إياد علاوي.. آمن بالسياسة بين اللعب والأخلاق

السبت 2014/01/18
اقتربت ساعة الحسم.. ضد إيران أم معها

لندن- ظل رئيس الوزراء العراقي الأسبق، إياد علاوي، حريصا على جمع المتناقضات، فقد أراد تقديم ذاته على أنه يمثل العرب القوميين وفي الوقت ذاته يمثل الشيعة في العراق، بوجههم المدني، فطلب صداقة إيران والسعودية والأردن وأميركا في الوقت ذاته. عاد إلى بغداد بعد احتلالها من قبل القوات الأميركية، ودخل إلى مجلس الحكم وانتخب ضمن 9 من هيئة الرئاسة الدورية وهو يبحث اليوم، بين حقول الألغام السياسية، عن مدخل لقيادة العراق الجامح.

يظهر إياد علاوي رئيس الوزراء العراقي الأسبق، بين الحين والآخر، مطلا بتصريحات إعلامية، أو تعليقات على الأحداث، دون أن يكون لتلك المداخلات أي تأثير مباشر وقوي على ما يحدث في العراق، ويكثر علاوي من انتقاد جميع الظواهر القائمة، المحلية منها والدولية، دون أن ينتبه إلى كون ضخامة حضوره قد غطّت على الدور العربي للسياسيين في العراق، فاختصر في شخصه، الفعل بالتحلي بالصبر، فوصف زيارة الأمين العام للأمم المتحدة الأخيرة للعراق بأنها “زيارة فاشلة بالرغم من المحاضرة اللطيفة التي أعطاها للقادة العراقيين حول مسألة الإرهاب ومحاربته”.

وقال إن الولايات المتحدة “تعقد الأجواء لأنها لا تمتلك سياسة واضحة في مكافحة ما يسمى بالإرهاب، فقد كان لواشنطن تصرفات أدت إلى تصعيد الأوضاع الإرهابية في المنطقة وبروز قوى متطرفة في منطقة الشرق الأوسط الكبير”.

ليس الانتماء السياسي نقيصة، فقد كانت شعوب المنطقة بمختلف أطيافها، تبحث عن مشاريع تنخرط فيها كي تجد الحلول لمشاكل مجتمعاتها، ولتطبق رؤيتها الوطنية، هنا أو هناك، ومن هؤلاء كان إياد علاوي، وقبل انتسابه للبعث العربي الاشتراكي ولد لإياد غلاوي في العام 1944 وعاش في الكرادة، لأم لبنانية هي نجاة عسيران وقد كانت مديرة في مدرسة الكاظمية في بغداد، أما عائلة والده فكان عميدها جعفر العلاوي وقد تقدم بطلب خاص إلى الملك فيصل الأول في نهاية العام 1930 لنيل الجنسية العراقية، وانخرطت العائلة بعد ذلك في النشاط السياسي والاجتماعي وأصبحت من المقربين للحزب السعيدي أبرز الحركات السياسية الملكية العراقية، درس أياد علاوي في بغداد في مدرسة تتبع الإرسالية اليسوعية الأميركية، وفي العام 1961 التحق علاوي بكلية الطب البشري في بغداد وصار عضواً في حزب البعث العربي الاشتراكي.


إضراب البعث والحرس القومي


أعلن الطلاب البعثيون إضرابهم السياسي في العام 1962، وكان إياد علاوي أكثر الطلاب البعثيين حماسا، فتصادم مع الشرطة الأمر الذي تسبب بكسر ساقه، ولكنه لم يتراجع عن نشاطه، فانتسب إلى الجهاز السري المعروف باسم “الحرس القومي” الذي يتبع حزب البعث، وبعد انقلاب البعث في 8 فبراير من العام 1963، كان شديد التفاؤل والثورية، ولكنه فوجئ بقرار اعتقاله من قبل نفس السلطة التي دافع عنها، فحاول الانتحار في المعتقل، قبل أن يطلق سراحه على يد أحمد حسن البكر صديق عائلته.

ظل إياد علاوي حريصا على جمع المتناقضات، فقد أراد تقديم ذاته على أنه يمثل العرب القوميين وفي الوقت ذاته يمثل الشيعة في العراق، بوجههم المدني

رأت قيادات في البعث، أن صعود نجم شخصيات مثل إياد علاوي بهذه الصورة، قد يسبّب تهديدا لبنية الحزب، فاختير له الإبعاد، بعد أن وصل إلى عضوية مكتب القيادة القطرية، وهو يقول إنه اختلف مع رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، وغادر إلى لبنان في العام 1971، ليغادرها إلى لندن في العام 1972، ويصبح عبر الانتخابات في العام 1973 مسؤول التنظيم القومي العربي البعثي في أوروبا وبعض بلدان الخليج، ولكنه لم يستمر لأكثر من عامين فقد استقال من البعث في العام 1975 وابتعد عن النظام.


ما بعد البعث ومحاولة الاغتيال


في بيته بكينغستون، في بريطانيا، جرت محاولة اغتيال إياد علاوي في العام 1978، فتم إسعافه ليبقى تحت العلاج أكثر من عام كامل، ثم عاد ليتعافى ويزاول نشاطه من جديد في الطب والسياسة، وقد برع في توطيد علاقات مميّزة مع بعض العناصر القيادية البارزة في الإعلام والسياسة في بيروت وبغداد ولندن، ولكن مناخ ما بعد أحمد حسن البكر في العراق، وتولي صدام حسين الرئاسة، وبدء الحرب العراقية الإيرانية، أغلق على إياد علاوي المجال للعمل في تيار مضاد للعراق حتى أواخر الثمانينات، حين قرّر علاوي تشكيل تنظيم سياسي معارض، بالتعاون مع صلاح عمر التكريتي عضو مجلس الثورة الأسبق ووزير الإعلام.

دخل صدام حسين إلى الكويت، وانقلب الموقف العالمي ضدّه، وبدأ دور المعارضين له يبرز في الأوساط السياسية والدولية، وعاد نشاط علاوي من جديد، مع الوفاق الوطني العراقي، الذي تحالف مع الأكراد والأحزاب الشيعيّة التي تعمل تحت رعاية إيرانية كاملة، وشارك مع الجميع في مؤتمر مارس من العام 1991 في بيروت، وتفكك التحالف الذي نشأ حينها، والتفت علاوي إلى التعاون مع الولايات المتحدة، ووضع يده بيد قريبه أحمد الجلبى، قبل انفجار العلاقة بينهما بعد سنوات، بسبب افتراق الطرق السياسية، وبعد قضاء نظام صدام حسين على التمرّد الشعبي في تلك الفترة، غادر الكثير من البعثيين عسكريين ومدنيين إلى خارج العراق، وكان أفضل من يتعاونون معه هو البعثي السابق إياد علاوي.

تشكلت وانهارت تحالفات كثيرة في تلك الفترة، ولكن إياد علاوي ظل حريصا على جمع المتناقضات، فقد أراد تقديم ذاته على أنه يمثل العرب القوميين وفي الوقت ذاته يمثل الشيعة في العراق، بوجههم المدني، فطلب صداقة إيران والسعودية والأردن وأميركا في الوقت ذاته.

فضيحة المخابرات المركزية الأميركية

من أخطر ما تسرب من مواقف الأميركيين تجاه علاوي حديث كينيث بولاك عن علاقة أميركا بعلاوي حين قال «إننا كمن يقوم بإرسال لص للإمساك بلص»

كتب جويل برنكلي في نيويورك تايمز، أن ضباطا سابقين في وكالة المخابرات المركزية الأميركية قالوا إن إياد علاوي، “كان يقود منظمة في المنفى سعت للإطاحة بصدام حسين، وأرسلت عملاء لها إلى بغداد في أوائل التسعينات لزرع قنابل وتخريب مؤسسات حكومية تحت توجيه المخابرات المركزية الأميركية” وتؤكد المعلومات التي أوردها ضباط “السي آي إيه”، تلك التفجيرات التي وقعت بين عامي 1992 و1995، وأشار روبرت باير، الضابط السابق في وكالة المخابرات المركزية والذي كان يعمل في المنطقة عندئذ إلى أن عملية في ذلك الوقت أدت إلى “تفجير حافلة ركاب تقل طلاب مدرسة أدى إلى مقتلهم”، وقال مسؤولون استخباراتيون آخرون إن منظمة علاوي كانت الجماعة المعارضة الوحيدة المعنية بعمليات التفجير والتخريب في ذلك الوقت، ولكن أحد المسؤولين أشار إلى أن أعمال التفجير لم تكن لها تأثيرات كبيرة، وقال كينيث بولاك، الذي كان محلّلا في الشؤون العسكرية العراقية والإيرانية في وكالة المخابرات المركزية خلال أوائل التسعينات ويتذكر حملة أعمال التخريب أن الأمر بالنسبة لأميركا مع إياد علاوي كمن يقوم بـ“إرسال لص للإمساك بلص”.

ورفض إياد علاوي التعليق على تلك المعلومات بالنفي أو التأكيد، وقال أحد العناصر المنشقة عن الوفاق الوطني الذي يتبع لعلاوي في شريط فيديو شهير “فجرنا سيارة وكان من المفترض أن نتسلم مبلغ ألفي دولار” ولكننا لم نحصل إلا على ألف دولار، كما نشرت صحيفة “الانديبندنت” البريطانية في العام 1997، بعد أن حصلت الصحيفة على نسخة من الفيديو، وقال صموئيل بيرغر، مستشار الأمن القومي في إدارة كلينتون، عن إياد علاوي إنه :”كان يتمتع باحترام كبير من جانب أولئك المعنيين بالعمليات العراقية، وعلى خلاف الجلبي كان موضع ثقة الحكومات الاقليمية، وكان أقل بهرجة وسعيا للأضواء”.


انقلاب علاوي الفاشل في بغداد


بعد بدء التعاون الرسمي واللوجستي بين الأميركيين وإياد علاوي، تقرّر أن يجري تنفيذ انقلاب عسكري في بغداد في العام 1995 ينهي بموجبه نظام صدام حسين الذي لم يسقط في حرب “عاصفة الصحراء”، ولكن ذلك الانقلاب فشل، فقام علاوي بتأسيس مكتب للوفاق الوطني مع إذاعة حزبية موجهة إلى العراقيين، انطلاقا من الأراضي الأردنية. ويرى الخبير بيتر سيموندز، “أن المخابرات الأميركية والبريطانية كانت تثق بعلاوي لسبب رئيسي، وهو أن علاوي كان قد أقنعهم بأنه يمكنه مع أشخاص آخرين موجودين في حزب البعث والجيش، استعادة الحزب مرة ثانية إلى طريق التعاون مع أميركا والغرب بعد أن اختطف صدام حسين الحزب والسلطة”.

وفي العام 1998، أصدر الأميركيون قانون تحرير العراق، وبدأ دور إياد علاوي في تزويد واشنطن بالوثائق العراقية عن المشروع النووي والسلاح الجرثومي والكيماوي العراقي، وكذلك علاقات نظام صدام حسين بتنظيم القاعدة، وأشارت جريدة “الديلي تلجراف” إلى أن هذه المعلومات سرّبها جهاز علاوي إلى الإدارة البريطانية، مؤكدا أن صدام حسين قادر على شنّ هجوم عام خلال 45 دقيقة، وأعلن الإعلام الغربي كذب تلك المعلومات أكثر من مرة، وهي المعلومات التي على أساسها تم اتخاذ قرار شنّ الحرب.


علاوي بعد احتلال العراق


عاد إياد علاوي إلى بغداد بعد احتلالها من قبل القوات الأميركية، ودخل إلى مجلس الحكم وانتخب ضمن 9 من هيئة الرئاسة الدورية وكانت أغرب قرارات مجلس الحكم ذاك، إلغاء قانون الأحوال المدنية الذي كان يطبق إبان حكم صدام حسين واستبدال هذا القانون بقانون آخر يتوافق مع قوانين الشريعة الإسلامية، والقرار بتبديل العلم العراقي.

أشارت «الديلي تلجراف» إلى أن المعلومات التي سربها جهاز علاوي إلى الإدارة البريطانية تؤكد أن صدام حسين قادر على شن هجوم بأسلحة دمار شامل خلال 45 دقيقة

تم حل مجلس الحكم في 1 يوليو 2004 عقب إعلان الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة إياد علاوي، وبدأ علاوي بتنفيذ عمليات عسكرية لمواجهة نفوذ جيش المهدي في النجف ومحاصرتهم في الروضة الحيدرية، وقد تعرض بعدها لمحاولة اغتيال في إحدى الجوامع في مدينة النجف أدت إلى اصابته بجروح، كتب سيمورهيرش بأن علاوي.

وفي تلك الفترة وبالتعاون مع جورج تينيت مدير المخابرات المركزية الأميركية، باشرا ببناء جهاز سري لفرق الموت الخاصة ضمن برنامج خاص شبيه بالجهاز الذي بني في فيتنام في العام 1968، والذي أنشئ حينها ضمن برنامج يسمى فينيكس، وقد أعطيت لعلاوي تغطية مالية، وبالتعاون مع بريمر تصل إلى حدود 3 مليارات من مجموع 87 مليارا وضعت في خدمة إعمار العراق، وقد تم تبرير صرف أموال هذا الجهاز الخاص ضمن لائحة الاعتماد المالية للقوات الجوية الخاصة الأميركية في العراق.

خاض علاوي وقائمته الانتخابات النيابية العراقية السابقة، وربحها، ولكن اتصالاً هاتفياً من الرئيس أوباما كان كفيلاً بقبوله بأن يشكل نوري المالكي الحكومة، ولم ينسحب علاوي ولا قائمته من العملية السياسية العراقية احتجاجاً على القفز فوق نتائج الانتخابات، ولكن لاذ بالصبر والانتظار ريثما يتهاوى مشروع المالكي تماما في العراق، ووقف علاوي مع الثورات العربية كما وقفت معها أمريكا.

وأكد “أن العلاقات الحالية بين نظام الأسد وحكومة المالكي تضر الشعب السوري”، وفضح دور النظام السوري في فترة رئاسته للحكومة بالقول : “كان النظام السوري يتساهل في دخول المقاتلين إلى العراق، وأنا بعثت برسالة مع وزير الداخلية آنذاك إلى بشار الأسد وتم تشكيل لجنة مشتركة لضبط الحدود.

وكان هناك تجاوب من النظام السوري، لكن هذا التجاوب سرعان ما انتهى وجاءت حكومة عراقية جديدة وبدأت مرحلة جديدة من العلاقات السورية العراقية وصلت الآن إلى ذروتها، لكن هذا التعاون ضد مصالح وسلامة الشعب السوري وسلامة العراق والمنطقة بالكامل”، وأضاف “أن العراق قادر وبإمكانه منع الطائرات الإيرانية التي تنقل الأسلحة إلى سوريا، لكن حكومة نوري المالكي تدّعي عكس ذلك”.

إياد علاوي.. جملة المتناقضات التي تبحث عن قيادة العراق الجامح حتى اليوم، بين حقول الألغام السياسية كما يقول.. ولكن لا ضمانة أن تنفجر تلك الألغام في أية لحظة…خصوصا مع اقتراب ساعة الحسم في مشاريع المنطقة…فقد بات على علاوي أن يكون اليوم مع أو ضد إيران.

14