إنه ربيع عربي بحق

الأحد 2014/07/20

إنّ ما حدث أواخر سنة 2010 وحتّى الآن لا أعلم من أطلق عليه صفة الربيع العربي، ولكنّه يبقى الوصف الأدقّ لِما حدث في المنطقة العربيّة التي داهمها هذا الربيع على حين غِرّة.

فقد بدأ هذا الفصل بجثّة محروقة لبائع خضر على عربة بائسة في إحدى المدن التونسيّة التي لم يسمع بها أحد من العرب سواء كانوا من العرب العاربة أو العرب المستعربة. وقد قيل أكثر من سبب لانتحار هذا الشّاب غير أنّ الرواية التي تروق أكثر للمخيال الشعبي تتحدّث عن تلقيه صفعة من شرطيّة إثر مشادة لفظيّة على خلفيّة عدم حصوله على إِذْنٍ أو ترخيصٍ من البلديّة لممارسة عمله في السّوق.

أحسّ كثير من الشباب العاطل عن العمل وكلّ أولئك النّاس الذين توارثوا إهانة الدولة لهم جيلًا بعد جيل أنّ أحلامهم في حياة كريمة قد نقلت عنوة من رفوف الخيبات إلى مبردات جثث الموتى. فخرجوا في تظاهرة ما لبثت أن تعاظمت بفعل استعمال الشرطة للقوّة المفرطة في كبحها، وسقط قتلى وسالت دماء، فقفزت صورة امرأة أخرى إلى الذاكرة الجماعيّة للشعب التونسيّ قد مارست الازدراء الممنهج والمستدام، وعاثت في الأرض فسادا، فتقمّص الشعب أو أغلبه نفسيّة البوعزيزي، وأحسّت تلك الجماهير ذات الخدود المصفوعة أنّ زمن ردّ الصفعات قد حان وتلاشت صورة الشرطيّة الباهتة وحلّت محلّها صورة المرأة الأخرى ليلى بن علي وغدت أكثر وضوحًا و تمثلا لرمزيّة الإهانة فتدفق نهر الحنق والغضب.

خرجت الجماهير في كلّ المدن لترُدّ الصفعات بأثر رجعيّ، وكانت تلك الصفعات من القوّة بحيث أنّها طيّرت طائرة في الهواء بكلّ حمولتها السلطويّة الثقيلة.

في ذلك المساء رجعت الجماهير إلى بيوتها تترقّب فجرًا جديدًا، فالعاطلون عن العمل حلموا بالوظائف، والجوعى بالخبز والنخب التي كانت تتوق إلى الانعتاق بالحريّة.

ولكن مع حلول الصباح تكشّف للنّاس أنّ الاستبداد لم يرحل، وأنّه لا توجد طائرة أيًّا كان حجمها قادرة على استبعاده.

كانت صدمة كبيرة عندما خرجت نتائج الانتخابات التي وصفت بأنّها شفّافة ونزيهة، وأفرزت القوى الأكثر ظلاميّة كحكام جدد. وممّا زاد في حجم الإحباط أنّ هذه القوى لم تأت من خلال انقلاب وقرقعة سلاح وإنّما بفعل بطاقات اقتراع عزلاء.

كانت النخب لا تعرف مجتمعاتها، وكانت صالونات البذخ الثقافي لا تعرف عقليّة الأرياف، وكان رجال الأعمال والطبقة الوسطى لا يعرفون معاناة المهمّشين في القرىوالأحياء الشعبيّة البائسة.

لذلك انتصر الإخوان المسلمون الممثلون لحركة النهضة لأنّهم كانوا الوحيدين الذين يُجيدون اللّغة التي تتقنها الجماهير شبه الأميّة منذ قرون. وخرج السلفيون الجهاديون في تظاهرات كبرى يطالبون بإلغاء كلّ مظاهر الحياة التي لا تنتمي إلى القرن السّابع ميلادي، وانخرط كثير من الشباب العاطل عن العمل في صفوف أنصار الشريعة، فماذا يعني لشباب عاطل أن يموت غرقا في البحر في مغامرة الوصول إلى شمال المتوسّط أو الموت في مواجهة الشرّطة والجيش المدافعين عن "طاغوت" الدولة الكافرة، بل إنّ الخيار الثّاني هو الأفضل لأنّ الدّعاة الذين استولوا على كثير من المساجد، وهم من تنظيم أنصار الشريعة ألقوا في روع هذا الشّباب أنّ ما يقف بينهم وبين النّعيم الأُخروي وحوريات الجنّة طلقة رصاصة من أعداء الله الذين يعرفونهم من بزّاتهم العسكريّة.

حدث نفس السيناريو في مصر ولكن بصورة أعنف. فقد انتخبت الجماهير برلمانا ورئيسا من تلك الأقوام التي تشبه أغلبيّة أفراد الشعب وكتبت دستورا أبرز ما فيه استحداث ولاية الفقهاء السنيّة التي تعني إلغاء إرادة الشعب الممثّلة في البرلمان، لأنّ هؤلاء الفقهاء يملكون حقّ النقض على أيّ قانون يخالف معتقداتهم أو تأويلهم للنّص المقدّس فهُمْ يمثّلون مشيئة الله على أرض الكنانة.

ونتيجة للدعايات النضاليّة التي رافقت أحداث الثورة الأولى والتي صورت من خلالها مصر بأنّها أغنى دول العالم وأنّ ما يحول بين المصري والتّمتع بخيرات وطنه هو نظام حسني مبارك، كان تصوّر الجماهير الأميّة وشبه الأميّة التي تمثل أغلب سكان مصر أنّها ستجد الكباب على موائدها في اليوم التّالي لسقوط النظام.

ولأنّ هذا لم يحدث بل زادت معاناة النّاس أكثر بكثير من السّابق، وتوقفت السياحة لأسباب أمنيّة وانخفض الإنتاج لصعوبة استيراد المواد الخام وشلل منظومة التوزيع البدائية، قامت ثورة أخرى لتطيح بالمنظومة التي تشكّلت بفعل الثورة السابقة. وكان ذلك بمعونة الجيش وأذرع الدولة العميقة المتجذرة في مجتمع قائم على إدارة الريّ منذ آلاف السنين.

وسوف تظلّ الجماهير تنتظر في ذلك الذي يأتي ولا يأتي. وكلّما يئست أطاحت بالنظام الذي أقامته لتُحِلّ محلّه نظاما آخر تعلّقُ عليه آمالها وأحلامها مستحيلة التحقيق في غياب الاصلاحات البنيويّة في كلّ مناحي الحياة المصريّة.

لم أسمع في مصر عن أي فئة سواء كانت في الحكم أم في المعارضة تتحدّث عن إصلاحات جذريّة في التعليم والصحة والإدارة والسياسة السكانيّة.

فهل يعقل أنّ بلدا يبلغ سكّانه أكثر من 90 مليون نسمة يحكم بمركزيّة العاصمة ولا تقام فيه أقاليم أو ولايات تكون مسؤولة عن خدمات التعليم والصحة والبنية التحتيّة والإسكان؟ وهل يعقل أن شرائح كبيرة من مصر ما زالت تعاني من الأميّة؟ وهل يمكن لمصر أن تتقدّم وكلّ شبابها من حملة الثانويّة العامة ينخرطون في الجامعات ولا توجد لديهم معاهد ومدارس للتكوين المهني والحرف؟ فأنت في مصر أهون عليك أن تجد مئة طبيب من أن تجد سباكا واحدا يتقن مهنته.

لذلك فإنّ شعار الديمقراطيّة في مثل هذه البلدان سوف يعمل كطلّسم سحري خادع يستعمل وصفة عجائبية لبروز التيّارات المتشدّدة التي سوف تسهم في عدم الاستقرار.

أمّا في ليبيا فإنّ الدولة قد لفظت أنفاسها الأخيرة بفعل غارات الناتو وأصبحت وطنا مستباحا لكلّ العصابات المحليّة والإقليميّة والدوليّة، وأضحت هذه العصابات من القوّة بحيث تتمكّن من إفشال أي مشروع لإقامة الدولة الجديدة، لأنّ في ذلك نهاية لها.

فقد خرج الشباب غير المؤدلج ضدّ نظام فاسد وعاجز عن فعل أيّ شيء يفيد شعبه، وانتصروا بالتحالف مع حلف الناتو، وتركوا شأن البلاد لمجموعة انتخبوها وهم يجهلون كينونتها. وللتوضيح فإنّ هذه المجموعات التي تتصدر اليوم المشهد السياسي بتفويض من صناديق الانتخابات هي إمّا مجموعات من المساجين السياسيين أو هاربون من بطش النظام السابق في الخارج، وكلّهم يلتقون على كراهيّة الشعب واحتقاره.

لماذا؟ لأنّه في الوقت الذي كانوا يعانون داخل معتقلاتهم من التعذيب والظلم أو كانوا يعانون من شظف العيش والملاحقة في المنافي، كانوا يرون الشعب يخرج في تظاهرات مؤيدة للقذّافي هاتفة بحياته وذلك في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن المنصرم. فتحوّلت معاناتهم وتنكر أهلهم لهم إلى حقد دفين على شعبهم. وعندما رجعوا من الخارج أو خرجوا من المعتقلات اعتقد الشعب أنّهم يملكون الخبرات وأنّهم ناضلوا من أجل الحريّة فاختارهم في انتخابات وصفت بالنزيهة، فمارسوا على من انتخبهم الاستبداد. ووجد الإسلامويّون الفرصة مواتية للاستيلاء على الوطن وبَدَؤُوا منذ اليوم الأوّل يتآمرون من أجل تحقيق مطامعهم السياسية.

إنّ كلّ ما أنتجه الربيع العربي الليبي هو بروز عصابات النهب في المجال العام والخاص وعصابات الإسلام السياسي والمتطرفون كالقاعدة وأنصار الشريعة.

أمّا ربيع سوريا فبعد ثلاث سنوات ونيف من القتل والتشريد والدّمار لم يعد على الساحة السوريّة غير قوّتين: النظام الدمويّ الدكتاتوري والقاعدة الإرهابيّة بفرعيها جبهة النصرة وداعش.

وأعتقد أنّه بعد مقتل أكثر من 200.000 سوري في هذه الحرب الأهليّة وأكثر من ستّة ملايين لاجئ ومشرد، فإنّ الدولة السورية قد تحوّلت إلى أشلاء لا يمكن رتقها لتستمر كدولة وإنّ الوطن السوري سوف يشهد تكوّن دويلات طائفيّة، وهذه هي النتيجة الأكثر احتمالية.

بعد هذا الاستعراض السريع للدول التي اجتاحها هذا الربيع، يَحقّ لنا أن نتساءل عن طبيعة هذا الربيع العربي الذي يعتبر الابن الشرعي للفوضى الأميركيّة الخلّاقة.

في الدول التي يحدث فيها تقلّب الفصول الأربعة وتواترها يكون الربيع هو إشارة على الحياة للأرض فتكتسي بالخضرة وتتفتح الأزهار وتعيد الطبيعة للأشجار كساءها الأخضر بعد أن جرّدها الخريف السابق من أوراقها.

أمّا في الدول العربية فإنّ الربيع يأتي برياح الخمسين المغبرة، وتخرج فيه الهوام من أفاع وزواحف وعقارب من جحورها بعد سباتها الشتوي بفعل البرد أو الدكتاتوريّة، ويبدأ موسم اللّدغ والعضّ والقرص. لذلك يمكننا أن نقول عنه إنّه "ربيع عربي" بحقّ.

5