إهدار أوقات الراحة دون هدف يضاعف الشعور بالإرهاق

المبدعون في العمل قلما يظهرون مهارات مماثلة في أوقات الراحة.
السبت 2019/12/07
بعيدا عن ضجيج الحياة

يجد معظمنا صعوبة في اقتطاع وقت قصير للراحة والاستجمام، وسط دوامة مشاغل الحياة وضغوطها التي لا تنتهي، لكن بعض الناس قد يجدون في هذا الوقت القصير سببا آخر للشعور بالتوتر والضغط النفسي، بسبب الشعور بالذنب المترتب على إهدار وقت آخر كان من الأفضل لو تم إشغاله في إنجاز ما هو متراكم من مسؤوليات.

يلازم تأنيب النفس الشخص الذي لم يعتد على التوقف لالتقاط أنفاسه ويواصل العمل ليلا ونهارا، وكلما اقتطع وقت فراغ قصيرا يحدث نفسه قائلا “ينبغي عليّ أن أفعل شيئا مفيدا، هذه الاستراحة القصيرة تؤخر إنجاز الأعمال”.. أو “ما كان عليّ أن أضيع الوقت، هذا الأمر غير مريح، سأكون بأفضل حال إذا عاودت عملي لإنهاء المزيد”. ببساطة، حتى إذا توفر له وقت قصير للترويح عن نفسه فسيقضيه في قلق متواصل.

وتؤكد الدكتورة سوزان بيالي هاس، محاضرة وكاتبة وطبيبة أميركية متخصصة في إدارة الإجهاد والصحة العقلية، أن الأشخاص الذين يعانون هذا النوع من الضغط النفسي يتوقون إلى التمتع بقسط من الراحة، لكنهم لا يملكون خطة مناسبة لذلك، إذ أن إهدار هذا الوقت دون هدف أو تصور لكيفية استغلاله من شأنه أن يضاعف الشعور بالإرهاق وعدم الارتياح.

وتضيف “يبدو هذا الأمر في ظاهره غير مهم قياسا بمشاكل الحياة الكبرى، لكننا إذا تأملنا تداعياته على حياة الناس فربما تجاوز تأثيره السلبي مديات في تفاصيل الحياة قد تلقي بظلالها على سير الأعمال، فشل في العمل، في الحياة الأسرية وفي العلاقات مع الآخرين وفي المحيط الاجتماعي الضيق إضافة إلى تشتت في التفكير، إذا لا يمكننا أن نتصور ما ستكون عليه حياة المرء الذي يتبنى أسلوب حياة يدفع إلى العمل المتواصل فلا يتوقف عند حد من الحدود، في ثقافة تشجع على الإنتاجية والمضي قدما دون توقف”.

وتتابع موضحة “هؤلاء الذين يبدعون في مجال العمل قلما يظهرون مهارات مماثلة في ما يتعلق بأوقات الراحة والاسترخاء والتحرر من المسؤوليات”.

ويرى متخصصون أن الضغوط النفسية المتأتية من قضاء بعض الوقت في الاسترخاء والابتعاد عن العمل، مردها أن بعض الناس لا يعرفون الجانب الآخر من الخسائر النفسية والجسدية التي تترتب على تجاهلنا لفترات استراحة قصيرة بين ساعات العمل الطويلة.

أما الآثار السلبية المترتبة على ذلك فأهمها اضطرابات النوم، الصداع وتوتر العضلات، تذبذب في الحالة المزاجية، زيادة فرصة الإصابة بالأمراض الجسدية والنفسية إضافة إلى تردي العلاقات الأسرية. في حين هناك قائمة طويلة من الفوائد المترتبة على هذه الاستراحات أو الوقفات القصيرة من العمل، لعل أهمها ما ينعكس على الآخرين في المحيط الأسري والاجتماعي، ما يعزز من أواصر العلاقات مع المقربين، الأمر الذي ينعكس إيجابا على كل مجالات الحياة. والأهم من ذلك يتوجب علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا في تخطي الشعور بالذنب كلما فضلنا اقتطاع وقت طويل أو قصير من العمل لراحتنا الشخصية لسبب بسيط، هو أن الأشخاص المتعبين والمستنفدين نفسيا وجسديا لا يمكنهم أن يقدموا أداء جيدا في العمل، فدقائق من الراحة تقابلها في الغالب ساعات من الإنجاز الكفء.

استراحة قبل مواصلة المهمة
استراحة قبل مواصلة المهمة

وتؤكد الدكتورة بيالي هاس أن مضي وقت طويل على تركنا لممارسة عادات الاسترخاء لن يكون مبررا لعدم الرجوع إليها، حتى أن بعض الأشخاص الذين هجروا هواياتهم القديمة صار بإمكانهم شحذ ذاكرتهم للبحث في دهاليزها عما كان يسعدهم ويبدد سحب التعب والقلق عن مشهد حياتهم اليومية، حيث يصبح العثور عليها بمثابة العثور على كنز طالما تلكأنا في البحث عنه وإزالة الغبار من تفاصيله.

وقد يكون هذا الكنز معرفيا كممارسة هواية القراءة وكتابة المذكرات، أو جماليا فنيا كالرسم وممارسة هواية زرع النباتات المنزلية، تربية الحيوانات الأليفة، مشاهدة أفلام جديدة وحتى قديمة كنا نفضلها في السابق، إضافة إلى الاستمتاع بتفاصيل الحياة اليومية مع أفراد الأسرة بمشاركتهم أوقات المرح وتحضير الطعام ومشاهدة التلفزيون.

ومثلما يفعل الأشخاص الذين يلتزمون بحمية غذائية قليلة السعرات فيلجأون في بعض الأحيان إلى الحصول على حصص صغيرة من الحلويات أو المكسرات ورقائق البطاطا عالية السعرات الحرارية، لمجرد كسر الروتين والتأهب للاستمرار في الخطة الغذائية العسيرة، فإن الأشخاص أصحاب المسؤوليات الكبيرة الذين يجدون صعوبة في التوقف أحيانا والتقاط الأنفاس، بإمكانهم أن يسرقوا حصة صغيرة من الراحة بين الحين والآخر لتساعدهم في شحن بطارية الطاقة اللازمة للاستمرار في العمل.

وتقدم الدكتورة سوزان بيالي هاس أفكارا لأوقات استراحة قصيرة مثل تناول كوب من القهوة أثناء الاستماع إلى موسيقى هادئة، ويفضل قضاء هذا الوقت في حديقة المنزل أو متنزه مجاور خاصة في فصل الصيف.

أما أوقات الاستراحة الطويلة نسبيا فيمكن استغلالها في الركون إلى هواية مثمرة مثل تنسيق الزهور أثناء الاستماع إلى كتاب أو رواية مسموعة باستخدام تطبيقات الهاتف، الاستمتاع بحمام دافئ أو ممارسة نشاط بدني بسيط مثل المشي أو التجوال في الأسواق المجاورة للمنزل وشراء بعض المستلزمات والعودة لقضاء بعض الوقت مع الأسرة.

والأفضل من كل هذا، إذا سمحت بذلك ميزانية الأسرة، فإن القيام برحلة أو إجازة سنوية أو فصلية إلى مناطق سياحية سواء أكانت داخل البلد أو خارجه هو الخيار الأفضل.

21