إياد صباح يقيم في تونس معرضه الفلسطيني "بلا هوية"

بكثير من التحدّي الفني والانفتاح والأمل، أتانا الفنان الفلسطيني إياد صباح من غزة ليحطّ الرحال بمعرضه التشكيلي في فضاء “التياترو الحر” بالعاصمة تونس والذي اختتم مؤخرا؛ “بلا هوية” هو عنوان المعرض الذي اتسم بالكثير من الإحالات والخفايا والرموز الفنية الجميلة.
الأربعاء 2016/02/17
رسوم تتجاوز منطق الحصار

“بلا هوية” هو عنوان المعرض النحتي والتشكيلي للفنان الفلسطيني إياد صباح، الذي قدم إلى تونس ليقدّم منجزه الأخير بفضاء “التياترو الحر” في العاصمة التونسية، حيث يستعرض المعرض نحتا ورسما ذاكرة وطن يبحث عن تاريخه وهويته ومستقبله وحقوله وزيتونه.

تتواشج المنحوتات واللوحات لدى صباح لتشكل عالما فنيا يخفي رسائل إبداعية عميقة تنطلق من واقع الكائن الفلسطيني وحياته اليومية، لتنفتح على الواقع العربي بكل تناقضاته وعلى القضايا الإنسانية عامة.

بعيدا عن السياسة

منحوتات إياد صباح تحتل أغلب الساحات والأماكن المهمة في غزة وخان يونس ورفح والضفة، ولوحاته سافرت في شكل معارض فنية إلى الكثير من الدول العربية والغربية.

حول معرضه الأخير “بلا هوية” بفضاء “التياترو الحر” التونسي، كان لـ“العرب” هذا اللقاء مع إياد، حيث تشعبت وتطورت مسارب الحديث إلى الكثير من القضايا الأخرى.

عادة ما ينبني أيّ عمل فني أو إبداعي على رسائل معينة تدغدغ المتلقي وتحاول البحث في المكان والذاكرة والزمن والهوية، ولكن إياد هنا يحاول التنصل في معرضه “بلا هوية”، من كل أصول وحقائق وهوية ورسائل مباشرة، مقدّما منجزه كاسرا أفق انتظار المتلقي الذي من المفروض أنه يتعامل مع فنان فلسطيني يجسد كل هذه الرموز والمتناقضات.

صباح يؤكد أن “بلا هوية” اسم يجسد حالة تعيشها مدينة القدس من محاولة إسقاط هويتها العربية والإسلامية معبرا عن ملامح مختلفة من الواقع الفلسطيني، حيث تتمازج المنحوتات واللوحات في المعرض لتبرز أمكنة مهدمة وفوضوية وشخوصا غائمة وتائهة “بلا هوية”. المعرض جاء كردّة فعل فنية على الحرب الأخيرة على غزة، وعلى الواقع الفلسطيني والعربي المتداخل والمتناقض اليوم بشكل عام، يحمل مخزون الواقع المعيش والأحداث الصعبة التي مرّ بها هو وشعبه من حروب وخذلان وما يحدث في واقع عربي جريح.

المنحوتات واللوحات تتمازج في المعرض لتبرز أمكنة مهدمة وفوضوية وشخوصا غائمة وتائهة "بلا هوية"

الفن في مجمله، كما يؤكد إياد، هو حالة حسية تدمج أحاسيس إنسانية تشمل الإنسان في هذا العالم، لذا فإن التواصل عبر الفن يشكل خلق حالة حسية وإدراكية تجمع العالم حول مضامين مشتركة، الفن والإبداع والمسرح والنحت والشعر والسينما ناتجة كلها عن ردة فعل ما خالدة ومسافرة في الزمان والمكان.

يقول إياد “تحرر الفن الفلسطيني من خصوصية الرموز والموضوعات التي كانت تطرح في الثمانينات واليوم أصبح الطرح إنسانيا أكثر، ولكن الفنان غالبا ما يحاكي حالات معيشة، فيظل الخطاب السياسي حاضرا في أعماله، رغم أنني في هذا المعرض تناولت موضوعات جمالية في أكثر من عمل، بعيدا عن المواضيع السياسية”.

وفي حديثه عن أثر المواضيع والحالة النفسية الفنية على العمل الفني، وإلى أيّ مدى تستقلّ الأعمال بذاتها أو تتكامل اللوحات والمنحوتات لتبليغ الرسالة الكبرى للمعرض، يؤكد إياد أن الحالة النفسية للفنان تشكل فنه، فالفن هو عمل حسيّ يجسد مشاعر الفنان وثقافته وأحاسيسه، والفنان لا يحضّر للموضوع مسبقا، لكنه حين يقف أمام السطح الأبيض تتشكل الخطوط والألوان لتظهر ملامح اللوحة.

واقع فني واحد

في معرض حديث إياد صباح عن الواقع الثقافي الإبداعي في غزة، وعن وضعية الفنان الغزاوي بشكل خاص، وكذلك عن علاقة الفنانين الفلسطينيين في الداخل بعضهم ببعض، يرى التشكيلي الفلسطيني أن الساحة الفنية في فلسطين مشابهة للواقع الفني في أيّ دولة عربية، فهي تتكون من تجمعات، إمّا منظمة أو ودية، تشوبها بعض السلبيات والإيجابيات.

إياد صباح: الساحة الفنية في فلسطين مشابهة للواقع الفني في أي دولة عربية

ويؤكد إياد أن خصوصية الواقع في الداخل تكمن في الضغوط التي يتعرض لها الفنان من حيث إشكالية التفرغ للفن، لأنه مضطرّ لإيجاد عمل آخر في ظل عدم وجود تسويق لإنتاجه، كما تواجهه إشكاليات السفر وعدم إيجاد مساحات عرض تلبي جنون الفنان وأفكاره. أما في غزة فيضاف إلى ذلك، واقع مرير مرتبط بحصار يمنع الفنان من السفر والتواصل والمشاركة في المعارض والمهرجانات، كما ظهرت جماعات جديدة ترفض الفكر الإبداعي في موجة التحريم والتكفير.

وعن أثر الإبداع الفلسطيني بمختلف أشكاله على القضية الفلسطينية، وما الذي تستطيع أن تفجّره عين المبدع، وتفتقه ريشته وتخرجه إلى العالم عن الكيان الفلسطيني المحاصر والمحتل وعن الإنسان المسجون داخله، والتي لا يمكن للرشاشة والرصاصة والقنبلة أن تفجره، وما هي المناطق التي يمكن أن يزورها الفن ويدخلها والتي لا تستطيع بقية وسائل المقاومة أن تدخلها.

يجيب إياد بقوله: الفن لعب دورا إعلاميا قويا في التعريف بالقضية الفلسطينية، بل ربما يقدم الفن اليوم خطابا أكثر موضوعية وأكثر تأثيرا في العالم، لأن الفن يخاطب إحساس المتلقي وليس العقل فحسب، لذا فهو الأقدر على الوصول والتأثير، وهو ما تحقق معي شخصيا ومع زملاء لي.

ويضيف موضحا: الحالة التشكيلية الفلسطينية نابضة ولها وجود لا يستهان به في المحافل العربية والدولية، رغم كل العوائق التي تواجه الفنانين الفلسطينيين من إغلاقات مستمرّة للمعابر الحدودية، وقلة للفرص وغير ذلك من العراقيل، لكنني أعتقد أن كل جيل في فلسطين يقدّم ما يدهش المتلقي من وسائل تواصل وتعبير عن الذات.

أعمال إياد صباح تجمع في غالبيتها رسومات عن الوطن، والحياة، والطبيعة، فهو من جانب يحاول أن يعبّر عن كل ما يشعر به، مؤكدا على المضي في هذا الأسلوب الزاخر بالموضوعات، رغم أن القضايا السياسية تفرض نفسها بشكل دائم، لكنه من جانب آخر يحاول أن ينأى عنها إلى ما هو أرحب وأبقى: الحياة في مواجهتها للموت والدمار.

16