إياد أبوالشامات: "غدا نلتقي" يقارب المأساة السورية من زاوية وجدانية

الكاتب والمخرج والممثل السوري إياد أبوالشامات شخصية وحالة فنية متقدة ومتعددة الجوانب، فهو الذي يعتبر بالإضافة إلى أسماء قليلة جدا، أحد الأسماء التي تعمل بجهد وصدق على تقديم دراما سورية مختلفة ومغايرة وحقيقية، ولا سيما بعد أن امتلأت الشاشات العربية بالمئات من الأعمال الدرامية المنفصلة عن الواقع وقضية الإنسان، خاصة والمواطن السوري بات يعيش اليوم أكبر تراجيديا عرفها منذ قرون.
الجمعة 2015/09/11
أبوالشامات قدم في مسلسل "غدا نلتقي" قصة ألم وخسارة وفقدان وإحساس بالعجز واللاجدوى

يقول المؤلف والممثل والمخرج السوري إياد أبوالشامات في حواره لـ”العرب”: الذي دفعني لكتابة “غدا نلتقي”، هو محاولة مقاربة المأساة السورية من زاوية وجدانية، ربما تساعدني وتساعد المتلقي على التعايش مع الألم وإعطائه معنى ما واضحا، بعد أن فقد معناه وأصبح الموت السوري مجرد أرقام بلا وجوه ولا قصص.

بهذه الطريقة يتحدث الفنان أبوالشامات، عن نصه الأخير “غدا نلتقي” الذي تحول إلى مسلسل بفضل المخرج رامي حنا ونخبة كبيرة من الممثلين والممثلات، ويتابع “أنا لم أستعن إلاّ بالحالة العامة التي يعيش تفاصيلها أغلب السوريين اليوم، وأينما كانوا رغم الاختلافات الطفيفة والنسبية بين كل قصة فردية وأخرى، لكن القصة العامة هي قصة واحدة؛ قصة ألم وخسارة وفقدان وإحساس بالعجز واللاجدوى”.

الفن والكتابة

يضيف ضيفنا: بالنسبة إلى الانطباعات فقد فاقت توقعاتي.. لا أخفي عنك أني كنت أعرف في داخلي أن العمل سيلاقي اهتماما ما سلبا أو إيجابا، لا فرق، لكن حجم الترحاب والإجماع وخصوصا من الموالين والمعارضين فاجأني ولم أتوقعه.

ويشير أنه يحاول أن لا يخدش حياء الجمهور قائلا: أبتعد عن الابتذال بجميع أشكاله، فهو من المحرمات لديّ كما أني أحاول أن لا أكون مباشرا في الحديث عن السياسة، رغم أن “غدا نلتقي” كان مليئا بالسياسة، ولكن المباشرة أيضا هي خط أحمر، فالعمل الفني ليس من واجبه أن يتحول إلى نشرة أخبار أو لائحة اتهامات.

يوضح الفنان أبوالشامات أنه حاول دائما أن يجرب كل ما يمكن تجريبه في حقل الدراما، فعمل في المسرح والسينما والتلفزيون والراديو والدوبلاج، وقدم برامج في التلفزيون والراديو وأخرج بعض الأفلام القصيرة ويضيف “والآن ها أنا أجرب في الكتابة الدرامية..”.

منذ 2011 شعر أبوالشامات بأن الحال غير مناسب للظهور في أعمال بعيدة تماما عما يجري في سوريا

ولا شك أن عمله الأخير لاقى نجاحا منقطع النظير، وهذا ما دل عليه الإقبال الكبير على العمل وحديث الجميع عنه. أما عن سوية الأعمال التي تثير اهتمام أبوالشامات، ولا سيما في خضم ما يعيشه شعبه ووطنه السوري فإنه يعلن قائلا “لا أستطيع الظهور في أعمال لا تتطابق حصيلتها الفكرية النهائية مع موقفي الأخلاقي، إضافة إلى أنني كنت دائما أتحاشى الأعمال المبتذلة، وهذا ما جعل حضوري قليلا”.

وعن سبب غيابه في السنوات القليلة الأخيرة، يشرح “الذي منعني سببان؛ أولهما: أني منذ عام ألفين وأحد عشر، شعرت بداية بأن الحال غير مناسب للظهور في أعمال بعيدة تماما عما يجري في سوريا، وكأن هذه الأعمال تصوّر في كوكب آخر. والسبب الثاني: سفري الذي منعني من العمل، ولكني مع الوقت أصبحت من أنصار أن تستمر الدراما السورية، وأن تعمل تحت أي ظرف وتمنع نفسها من الانهيار”.

كما يتحدث أبوالشامات عن أسباب كثيرة تجعل من الأعمال الدرامية لا تحمل همّا واقعيا موضحا “هناك أسباب كثيرة.. أهمها عدم رغبة صناع العمل في التورّط بمواقف سياسية واضحة، إضافة إلى أن السوق، وهو هنا المحطات العربية، يفضل الأعمال التي لا تتعرض للواقع لأسباب كثيرة، ولا شك أن ذلك ينعكس بشكل مباشر على خيارات المنتجين”.

وعن سوية الأعمال الأخيرة يقول: الآن كما قبل الحرب هناك الجيد المجتهد، وهناك المتوسط، واليوم لم يتغير شيء سوى أن هناك ازديادا في عدد الأعمال السيئة ونقصا في الأعمال الجيدة، وهذه من نتائج الحرب والظرف القاسي الذي نعيشه”. “الذي دفعني إلى مغادرة سوريا آسفا، هو ما دفع وما يدفع السوريين اليوم لمغادرتها، جحيم الحرب وفقدان الأمان والضغط النفسي الكبير وإحساسك بأن أطفالك أمام مستقبل غامض”، هكذا يتحدث الفنان أبوالشامات عن سبب خروجه من سوريا.

يوجد حراك فكري متواصل في كل المنطقة رغم الحرب الشديدة التي تشن عليه

منفى اختياري

يضيف أبوالشامات “بصراحة لقد فكرت في منح ابني فرصة للعيش بعيدا عن رعب الحرب”، ويستطرد أبوالشامات قائلا “لماذا باريس؟ ربما السبب هو علاقة قديمة بدأت مع هذا البلد وثقافته ونمط عيشه قبل خمسة عشر عاما عندما درست لعام واحد في معهد للتقنيات المسرحية في أفينيون جنوب فرنسا، وحينها نشأت علاقة لطيفة بيني وبين هذا البلد ومازالت مستمرة”.

ويرى أبوالشامات أن هناك حراكا فكريا حدث ويحدث في كل المنطقة، رغم الحرب الشديدة التي تشن عليه، ومع ذلك يعترف أن الطريق أمامه مازالت طويلة جدا ومليئة بالفخاخ والعوائق، فهناك تلاقي مصالح على تفريغ المنطقة من أي مشروع فكري وثقافي حقيقي، وليس من السهل مقاومة آليات مدروسة وممولة جيدا وقديمة، ولديها أدوات هائلة تحاول أن تبقي المنطقة عائمة على فراغ يتبارى القاصي والداني على ملئه.

كما يقول “إن علينا أن نلقي عن أنفسنا كل فكرة أو انتماء يمنع عنا التفكير الحر، ويعطل عقلنا النقدي”، وبرأيه أن الانتماءات الحزبية أو السياسية أو الطائفية أو المذهبية وحتى العائلية بمفهومها الضيق تفعل ذلك، ووهمنا بامتلاك المعرفة يفعل ذلك.

وبالنسبة إليه ليس هناك شعوب متطرفة بطبعها فهذه نظرية عنصرية خاطئة، فهناك مجتمعات تقوم بواجبها تجاه أفرادها، فتحفظ لهم حقوقهم بالتعلم والمعرفة والتعبير، وتحفظ لهم فرديتهم وكرامتهم وحرياتهم الاجتماعية والسياسية، ويعنيها أن تغني ذائقتهم الفكرية والثقافية عبر الأدب والمسرح والسينما والفنون والآداب الأخرى، وعبر آليات تسمح بالعمل والتنافس السياسي.

17