهريب الأموال، وهي بالأكوام، دون تعاون وتفاهم وتساهل وترحيب من دول الجوار، لينتقل منها إلى الدول الأخرى، بعد ذلك.

والآن، تعالوا نقرأ هذه الأخبار العراقية.

“أعلن عضو اللجنة العليا لمكافحة الفساد سعيد ياسين أن حجم الأموال العراقية المسروقة المهربة إلى الخارج بلغ 360 مليار دولار”.

ومنظمة الشفافية الدولية في تقريرها الصادر مطلع العام الحالي عن مؤشرات الفساد لعام 2020 وضعت العراق في كعب قائمة الدول الفاسدة، معلنةً “أنه قد احتل المرتبة 160 من بين الـ180 دولة في العالم، في مؤشرها للفساد”.

والثابت، وبالوثائق التي تنشرها أجهزة حكومية عراقية وأجنبية وهيئات متخصصة في مراقبة الأموال المسروقة، أن كثيرين من حكام العراق الأميركي، ثم العراق الإيراني، وقد كانوا قبل الغزو الأميركي وقبل الاحتلال الإيراني، فقراء معدمين لاجئين في دول الاغتراب، قاموا بشراء عمارات وقصور وشركات ومصانع ومزارع في إيران وسوريا ولبنان وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وتركيا والأردن ودبي.

والمؤكد، والحالة هذه، أنها لم تكن مخبأة في جيوبهم وحقائبهم، لنصدق أن الضابط المفتش “الأهبل” عجز عن اكتشافها، أو أنها لم تكن مجوهراتٍ على صدور زوجاتهم وأذرعهن، ثم تم بيعها في بلد الوصول وتحويلها إلى نقد، بعد ذلك.

طبعا، هناك احتمالان. فلأنها أموال طائلة بعشرات الملايين فإما أن يكون أصحابها قاموا بتحويلها من حساباتهم الشخصية في المصارف العراقية إلى حساباتهم الشخصية في الدول المضيفة، أو بصفقات استيراد وهمية لم تعترض عليها سلطات الدول التي استقبلت تلك المسروقات، أو أنها كانت في صناديق وحقائب وتمكن المهربون الكبار من تأمين مرورها عبر الحدود إلى دول الجوار، بسلام.

رغم أن أغلب الدول التي تتشدد في تطبيق قوانينها التي تمنع تهريب العملة تفرض على المسافرين القادمين إلى مطاراتها ومنافذها الحدودية أن يصرحوا عن المال الأجنبي الذي يحملونه نقداً، إذا كان أكثر من حدٍ معين، يختلف من دولة إلى أخرى، ولكنه في كثير منها يكون بما يعادل عشرة آلاف دولار أميركي.

ضرورة تجفيف منابع الفساد

وكثيراً ما يتعرض القادمون والمغادرون لتفتيشٍ دقيق وفوضوي مزعج ومحرج، بحثا عن أموال غير مصرح بها، خصوصا الذين يثيرون شكوك المسؤولين عن الجمارك.

حدث قبل مدة أن حوَّل مصرف عراقي عشرين ألف دولار إلى حساب تجاري عائد لشركة مسجلة في الولايات المتحدة تسديدا لدينٍ موثق بفواتير حقيقية، لكن البنك الأميركي أصرَّ على طلب بيانات أخرى تعجيزية عن أصل الدين، وأسباب التحويل، ثم رفض قبول الحوالة، أخيرا، بعد أسابيع من الأخذ والرد، وأعادها إلى أصحابها في العراق، دون إبداء الأسباب، وذلك ضمن أجواء محاربة تبييض الأموال.

ولكنْ، وفي نفس اليوم، قام المرسل العراقي بتسليم مبلغ تلك الحوالة لمكتب تصريف أموال عراقي في بغداد، وبعدها بدقائق تلقى صاحب الشركة الأميركية مكالمةً هاتفية من مكتب خدمات مالية عراقي في الولايات المتحدة، وأبلغه بوصول (أمانة) نقدية بمبلغ عشرين ألف دولار، وطلب الحضور لتسلمها. وهذا ما كان.

فهل يعقل أن لا تكون الحكومة العراقية على علم بالمكاتب الخاصة المتخصصة بتصريف الأموال ونشاطاتها؟ وهل يعقل أيضا أن تكون السلطات التجسسية الأميركية لا تعلم بمثل هذه النشاطات التهريبية المفضوحة؟

وهنا نأتي إلى مشروع قانون الرئيس الدكتور برهم صالح في الثالث والعشرين من مايو الماضي الذي قدمه إلى البرلمان لاستعادة 150 مليار دولار تم تهريبها إلى الخارج عبر صفقات فساد منذ عام 2003، والذي ينتظر أن يقره نوابٌ أغلبهم أصحاب أموال مهربة لعلهم يوافقون على استعادتها.

ومع الإقرار بصدق نوايا الرئيس، ورغبته المخلصة لاستعادة تلك الأموال، خصوصا وهو يدعو إلى “تحالف دولي لمحاربة الفساد على غرار التحالف ضد داعش”، مشددا على “ضرورة تجفيف منابع الفساد”، فإن أحلامه لن تتحقق.

وهنا مكمن العجب. فالرئيس خير العالمين علم اليقين بأن تلك الأموال قد تحولت إلى عقارات وأسهم وشركات مسجلة بأسماء غير مختلسيها، والحكومات التي يطالبها بتجفيف الفساد هي نفسها الحكومات التي استقبلت المسروقات، ورحبت بها، ومنحت أصحابها الرعاية والحماية والاحترام. وعوض صاحبها الشرعي، الشعب العراقي، على الله.

8