إن وُجد مدين لاتحاد الشغل في تونس فهُم الإسلاميون

لماذا لا يتساءل الإسلاميون، ماذا لو طلب اتحاد الشغل السلطة في 2011، وماذا لو أصرّ على مسايرة المطالب الشعبية التي تشبّثت باجتثاثهم وعزلهم عام 2013.
الأحد 2019/12/08
صمام أمان البلاد مهما اختلفت التقييمات

إن كان لا بدّ من شكر يتقدّم به الإسلاميون في تونس، فلا يمكن أن يكون إلا لاتحاد الشغل. وإن كان الإسلاميون مدينين لطرف أكثر من غيره في تونس فلا يمكن أيضا أن يكون إلا اتحاد فرحات حشّاد، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس قبل الثورة وبعدها.

لقد كان أمام الاتحاد العام التونسي للشغل بعد ثورة يناير 2011، فرصتان سانحتان لعزل الإسلاميين من المشهد السياسي وقطع طريق السلطة أمامهم، بما في ذلك حركة النهضة الإسلامية التي لا تكف اليوم وهي تستشعر بأن حالة الفراغ لا بدّ أن تكون متبوعة بخطوات أخرى تجتث ما تبقى من مكتسبات الدولة الوطنية، عن السعي والمكابدة لشقّ صفوف آخر قلاعها المنظمة الشغيلة المرابطة بساحة محمد علي الشهيرة.

تصرّ الدوائر الإسلامية اليوم بعد مرور تسع سنوات من ثورة يناير 2011، على اتهام الاتحاد العام التونسي للشغل بأنه من القلاع المتسترة على فلول نظام زين العابدين بن علي. ويغمض هذا الحزام المتشدد أعينه عن حقيقة أنه لو لا المنظمة الشغيلة، لما حصل التغيير، ولما رحل بن علي، ولما سقط نظام برمته، ولما حكمت النهضة وظهر التطرف.

من يحاول من الإسلاميين اليوم افتكاك مفهوم الثورة بعدما ركب موجتها قرابة عقد دون أن يشارك فيها، تقلقه وتذعره حقيقة أن الثورة ما كانت لتحصل لو لم يتحرّك اتحاد الشغل في 12 يناير 2011 في محافظة صفاقس وسط شرق البلاد، و14 يناير 2011 بتونس العاصمة حين كانت جل القيادات الإسلامية إما في المنافي بأوروبا وعلى رأسها راشد الغنوشي، وإما في السجون تنتظر من يحرّرها.

لماذا لا يطرح الإسلاميون اليوم على أنفسهم الأسئلة التالية، ماذا لو طلب اتحاد الشغل السلطة في 2011؟ وماذا لو أصرّ على مسايرة المطالب الشعبية التي تشبّثت باجتثاثهم وعزلهم عام 2013 بعد اغتيال المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي؟ وكيف كان سيكون وضعهم  في 2019 لو أقدم اتحاد الشغل على كل هذه الخطوات حين كان وما زال ينظر إليه على أنه الطرف الوحيد صمام أمان البلاد مهما اختلفت التقييمات حول قيادته أو قواعده؟

لقد اختار الإسلاميون مرة أخرى تاريخ 4 ديسمبر، وهو تاريخ خالد يُحيي فيه اتحاد الشغل في كل عام ذكرى اغتيال مؤسّسه فرحات حشاد، لتجنيد أذرعهم الخفية والمعلنة للتجييش ضد المنظمة متنكرين لفضلها الذي لو لا وجوده لما كان للنهضة أي فرصة للتمترس في حكم البلاد طيلة تسع سنوات.

قبل الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2019، ظهرت بوادر أصوات إسلامية متشددة دفعت إلى شن حرب على اتحاد الشغل من بوابة ما يسوّقون له على أنه “حرب على الفساد”.

 الحديث هنا يتعلق تحديدا بالوافد الجديد على البرلمان “ائتلاف الكرامة” السلفي، لكن اتحاد الشغل اختار عدم الرد على ما تروّجه هذه البيادق النهضوية من خطابات تحريضية. واكتفت قيادته بمتابعة المعركة لمحاولة فهم من يقف خلف الحرب ومن يريد فتحها إلى أن أتت اللحظة الحاسمة التي أعلن فيها نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد صراحة عمن تورّط بوجه مخفي في الحملة التي تستهدف منظمة العمال.

الطبوبي: رموز الاتحاد مُستهدفة
الطبوبي: رموز الاتحاد مُستهدفة

قال الطبوبي في كلمة حماسية أمام جموع العمال النقابيين لدى إحياء ذكرى اغتيال فرحات حشاد، “إن الاتحاد استهدف في 2012 تحت حكم ‘الترويكا’ واليوم رموزه مستهدفة”، مستنكرا ما سمّاه ازدواجية الخطاب لدى حركة النهضة بقوله “هذه الجهات هي الصديق الودود في الظاهر واللّدود في الخفاء، لقد تستَّرت على الاعتداءات السابقة بالتعتيم عن التظلّمات التي رفعها الاتحاد ضدّ ما يسمّى رابطات حماية الثورة”.

لم يكن حديث الطبوبي عن حركة النهضة، ولو بالإيحاء، مجرّد صدفة أو من قبيل الاتهام المجاني لها بل إنه كان مبنيا على عدة معطيات ترجمها على وجه التحديد رئيس مجلس الشورى عبدالكريم الهاورني الذي قال “داخل الاتحاد يوجد فساد”.

ترمي حركة النهضة نوافذ اتحاد الشغل بالحجارة متناسية أن زجاج نوافذها هشة، خاصة وأن اتحاد الشغل الذي دفع في الأشهر الأخيرة إلى وجوب كشف ما تتّهم به حركة النهضة بالتورط في ما سمّي الجهاز السري للحركة، قادر على التماسك والصمود بل وعلى حرق كل من يقترب من قلعته.

إن الغريب في ازدواجية خطاب حركة النهضة وهي تجيش ضد اتحاد الشغل أنها تذكّرت اليوم أن المنظمة العتيدة لا تفصل بين ما هو سياسي وما هو نقابي، بل الأكثر غرابة من ذلك أنها باتت تجنّد رضا الجوادي (نائب عن ائتلاف الكرامة) وهو الإمام المعزول، الذي لم يفصل في حياته الديني عن السياسي وأوصلته خطبه الدينية التحريضية بمساجد محافظة صفاقس إلى البرلمان، ليقّدم دروسا للتونسيين وللاتحاد وقيادته في فصل النقابي عن السياسي.

لماذا لم تجيّش النهضة أذرعها للحديث عن وجوب فصل اتحاد الشغل للنقابي عن السياسي، حين اختار الاصطفاف وراء الانتفاضة الشعبية التي أطاحت ببن علي؟ ولماذا لم تفعل ذلك أيضا حين كانت في حاجة إلى تدخّله لحظة كانت الجموع الثائرة تطالب باعإدتهم إلى السجون في 2013. الإجابة بسيطة، إن الإسلاميين يستشعرون أنهم قد يفوّتون على أنفسهم مرة أخرى هدية نتائج انتخابات 2019 التي أفرزت مشهدا سياسيا يغلب عليه النفس الإسلامي يمكن من بوابته استكمال مهمة طمس آخر ما تبقى من معالم الدولة الوطنية الحديثة، اتحاد الشغل.

2