إنها البصرة وكفى

البصرة الخالدة، رمز العراق الموحد، وكنز إبداعه الثقافي وتراثه الفكري، وإحدى أبرز الحواضر العربية، تنتظر من المثقفين العرب وقفة مساندة ودعم، بجميع الوسائل المتاحة، لفضح مافيا الفساد في الحكم والأحزاب والميليشيات الإيرانية.
الأحد 2018/09/09
على جسر.. أول القرن العشرين

ما يحدث للبصرة حلقة من مسلسل إبادة المدن الحضارية والتاريخية في العراق وسوريا، كالموصل، وحلب، وتدمر، ونمرود، ومدن أخرى سيطالها التخريب والدمار على يد الظلاميين والحكام المستبدين والحاقدين، الذين ينفذون مخططا جهنميا للقضاء على مراكز الإشعاع في عالمنا العربي.

البصرة وحدها، من بين جميع مدن العراق، تستأثر بالحصة الأكبر من تراث البلد الفكري والعلمي والثقافي والديني، فيها نشأت مذاهب ونزعات مختلفة في الفكر واللغة والأدب والفقه والسياسة والتصوف، ومنها انتشرت في بقية العالم الإسلامي، مثل مذهب المعتزلة والأشعرية، ورسائل الفلاسفة إخوان الصفا، الذين كتبوا 52 رسالة تضمنت أغراضا وعلوما مختلفة تتلاءم ومذهبهم المتسم ببعض الغموض، وكان اسمهم يمثل مجموعة تهدف إلى الأخذ بالمثل العليا في تضامن علمي متين، حاولوا فيه التوفيق بين العقائد الإسلامية والحقائق الفلسفية المعروفة في عصرهم (القرن الحادي عشر الميلادي). كذلك نشير إلى مدارس النحو التي حملت أسماء ابن أبي إسحاق الحضرمي، الفراهيدي، أبي الأسود الدؤلي، عيسى بن عمر الثقفي، أبي عمرو بن العلاء وسيبويه. ونظرا لعلو مكانة البصرة فقد خصها الهمذاني والحريري بمقامتين من مقاماتهما الشهيرة.

يقول أبوزيد السروجي  في مقامة الحريري عن البصرة إنها “أوفى البلاد طهرة، وأزكاها فطرة، وأفسحها رقعة، وأمرعها نجعة، وأقومها قبلة، وأوسعها دجلة، وأكثرها نهرا ونخلة، وأحسنها تفصيلا وجملة… بها تلتقي الفلك والركاب والحيتان والضباب والحادي والملاح، والقانص والفلاح والعاشب والرامح، والسارح والسابح، ولها آية المد الفائض، والجزر الغائض”.

كتب الشعراء البصريون والعراقيون والعرب عن البصرة المئات من القصائد، ودارت على أرضها وفي حاراتها وبيوتها وشوارعها وجوامعها وكنائسها ومقاهيها وملاهيها أحداث العشرات من القصص والروايات، فحفظنا من خلالها أيقوناتها المكانية والمائية: أم البروم، العشار، شط العرب، ساحة سعد، جزيرة السندباد، التنومة، شجرة آدم، سوق الهنود (أو المغايز)، سوق الصياغ، سينما الكرنك، طاق الهواز، ساعة سورين، مقهى التجار، جسر الأمير، مبنى البريد العتيق، شارع الكورنيش، جامع مناوي لجم الكبير، جامع الكواز، جامع البصرة الكبير، كنيسة الآثوريين، دير راهبات الكلدان، كنيسة الأدفنتست السبتيبن… إلخ. في هذه الفضاءات تشكّلت صورة نموذجية للبصرة، بوصفها مدينة كوزمزبوليتية، أبوابها مفتوحة، ونوافذها مشرعة على الدنيا كلها، يعيش فيها العرب، والكرد، والأشوريون، والكلدان، والأرمن، والهنود، والبلوش، والأفغان، والإيرانيون، وبقايا الأتراك، والإنكليز، وغيرهم الكثير، مسلمون، ومسيحيون كاثوليك، وبروتستانت، وأرثوذكس، ولوثريون، وسبتيون، ومندائيون صابئة، وهندوس، وبوذيون.

في البصرة ظهر السياب مؤسسا للشعر العربي الحديث، أو الحر، مع مجايلته نازك الملائكة، وخلد شناشيلها، وقريتها “جيكور”، ونهيرها “بويب” واضعا إياه في قلب العالم المعاصر، وكأنه نهر “الدون الكبير” لدى شولوخوف، أو “نهر درينا” لدى إيفو اندرتش.

وحديثا جسد سارد البصرة الماهر، ومواطنها الأبدي محمد خضير عالمها اليوتوبي في كتابه “بصرياثا: صورة مدينة”، واستدعاه ورسّخه في معظم نتاجه القصصي. فعلى غرار ما رواه الرواة عن أحداث المدن القديمة وعجائبها المنطوية، يروي خضير في الكتاب عما هو معلوم ومدبّر في سطور قدر البصرة، برؤية سردية ومعرفية حديثة، قارئا ميشيل فوكو، في كتابه “أماكن أخرى”، قراءة ثقافية، وواقفا على ما أسماه هذا الفيلسوف “الهيتروتوبيا”، وهي “اليوتوبيا” المغايرة، التي تتيح وجود اللامكان في قلب المكان الحقيقي، ليعيد اكتشاف المدينة، وهدمها وتشييدها من جديد، وأسطرتها وتحويلها إلى مدينة فاضلة، أثيرية، متخيَّلة.

ويذكر الكاتب والباحث رشيد الخيون في كتابه “معتزلة البصرة وبغداد” أن البصرة “سميت بأعظم البوابات نفوذا، منها بوابة السلامة، وبوابة المياه، وبوابة الجنة، يطل البصريون عبر البوابات الثلاث على العالم “.

 ويروي الكاتب أن البصرة كانت تغتسل بمياه مالحة وأخرى عذبة، حيث تجتمع شواطئها بين ملتقى نهري دجلة والفرات ونهاية الخليج، وكانت السفن تحمل تجارة العبيد والتوابل والأقمشة وقصص الغرباء والمسافرين من مدن عدة كالهند والبحرين وبغداد والموصل، وينقل الخيون عن السجستاني قول هارون الرشيد عن نخلها “نظرنا فإذا كلّ ذهب وفضة على الأرض لا يبلغان ثمن نخل البصرة”.

 ويشير إلى أن الإسكندر المقدوني أطلق على المدينة، عندما دخلها، اسم “بالميرا” أي مدينة النخيل، وأن البصريين هم “أول من عرف زراعة الرز وجعلوه من طعامهم، والرز مولود مائي، ومن الماء كانت الحياة، مما أخذ البصريون من المياه طبع الانسياب وسهولة المعاشرة للغرباء والمسافرين، فكانت أكثر بلاد الله علما وفقها وأدبا”.

هذه هي البصرة الخالدة، رمز العراق الموحد، وكنز إبداعه الثقافي وتراثه الفكري، وإحدى أبرز الحواضر العربية، تنتظر من المثقفين العرب وقفة مساندة ودعم، بجميع الوسائل المتاحة، لفضح مافيا الفساد في الحكم والأحزاب والميليشيات الإيرانية، وإرغامها على الكف عن تدمير المدينة وذبح أهلها، والبدء الفوري في تحسين بنيتها التحتية قبل أن تؤول إلى الخراب النهائي.

12