إن المساجد لله

الخميس 2014/03/06

كنت منغمسا في إعداد سلسلة مقالات حول ما تمرّ به تونس من أحداث وأزمات وخلافات وصراعات، على هامش المصلحة الوطنية العليا، وبعيدا عما تحتاجه تونس وتريده، من استقرار وأمن وعمل، يقضي أو يشرع في القضاء على الفقر والبطالة، والميز والتفرقة بين أجزاء وأبناء الوطن. أردتها سلسلة متواصلة الحلقات، تنطلق من الماضي إلى الحاضر، ومن الشامل إلى الفردي، ومن العام إلى الخاصّ، مستعينا بتجربتي الطويلة، مستفيدا من دروسها، متعظا بما شاهدته عند شعوب كثيرة، تنقلت في أراضيها وعشت بينها، غايتي من كلّ ذلك كشف ما طمس فغاب عن أنظار وعلم شبابنا الطّموح المتوثب، المحروم من الكثير مما يحتاجه، حتّى من تاريخه وتاريخ أسلافه قريبي العهد، فيستلهم من ذلك ما يحيد به عن الخطأ والزّيغ واتباع المضلّلين.

أنا كذلك وإذا بنبأ يأتيني، لا من فاسق حتّى أتبين فلا أصيب أحدا بجهالة، لكنّه نتيجة دراسة وإحصاء مفاده أنّ عددا من المساجد في تونس بأيدي السلفيين، وعددا آخر يسيطر عليها الجهاديون، ومساجد أخرى تسيّرها النهضة، وهكذا أصبحت المساجد مرتعا للرّتع ومسرحا للمشعوذين، فصحت وصرخت من الهول وناديت، رغم بعدي وغربتي، اتقوا الله في بيوت الله. في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبّح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقامة الصّلاة، وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلّب فيه القلوب والأبصار.

أعدت قراءة الدراسة ومراجعة الأرقام، فوجدتها مهولة حتى أنّني ظننت أنّ الأمر لا علاقة له بتونس، تونس التي عرفت بإيمانها الحق، وبإسلامها الوسط، وبالدّفاع عن هويّتها الإسلامية العربيّة، دون أيّ تطرّف أو شطط، محافظة على الأصول نابذة الزوائد والقشور، فكانت في كلّ ذلك قدوة ومنارة. لكنّ الواقع صدمني فتساءلت: “أين كانت حكومة النهضة من هذا”؟ ألا تدّعي بأنّها تدافع عن الدّين؟ هل من الدّين تحويل بيوت الله إلى منصّات دعاية سياسيّة، تبثّ مستورد الأفكار، ومشكوك الأخبار، زارعة الرّعب والخوف في قلوب الصّغار والكبار، آتية بطرق ومذاهب وأحكام لم يأت بها كتاب ولا سنّة، مسخّرة لخدمة تيّارات سياسيّة، خاضعة لأوامر مجهولة المصدر، لا ترمي ولا تعمل لصالح الدين ولا لفائدة الوطن. هل بعد أن كنّا نشتكي من الأئمة المسبّحين باسم الحاكم الجالس على عرش الدّولة، سنصبح طعمة لأئمة- وما هم بأئمّة- يخدمون كلّ جواد كريم، على حساب دينهم ووطنهم وشعبهم المؤمن الغرّ؟ أين كانت وزارة الشؤون الدّينيّة وما موقفها؟ هل هي متعاطفة مؤازرة لمن يحتكر بيوت الله؟ إنّ صمتها وموقفها السّلبي، وكذلك موقف الحكومة بأسرها، يُدينها ويُشركها في تصرّفات العابثين بالقيم والمقدّسات، والمفاهيم وحسن الأخلاق. أليست وزارة الشؤون الدّينيّة هي المسؤولة عن المساجد وحمايتها وصيانتها وتعيين أئمّتها؟ أين تقف الوزارة؟ وما لها تبقى مكتوفة الأيدي؟ أليس في هذا ما يكفي لجعلها متواطئة مُدانة؟ مسؤولة أمام الله والنّاس؟

إنّ الإمامة، خاصّة بالمساجد والجوامع، لها شروطها التي إن لم تتوفّر بطلت، وكان من الأفضل عدم الصّلاة وراء من لم تتوفّر فيه تلك الشروط. شروط بعد شرط الإسلام كثيرة، ويفضّل للإمامة من تحلّى بالورع وكان الأحسن خلقا، والأشرف نسبا، والأحسن وجها، والأجمل صوتا، والأنظف ثوبا، والأقرأ، والأسلم من البدعة. أمّا إذا قدّم أحد للإمامة خوفا منه أو نفاقا فقد أساء من فعل ذلك. هذه بعض البديهيّات. أمّا إذا بحثنا عن الكمال- والكمال لله- وحاولنا الحصول على ما يرضي الله، فلا بدّ من التدبّر والتبصّر وراء من تجوز معه الصّلاة ولمن تعطى له مفاتيح المساجد. إنّ الصّلاة تنهى عن المنكر، لكن ما يأتيه ويقوله وينادي به بعض هؤلاء الأئمة، الذين نصّبوا أنفسهم يبشّرون بما لم يوص به الله، وينادون إلى ما لم يعرف بالكتاب ولا بالسّنّة، هو نوع من المنكر، يكفي للدّلالة عليه أنّه ينفّر ويبعد المؤمنين عن المساجد، ويفرّق بين المسلمين، ويزرع فيهم الشقاق والبغضاء، وهو ما ليس من الدّين في شيء.

إنّ المسلمين إخوة، إخوة في الله، أُخوّة يتقابل فيها المؤمنون، ويجتمعون على حبّه ورضاه، معتصمين بحبله، متبعين منهجه القويم، مراعين حقوق تلك الأخوّة من محبّة، وتناصح، وتعاون وبذل واجتماع كلمة ودحر ظلم ودفع أذى. فالله سبحانه وتعالى يقول: “إنّما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتّقوا الله لعلّكم تُرحمون”.

إنّ من يريد اتباع نهج سياسي لا جناح عليه فيما أراد، لكن ليتخذ غير بيوت الله موطئا، فأرض الله واسعة، ومسارح السّياسة كثيرة، ولتترك بيوت الله لله، وللمتقين من عباده، الذين عاهدوا وصدقوا راجين جزاء من الله الذي يقول سبحانه وهو أصدق القائلين: “ليجزي الله الصّادقين بصدقهم، ويعذّب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم، إنّ الله كان غفورا رحيما”. فاتّقوا الله في بيوت الله وخافوا يوما تتقلّب فيه القلوب والأبصار.


كاتب ودبلوماسي تونسي سابق

8