إنها مسؤولية الجميع

الخميس 2013/11/28

كان الأمل يحدونا غب انتصار الثورة أن الطريق بات سالكا آمنا واضحا جليا نحو تحقيق الأهداف التي ينشدها الليبيون، ويستهدفونها من وراء ثورتهم، والتي نزل الثوار من أجلها إلى ميادين القتال، وبذل الشهداء دمهم للوصول إلى تحقيقها، وقدموا أرواحهم من أجل إنجازها.

لقد زال نظام الطغيان، ومات الطاغوت الأكبر، وتهدم الجدار العازل الذي كان يحجب نور الحرية على الناس، وسقط الستار الحديدي الذي يحول بينهم وبين التواصل مع العالم، واللحاق بركب الحضارة، ولم تكن تحتاج المسيرة إلا إلى عزيمة الأحرار في مباشرة البناء، وصناعة النهضة، وإنجاز الغد الأبهى، الذي يحقق للمواطن الحرية والكرامة والعزة، ويجلب المستوى المعيشي الأفضل لكل أبناء ليبيا، فهي بلاد توفرت لها من مؤهلات الخير، ومن عوامل النماء والبناء، ومن الموارد الاقتصادية الغنية، ما يجعلها تصل إلى مصاف الدول المتقدمة في وقت قياسي، بالإدارة الناجحة، والقيادة الرشيدة الحكيمة.

فما الذي أوقف هذا السياق؟ ما الذي أعاق المسيرة عن المضي في طريقها وتحقيق هدفها المنشود؟ ما الذي أحال المشهد السياسي الذي كان عامرا بالأمل وحافلا بالوعود الجميلة، إلى مشهد حافل بالفوضى والارتباك والتأزم؟ وأحال الأفق المفعم إشراقا وبهاء إلى أفق معتم تتصادم فيه السحب السوداء، المنذرة بالعواصف والصواعق؟ وتضاءلت طموحات الناس في الثورة، وآمالهم الكبيرة في تحقيق حلم الازدهار والرخاء والنماء، إلى درجة الصفر، وصار أقصى ما يطلبه الناس في ليبيا، هو شيء من الأمان في ظل أوضاع معيشية متدنية، وخدمات معدومة وإدارة عاطلة باطلة.أين يقع الخطأ الذي أهدر التضحيات، ونجح في تسفيه أحلام المواطنين، ولم يعد غريبا أن نقول أن دماء الشهداء قد ذهبت هباء، بسبب ما وصلت إليه البلاد من انهيار في الأمن والإدارة وتطبيق القانون؟

نعم، هناك بالتأكيد تراكمات من سوء التدبير والتفكير، لدى الأجسام التي تولت قيادة المسار عقب الثورة وربما أخطاء أثناء قيامها، وهناك بالتأكيد قوى خارجية وداخلية تريد إفساد الثورة وتعطيلها عن تحقيق أهدافها، وهناك بالإضافة إلى ذلك ميراث إثنين وأربعين عاما من سوء الإدارة وتحريك العنصريات، وتدمير البنى التحتية، وربما القيم والأخلاق والأسس التي تقام عليها الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقصور وتقصير من جهات متعددة قد لا تكون عن قصد ولا عن تدبير، وتأتي ربما من الثوار أنفسهم، لا فقط من جهات معادية وقوى خارجية تضمر الشر للبلاد. هذا كله موجود، ولكن هل هذا كله يكفي حقا لإعاقة مسار ثوري جاء هادرا كاسحا قويا كأنه سيول الخصب والنماء قادمة من قمم الجبال، تكتسح كل ما أمامها من أدران، وترمي بها في البحر، وصور من البطولة والبسالة أذهلت العالم، وأنجزت النصر، ودحرت نظاما كان يمثل أعلى درجات الطغيان والإجرام؟

نعم، كان الطريق سالكا واضحا أمام الليبيين لإنجاز دولة الحرية والديمقراطية والنماء والازدهار بعد انتصار الثورة، إلا أن العلة كما أراها كانت في أنفسهم، وليس في أجندة تأتي من دويلة صغيرة مثل قطر، المتهمة بإفساد الثورة والثوار، وليس من أزلام لم يستطيعوا فعل شيء في أوج قوتهم وقوة نظامهم وحياة معبودهم الطاغية وجبروته، وتمت في أشهر قليلة الإطاحة بنظامهم، والتطويح بهم في مزبلة التاريخ. فأية قوة تبقت لهم حقا لاغتيال الثورة وتعطيل مسارها؟لا يستطيع أحد أن يفعل بالشعب الليبي ما حصل له بعد الثورة إلا الشعب الليبي نفسه.

ونستطيع أن نعدد ركام الأخطاء التي ارتكبها المجلس الانتقالي المؤقت، ونستطيع أن نعدد الأخطاء التي ارتكبها المؤتمر الوطني العام، ونستطيع ان نعرض الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة الانتقالية الأولى، وأكملت عليها الحكومة الانتقالية اللاحقة لها، أما جبال الأخطاء التي لا نستطيع تعدادها لأنها أكثر من أن تحصى فهي تلك التي ارتكبتها جماعات مسلحة تنسب نفسها للثوار، وبعض هذه الجماعات بدأت بثوار ميدانيين حقيقيين ولكنهم قاموا بفتح أبوابها للأدعياء ولعناصر من الكتائب، بل لسجناء هاربين من أحكام جنائية، بشهادة السيد رئيس الوزراء علي زيدان عندما قال أن هناك مجرمين هاربين من السجون امتزجوا بالثوار وصاروا أعضاء في هذه الميليشيات في آخر خطاب له وهو يستلم مقر إحداها.

الخلاصة التي أريد الوصول إليها، هي أن كل فئات الشعب الليبي من أهل الحراك السياسي والحراك الثوري وعامة الشعب، شركاء في صناعة المأزق الذي تعيشه ليبيا، وكلهم أصحاب حصص مختلفة في عرقلة المسيرة وتعطيلها، ومنعها من الوصول إلى أهدافها، مما ينتهي بنا إلى مجموعة نتائج. أولها أنه لا وجود لجانب واحد يتحمل المسؤولية في هذه المحنة التي وصل إليها الليبيون بعد ثورة 17 فبراير الناجحة، فكلهم يتحملون قسطا من حصاد الفشل واليأس والعجز، الذي وصلت إليه مسيرة الثورة. والنتيجة الثانية أن مثل هذه الشركة الشاملة في الفشل والعجز، توحي بأن هناك عطبا في أسلوب التفكير، ناتج بالضرورة عن عطب في العقل الجمعي. عطب يجعلنا لا ندرك مصلحتنا، ولا نهتدي إلى الطريق الذي يضمن لنا الخير والسلامة، وننحرف دون وعي إلى طريق الشر والندامة. نعم هو عقل للأسف أصيب بضمور وتلف في خلاياه وأليافه، بسبب بقائه محبوسا في جب تحت الأرض، من صنع أعوام القهر السابقة واللاحقة، فأربعين عاما من عهد الطاغية، سبقتها عقود من عهد الاستعمار الاستيطاني الأجنبي، وهذا الاستعمار سبقته أعوام من تخلف وقمع السلاطين الأتراك الذي استمر قرونا عديدة، وقبل هذه القرون نجد قرونا من عهود استعمارية خالطها صليبيون مثل الأسبان وفرسان القديس يوحنا ودول الطوائف العربية، ولا نريد أن نعود إلى الإغريق والرومان والعهود البونية والوندال فهي طبقات سحقت العقل، وربما تخللتها انفراجات قليلة لا تسمح إلا بمساحة صغيرة للشهيق والزفير، ولا مجال فيها لنمو خلايا المخ السليم الصحيح، القادر على أن ينمو نموا كاملا سليما، وقد أعجبتني يافطة يحملها أحد المتظاهرين في طرابلس، يرسم فيها دماغ رجل بزي ليبي، ويضع سهما يشير به إلى الدماغ، قائلا هنا تكمن المشكلة، فهل نبدأ في بناء مناخ قادر على إعادة تأهيل الناس بنفس هذه العقول المعطوبة؟ ربما..


كاتب ليبي

9