إهانة للمرأة المصرية في البرلمان

الخميس 2016/01/14

أثناء متابعتي للجلسة الأولى للبرلمان المصري الجديد التي انعقدت منذ أيام، فوجئت بعضو برلماني طُلب منه أن يؤدي اليمين الدستورية، فرفض أن يؤديها بالصيغة التي هي عليها ويحلف “بالطلاق” أنه لن ينطق بها على النحو المكتوب أمامه.

العضو البرلماني المذكور التفت إلى جمع من الأعضاء يجلسون وراءه وقال “عليّ الطلاق مانا حالف”.

بعد لحظات من الشد والجذب ومحاولات متكررة من زملائه في الجلسة ونقاش حاد مع رئيسها حول ضرورة أن يلتزم كل الأعضاء بالنص المكتوب منعا للشبهة، تلا العضو البرلماني اليمين من ورقة سلمها له عضو آخر وبالصيغة المتفق عليها وعاد إلى الجلوس كأن شيئا لم يكن.

انتهى المشهد الكاريكاتوري وبقيت أتساءل بيني وبين نفسي، ألم يحدث أن طلق هذا الرجل زوجته الآن وفورا؟ اتصلت بصديق لاستفسر منه عن حكم الشرع في ما بدر عن هذا العضو فقال، “شرعا هي مطلقة”.

لم يحدث أبدا أن استوعبت هذا اليمين، لكن ما حدث للتو أمام عيني في جلسة برلمانية يتابعها الملايين أدهشني حقا، إذ كيف يسمح شخص لنفسه أن يهدد أمن واستقرار أسرته بهذا الاستخفاف والاستهتار؟ ما موقف الزوجة التي لا تعرف الآن إن كانت مطلقة أم لا؟ أليس في ذلك إهانة صارخة لها ولكرامتها؟، فالأمر برمته يبدو كما لو أنه مساومة عليها على الملأ وأمام الجميع.

تصرف كهذا لا يصدر عن شخص يحترم نفسه بالدرجة الأولى قبل احترامه للمرأة، فهي ليست بضاعة يساوم عليها، يحرمها ويحللها من أجل مشادة أو خلاف أو إثبات موقف، وسلوك لا يمت للحضارة بصلة في عصر المساواة والاحترام المتبادل، وهو في رأيي أقرب إلى الهمجية والعنجهية والتصلّب منه إلى سلوك “رجولي”، كما يفسره قصيري النظر.

يمين الطلاق موجود تقريبا في كل المجتمعات العربية بما في ذلك المجتمعات التي حددت الطلاق بقوانين مدنية، ومنها تونس التي أبطلت مفعول اليمين، إذ لا يحق للرجل الطلاق من زوجته إلا أمام المحاكم الشرعية، غير أن المفعول النفسي والاجتماعي لهذا اليمين مؤذ بغض النظر عن مفعوله الوظيفي المباشر (التطليق)، ووقعه على الأسرة والأبناء سيء لما يشكله من تهديد ووعيد وترصّد للمرأة.

فضلا عن كل ذلك، أن يفسر هذا اليمين من عامة الناس وبخاصة الفئات الذكورية على أنه “موقف رجولي”، فهذا أمر غريب حقا، إذ كيف يوصف بالرجولة من وضع زوجته في مثل هذا الموضع، ودعا العالم كله ليرى قيمتها الوضيعة لديه، والتي لا تتجاوز كونها ملكية مباحة، يبيع ويشتري فيها كما يريد، ولأتفه الأسباب.

هؤلاء هم واجهة المجتمع وممثلوه، المرآة التي تعكس الواقع، وما يصدر عنهم هو نبذة أو عيّنة مما هو موجود داخل المجتمعات، فإذا كان هذا يصدر عن برلماني، فكيف نلوم رئيس الدولة الذي صرح عقب انتهاء الجلسة مباشرة من أن جلسة البرلمان الأولى كانت مفخرة لكل مصري!

الحقيقة أن “مسخرة” يمين الطلاق وحده إهانة لكل امرأة مصرية وحط من شأنها وكرامتها ودليل صارخ على مكانتها المتدنية في مجتمعات لا تزال تتعامل معها بوصفها بضاعة وملكية مشروعة يمكن المقايضة أو المساومة عليها، ولا أعرف لماذا لم تتقدم أي من الجمعيات النسائية والحقوقية إلى الآن بشكوى ضد هذا العضو المعادي للحقوق والحريات؟

21