إيبولا وكورونا وأنفلونزا الطيور.. استثمار في صحة البشر

حذّر العلماء من أن التحديات التي تواجه العالم اليوم لا تقتصر على الحروب والكوارث الطبيعية وأزمات المياه والاحتباس الحراري، فهناك أخطار أخرى تتربص بالبشرية تقودها مجموعة من الفيروسات والأمراض القاتلة؛ ويصعّب من مواجهتها قصور الجانب العلمي في التعامل معها من ناحية، وشركات صناعة الأدوية التي تتربّح من هذه الأمراض من ناحية ثانية.
الأربعاء 2015/11/04
مصالح تجارية تعمل على تسخير وسائل الإعلام لتهويل الوضع وترويع العالم من الفيروس المميت

لندن - يقدّر الباحث الأميركي فرانسيس كولين، عدد الأمراض التي تحتاج إلى اختراع أدوية عاجلة لها بحوالي 3750 مرضا، مشيرا إلى أنه من بين حوالي أربعة آلاف مرض، تعرّف عليها الإنسان، لم يتم التوصّل إلى أدوية إلا لحوالي 250 مرضا. وعدّة أسباب تفسّر هذه الفجوة الضخمة وتشكّل التحدّي الكبير أمام العلم والبشرية، خاصة مع ظهور فيروسات وأمراض جديدة.

ولا يزال العلماء يجهلون بدرجة كبيرة كيفية وقف أو مجابهة الهجمات المرضية الشرسة، التي لم يشهدها العالم من قبل في السنوات الأخيرة، من ظهور متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (فيروس كورونا) في السعودية والسلالة الفيروسية الجديدة الفتاكة من أنفلونزا الطيور بالصين والتفشي الذي لم يسبقه مثيل لوباء إيبولا في غرب أفريقيا.

ويرى خبراء الأمراض أن العلماء لم يفلحوا حتى في مجرد رصد منشأ تلك الأمراض ويرجع سبب ذلك ببساطة إلى عدم إجراء الدراسات الأساسية وتحليل طرق انتقال الأمراض واختبار العقاقير واللقاحات التجريبية وذلك أثناء استشراء تلك الأمراض. ويضيف هؤلاء الخبراء بأنها سقطة وقع فيها البحث العلمي، ويتعيّن ألا يُسمح له بتكرارها.

ويقول جيريمي فارار، مدير مؤسسة “ولكام تراست” الخيرية العالمية للصحة وخبير الأمراض المعدية “كانت البحوث التي جرت بخصوص جميع الأوبئة التي شهدناها خلال العقود الأخيرة، جهودا يرثى لها. العالم الآن في خطر نظرا لوجود ثغرات هائلة في قاعدتنا المعرفية”.

وأضاف “ليس لدينا الآن أي لقاح لعلاج التهاب الجهاز التنفسي الحاد ‘سارز’ إذا ما عاود هجومه. ولا ندري كيف نعالج متلازمة الشرق الأوسط التنفسية ‘فيروس كورونا’، فيما استغرق الأمر من ستة إلى تسعة أشهر كي نبدأ في التجارب الإكلينيكية للقاحات إيبولا. أما عن استفحال السلالة الفيروسية ‘أتش1أن1’ من أنفلونزا الخنازير، فقد كان عدد من شاركوا في الدراسات الإكلينيكية العشوائية يقترب من الصفر”.

3750 عدد الأمراض والأوبئة التي تحتاج إلى اختراع أدوية عاجلة لها

ومع أن بعض هذه الأوبئة ظهر منذ سنوات طويلة، على غرار مرض السلّ والإيدز، فإن بعضها الآخر حديث ويطلّ من وقت إلى آخر ليزيد من تأزم الوضع الصحي في العالم، فمن فيروس “السارس” إلى أنفلونزا الطيور والخنازير، ويؤكد العالم أن إيبولا وكورونا لن يكونا آخر هذه التحدّيات.

ومع حلول الشتاء قد يُطلب من كل من تصيبه أعراض الأنفلونزا في أوروبا أن يسجّل اسمه ضمن تجربة إكلينيكية عشوائية، حيث يمكنه تناول عقار قد ينجح في علاج العدوى، أو قد لا يفلح في ذلك. وسيسهم أولئك الذين سينخرطون في هذه التجربة في مساعدة العالم كي يعد العدة لمواجهة جائحة فتاكة محتملة قادمة، فضلا عن مد يد العون للعلماء ممن يسعون جاهدين إلى سد الثغرات المعرفية التي تخلفت عن الفرص المهدرة السابقة.

عملية عبثية

ترودي لانج، أستاذة بحوث الصحة العالمية بجامعة أكسفورد، والتي تعكف على تذليل العقبات التي تقف حائلا دون مكافحة هذه الأمراض، قالت إن البيروقراطية والقيود اللوجيستية وانعدام الرؤية واستبصار العواقب، تمثل جوهر هذه المشاكل.

وخلال تفشي وباء الإيبولا، الذي اجتاح غينيا وليبيريا وسيراليون، كُلّف فريق لانج الذي تخصص في تخطيط وتنفيذ التجارب بين من هم عرضة للإصابة وسط الظروف العصيبة، بتصميم تجربة إكلينيكية لإيجاد علاج محتمل للإيبولا. وعلّقت لانج على ذلك قائلة إن “الأمر يستغرق عادة 18 شهرا لتصميم تجربة وقد أنجزنا ذلك في 18 أسبوعا فقط لكن المشكلة أننا كنّا قد تأخرنا”.

وأثناء تفشي السلالة الفيروسية أتش1أن1 من أنفلونزا الخنازير عام 2009، عندما قامت حكومات كثيرة بتخزين عقاقير لمكافحة الفيروسات، مثل تاميفلو الذي تنتجه شركة روش للمستحضرات الدوائية وريلينزا من إنتاج شركة جلاكسوسميثكلاين، ووصفها الأطباء كإجراء وقائي دون وجود تشخيص مؤكد، لم تجر أي تجارب إكلينيكية عشوائية للجزم بمدى فعالية هذه الأدوية. وأدى ذلك إلى قلة أو عدم توافر أدلة مؤكدة لدى مسؤولي الصحة يستندون إليها في اتخاذ القرارات العلاجية عندما تتهدد العالم جائحة عالمية من سلالة فيروسية جديدة للأنفلونزا.

وقال كريس باتلر، أستاذ العلوم الإكلينيكية بمعهد الصحة العامة والرعاية الأولية بجامعة كارديف، “من المؤسف للغاية أننا لم نغتنم الفرصة لإيجاد أدلة”.

وقد دفع هذا الأمر ببعض المشكّكين إلى القول، إن الدعاية الضخمة التي رافقت ظهور هذا المرض، إلى اتهام مافيا شركات الدواء بتضخيم هذا المرض لغايات ربحية.

ومن أشهر من أثار الجدل في هذا السياق، العالم الأميركي د.ليوناردو هوردتيز، الذي قال، قبل سنوات، إن فيروس أنفلونزا الخنازير الذي اجتاح بلدان العالم في ظرف قياسي، “هو مؤامرة يقودها سياسيون ورجال مال وشركات لصناعة الأدوية في الولايات المتحدة الأميركية”. وممّا يضاعف من أرباح مثل هذه الشركات وبالتالي يضاعف من الخطر الصحي العالمي، النقص في التجارب، حيث بات في حكم المؤكد أن بدء إجراء تجارب إكلينيكية خلال أي تفش ستكتنفه صعوبات ترجع جزئيا إلى أن أي سلالة جديدة أو نادرة من المرض يمكن أن تصيب الكثيرين وتصيب الخدمات الصحية بالشلل كما ترجع أيضا إلى وجود عقبات بيروقراطية. ومُنح فريق لانج أموالا في سبتمبر من العام 2014 وتمكن في يناير 2015 من بدء تجارب غير أن ذلك تزامن مع تراجع حاد في أعداد مرضى الإيبولا، فيما كان غرب أفريقيا قد بدأ يشهد تعافيا تدريجيا من الوباء.

وأشار العلماء إلى كمّ هائل من استيفاء النماذج وملء الخانات الملائمة وصياغة العقود واجتماع اللجان وتوقيع الاتفاقيات وهي أمور يتضمنها التجهيز لأي تجربة إكلينيكية. وقال باتلر “الأمر يتطلب كمّا هائلا من التراخيص. إنها عملية عبثية يمكن أن تستغرق عدة أشهر. أصاب بالصداع كلما فكرت في كل هذه الموافقات”، من لجان الأخلاقيات والجهات الراعية والمحامين وكبار مسؤولي البحوث والتطوير والعاملين بالعيادات. ويستلزم الأمر موافقات قانونية بين موردي المنتج أو العقار التجريبي واللقاح أو غيرها وبين من يجرون التجربة والموردين والمستشفيات والعيادات.

وفي حال تفشي مرض سريع العدوى، لا سيما متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (فيروس كورونا) في السعودية أو السلالة الفيروسية الجديدة “اتش7ان9” لأنفلونزا الطيور بالصين، فإن مثل هذه المسائل القانونية يمكن أن تتفاقم بفعل التنافس على العثور على المرضى. وقالت لانج “نحتاج إلى بروتوكولات جاهزة للعمل وإلى قوة مهام على أهبة الاستعداد من العاملين في مجال البحوث في كل مكان لنشرهم في تجارب التفشي القادمة”.

عنصرية شركات الدواء

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على أول إصابة بين البشر بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (فيروس كورونا) يرى العلماء، وشركات الأدوية، أنه لا يوجد عذر يبرر عدم التوصل إلى لقاح كان من الممكن أن يحمي من يصابون بالمرض الآن في كوريا الجنوبية، أو يلقون حتفهم بسببه.

ويذهب بعض الخبراء إلى القول إن العنصرية تدخل أيضا في تأخّر صناعة بعض اللقاحات، وقد برزت هذه الاشكالية بشكل كبير مع وباء الإيبولا، حيث أرجع البروفيسور جون أشتون، رئيس كلية الصحة العامة في المملكة المتحدة، تأخر إنتاج لقاح ضد فيروس الإيبولا إلى “الإفلاس الأخلاقي” لصناعة الأدوية لعدم الاستثمار في المرض، لأن أغلب المتضررين حتى الآن من أفريقيا رغم سقوط المئات من الضحايا. وأضاف أشتون أن “الغرب يحتاج إلى علاج الفيروس القاتل إن كان قد تفشى فقط في أغنى ضواحي لندن بدلا من سيراليون وغينيا وليبيريا”.

وبرهن على موقفه بالمقارنة بين تباطؤ الاستجابة الغربية والدولية لصنع مضاد لفيروس إيبولا، مقابل المسارعة بإنتاج مضادات لمرض الإيدز، بمجرد انتشاره في الولايات المتحدة وبريطانيا في ثمانينات القرن الماضي، مع أنه أودى قبل هذا بحياة الملايين في أفريقيا قبل صنعهم لهذا العلاج دون أن يتحرك الغرب.

ولم يختلف عن ذلك، عبدالرحمن النجار، أستاذ علم الأوبئة بجامعة القاهرة، الذي يرى أن هناك بالفعل أمراضا فيروسية خطيرة تظهر بشكل مفاجئ تصاحبها حملة إعلامية ترفع من درجة الهلع في مختلف أنحاء العالم، قبل أن يتم الإعلان عن اكتشاف مصل أو تلقيح، يتم بيعه لدول العالم الثالث خصوصا بمبالغ طائلة، وهناك أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير ثم الكورونا وأخيرا، وليس آخرا، الإيبولا كأدلّة.

7