إهمال الشرق الأدبي في الترجمة

الجمعة 2017/06/23

تتجه الأنظار، في حال الاطلاع على التجارب العالمية في الأدب، إلى الغرب دائماً، وما زال المترجم العربي خاضعاً للتأثيرات النقديَّة والقرائيَّة، التي تتركها الروايات المكتوبة بالإنكليزية والفرنسية والإسبانية، وطالما تدّخل مثل هذا التأثر، بقراراته في اختيار الرواية التي يترجمها، ولعل هذا التأثر لم يأتِ اعتباطًا، بالنظر لحجم المنجز الأدبي المهول في الغرب، فمنذ بواكير حركة الترجمة إلى العربية من اللغات الأخرى مطلع القرن العشرين، تُرجمت الآلاف من الأعمال الأدبيَّة الغربيَّة التي صار القارئ العربي يعرف عنها وعن مؤلفيها كل شيء تقريبًا، وتركت أثرها الساحق على أجيال من الكتّاب والمبدعين العرب، ممن لا يجيدون القراءة بلغات أخرى، وظلوا رهن ذائقة المترجمين واختياراتهم.

بينما ظل الشرق، على الرغم من ذلك، مهملاً ولا يثير اهتمام المترجمين، إلّا في حالات نادرة. ومقابل كل ألف كتاب يترجم من الغرب، نجد كتاباً واحدًا أو اثنين من الشرق، وفي أغلب الأحيان، تتأثر اختيارات المترجمين إلى العربية، بالأصداء التي تتركها بعض التجارب الشرقية في الغرب، بعد ترجمتها إلى الإنكليزية أو الفرنسية، فيسارع المترجم العربي لترجمة تلك الأعمال من لغة وسيطة وليست من لغتها الأصلية في الغالب وهو خلل بنيوي مؤثر جدًّا على مستوى تلك الأعمال. وعلى الرغم من قرب البلدان الشرقية المنتجة للأدب من العالم العربي جغرافيًا، إلّا أن التخصص بلغاتها ظل نادرًا ولا يكاد يُذكر في الحقيقة، مقارنة بعدد الذين يترجمون من اللغات الغربية، وهذا خلل بنيوي آخر، سينعكس لاحقاً على ثقافة ووعي أجيال كاملة من المثقفين والقرّاء العرب.

يقول الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان في معرض تصديه لهذا الظاهرة: “من النادر أن التفت المنشغلون منّا على وعي الذات والعالم إلى الآخر الشرقي: الإيراني أو التركي أو الهندي أو الصيني أو الياباني. إنه أمر يورثني الحسرة التي ما فتئت تتضاعف كلما ازدانت المكتبة العربية برواية مترجمة من هذين البلدين”.

المشكلة أن مساحة الأدب الشرقي المعاصر بدأت تتّسع، ولم تعد مقتصرة على اليابان وإيران وتركيا، لتشمل بلدانًا جديدة لم تكن على الخارطة الأدبيَّة في العقود الماضية، مثل إندونيسيا وفيتنام والفلبين وبنغلاديش والكوريتين وأفغانستان وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وغيرها.

ونظرًا للعامل الجغرافي والتأثر التاريخي المتبادل بين الثقافات العربية والتركية والإيرانية، إلّا أن حركة الترجمة لآداب هذين البلدين، من العربية وإليها، ظلت محدودة وعلى نطاق ضيق، كما ظلت لغاتها العريقة بعيدة عن اهتمام المترجمين وتخصصهم، على الرغم من وجود أقسام للدراسات اللغوية التركية والفارسية في أغلب الجامعات العربية المعروفة، ومع ذلك اضطلعت مجموعة مجتهدة من المترجمين المُجيدين لهذه المهمة، لعل أبرزهم في مجال نقل الأدب التركي إلى العربية أو العكس، رائد ترجمة الأدب التركي، السوري عبدالقادر عبدالي وفاضل جتكر وفاضل بيات والمترجم الأردني الفاعل صفوان الشبلي.

أما على صعيد الترجمة من وإلى اللغة الفارسية، فينشط عدد من المترجمين المُجيدين من أمثال شفيعي كدكني ومحمد علي آذر شب وموسى بيدج، وعبدالحسين فرزاد، وموسى سوار ومحمد جواهر كلام، بالإضافة إلى عدد من المترجمين الشباب من أمثال غسان حمدان الذي ترجم العديد من الروايات العراقية إلى الفارسية في السنوات الأخيرة، وحمزة كوتي الذي ترجم مجموعات شعرية لكل من أدونيس ومحمود درويش ونوري الجراح.

وفي المحصلة، يبقى الاتّجاه شرقاً في الترجمة خجولاً ولا يتناسب مع المشتركات التاريخية والتأثيرات السيكولوجية والعوامل الجغرافية والدينية والمعرفية والفلسفية، بين الأدب العربي وآداب هذين البلدين، ناهيك عن الآداب الشرقية الأخرى.

كاتب عراقي

14