إنهم يريدوننا هكذا

الخميس 2014/07/31

أتذكر، أننا عندما كنا في الابتدائية، كان المعلم يطلب منا بين مدة وأخرى، مبلغا قدره «عشرة فلوس»، تحت عنوان دعم اللاجئين الفلسطينيين، أو المقاومة. كان المنهج الدراسي لا يخلو من صور اللاجئين الذين يسكنون مخيمات في العراء، بعد أن تم تهجيرهم من ديارهم، خلال حرب العام 1948 ولم تسمح لهم اسرائيل بالعودة، رغم صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يطالب بعودة اللاجئين الى ديارهم، وهو أمر معروف دوليا. فالمفروض بعد أن تتوقف الحروب، تقوم الجهات المعنية في البلدين المتحاربين بتسهيل إعادة المهجرين إلى ديارهم، بمساعدة المنظمات الدولية كالصليب والهلال الأحمرين، وغيرهما، سواء تم توقيع اتفاقية سلام أو لم يتم، لأن ذلك يستدعي زمنا قد يطول أو يقصر، وهو أمر لا علاقة للمدنيين من الجهتين به.

لم يعد الفلسطينيون إلى ديارهم إلى اليوم، وإنما أضيفت إليهم أعداد أخرى بعد حرب العام 1967 وباتت المأساة أكبر. قابل ذلك خطاب سياسي عربي منافق لم يحقق للفلسطينيين شيئا على الأرض، وبقيت المأساة الفلسطينية مادة للإعلام العربي، يملأ صفحاته وشاشاته وإذاعاته بها، سواء كان صادقا أو منافقا، كالساسة أو أكثرهم. لكننا نسينا اليوم، أو يراد لنا أن ننسى كل ذلك، لأن المآسي الجديدة أخذت تتلاحق وفي أكثر من بلد عربي، بدءا من العراق الذي بات شبيها في مأساته بفلسطين، منذ العام 1990 وبداية العمل الحقيقي لتدميره، بعد أن أخذ المعسكر الاشتراكي يضعف وينهار تدريجيا، ليفسح المجال للقوى المتربصة بالعرب وقواهم الناهضة، أن تلعب لعبتها معهم بعد أن تأجل ذلك لعدة عقود بفعل التوازن الدولي بين المعسكرين الكبيرين الاشتراكي والرأسمالي، الذي سمح للدول الضعيفة أن تأخذ زمام المبادرة الوطنية وتعمل على إنهاض نفسها باستقلالية، لكنها أخذت بالتآكل فيما بعد سواء بفعل سوء تصرف الأنظمة نفسها أو بفعل التدخل الخارجي الذي لم يسمح بذلك لحسابات استراتيجية.

صار اللاعبون الكبار يتفننون في اختلاق الأساليب لها، أو قل هكذا وجد أكثر من مليوني عراقي أنفسهم خارج البلاد أشبه بمهجرين بعد أن ضيّق الكبار على الشعب العراقي سبل الحياة الطبيعية، بفعل الحصار والحرب المستمرة، والعمل على استنزاف الشعب وتقويض قدراته البشرية والاقتصادية، وبات العراق الذي كان بالأمس قويا ومتفاعلا مع محيطه العربي والعالمي، عبئا على نفسه، وغير قادر على تأمين الحياة المقبولة لشعبه، وإلى آخر القصة التي يعرفها القاصي والداني.

أخذت اللعبة تتسع وتأخذ أشكالا شيطانية في التعبير عن حمولتها التخريبية، التي أتت تحت مسمى «الربيع العربي»، الذي حوّل الشعوب في الدول العربية التي حصل فيها إلى فئات متقاتلة على السلطة ومشغولة بها، وتحت مسميات طائفية أو عرقية، لتنشغل بنفسها بعد أن كانت ولو على مستوى الضمير، مشغولة بقضايا التنمية والقضايا العربية المشتركة. هكذا تمددت «الفلسطنة»، لتصل إلى سوريا التي بات ربع أو ثلث شعبها مهجّرا داخل البلاد وخارجها، وغارقة في لعبة دموية أحرقت كل شيء في هذا البلد الجميل، والأمر لا يختلف مع ليبيا التي باتت في ذمة المجهول، ولم يكن الأمر مثاليا في تونس ولا في مصر واليمن وغيرها من الأماكن الملتهبة.

السؤال الذي يطرح نفسه، هو هل العالم، أو القوى المتنفذة فيه، جادة في معالجة مشاكلنا كما يتوهم البعض ويعول على ذلك؟ والجواب كما نرى، أن الكبار يريدوننا هكذا، لأن هذه هي الصورة التي رسموها لنا منذ وقت ليس بالقصير، وآن الأوان لتنفيذها، وصرنا كل يوم نسمع بمآس جديدة وأخرى ينذر بها المستقبل، وبذلك ونتيجة لاستمرار مآسينا، نسينا فلسطين التي باتت حكاية من الماضي ليستمر الضياع العربي وتستمر اللعبة الكبيرة التي تتلهى بأجسادنا وبمستقبلنا، مثلما تلهت بماضينا القريب منه والبعيد، للأسف الشديد.

9