إنهم لا يستحون أليس كذلك

السبت 2015/07/04

كأنَّ الشتيمة لا تضرب الهدف بكبدهِ ولا تنوشهُ بمقتلٍ أكيد، إلّا إذا كانت مستلة من معجم الفوائض السائلة في الأزقة الخلفية. مصطلح الأزقة الخلفية مصطلح ملتبس أمام المشهد القائم بوصفهِ مجتزئاً رحيماً.

نسبّهُم ونسمط أبا أبيهم حتى ثالث ظَهَر، ونقول لهم بالفم المعلن والحرف الصائح أنتم حرامية وخونة وقتلة ومزوّرون وكذابون وأبناء مواخير وواحدكم وواحدتكنّ ليس سوى جورب معفّن بقنادر الغزاة والحثالة، فيردّون علينا بعين مومس أنْ هذه هي إلّا مهنٌ سمينة دسمة تجلب الذهب والفضة والدنانير ولا تكلّف الشغيلة غير شرفها، وهذا أمرٌ لا يضرّ الجسد والعقل والقلب.

كنا اشتهينا أن يكون مفتتح المكتوب عن كان ياما كان في عتيق الزمان وسالف العصر والأوان، كي نقع على أسّ قياسٍ ممكن، فضاع وانزلق من بين حروفنا كلّ قياسٍ جميل، حتى صارتْ الفضيحة مثل لسان عاهرٍ ملسون بزقاق أجاويد.

انهجمَ بيتُكُم وبيت الذي خلّفكم وجابَكم. سمّاً وزقنبوتاً وناراً جُعِلتْ كلّ خبزةٍ تأكلونها منهوبةً من أفواه اليتامى والفقراء، وصديداً وتيزاباً وسرطاناً، جعل الله وحوبة المساكين، كلّ كأس ماء تشربونها.

في باب الحرامية والمرتشين والمزورين والسفلة والقتلة، لسنا اليوم بمواجهة ظاهرة أفراد صوفتهم حمراء وتلاحقهم اللعنة ومحاكم العدل، وليس ثمة من تقسيمات عتيقة مريحة من مثل الطبقة الوسطى وطبقة المرفّهين والثالثة المسحوقة، بل هو عصر الفاسدين الذين من كثرتهم الهائلة، كادوا يصيرون ظاهرةً جمعيةً غير مخجلة وأحياناً مشرعنة ومسكوتا عنها بالضرورة أو بالتخادم.

في المشهد المقابل للفضيحة الأعظم بتاريخ بلاد ما بين القهرين الطويلين، نامت الناس نومةً غير مسبوقة على ما ترى وتسمع وتقرأ، وتغطتْ بلحافٍ اسمهُ ما دمتُ أأكلُ فلا شأن لي بجوع الآخرين، وتنازلتْ عن حقّ التظاهر والاعتراض والثورة، ورمتْ الأمر على بيبان المصادفة والقدر والحلم المتثائب والتمنّي وانتظار المنقذ الإفتراضيّ حتى تسافلتْ عندهم فكرة المخلّص وتردّتْ وتبرأت من معناها الجوهر، فلم يبقَ منها سوى الشكل السهل المنتظر الذي يشبه تحشيشة ليل، أو علكة أفيون يلوكونها بكسلٍ مبين.

24