إيبولا يفرض مراجعة الحوكمة الصحية العالمية

الثلاثاء 2014/10/07

تكافح الدول والمنظمات الدولية، من مجلس الأمن الدولي إلى شوارع منروفيا، من أجل فرز الأضرار التي لحقت بالنظام الاجتماعي والكرامة الإنسانية من انتشار وباء الإيبولا في غرب أفريقيا. وعلينا أن ننتظر حتى نرى إن كان التصعيد في حجم ردات الفعل قادرا على السيطرة على الوباء.

لكن تنتظرنا هناك تقديرات أخرى تخص التحدي لتحديد موطن الداء والأخطاء المرتكبة، ولماذا وصلنا إلى أزمة، وكيف يمكن ضمان ألا يتكرر مثل هذا الخطأ مرة أخرى.

أولا يجب على مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، أن يقوم بتحقيق مستقل في تفشي الوباء وردات فعل المجموعة الدولية. لقد صرح مجلس الأمن بأن انتشار هذا الوباء يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، ومن شأن دعم مثل هذا التحقيق أن يؤكد جدية القرار. يجب أن يبحث التحقيق فيما حدث انطلاقا من المستوى المحلي إلى مكتب المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، ويجب أن تجمع المعلومات عن كيفية ردة فعل الفاعلين الآخرين في مجال الصحة العالمية من بلدان ومنظمات إقليمية ومنظمات غير حكومية وشركات طيران وشركات كبرى أخرى. إن إجراء فحوصات طب شرعي حول تفشي الوباء له ما يبرره نظرا لأن أصابع الاتهام موجهة حاليا إلى بعض الأطراف، ولا يمكن ترك التحقيق في أيادي منظمة الصحة العالمية.

يتعين على البلدان الأفريقية، بدعم من الاتحاد الأفريقي، أن تصر على قيام مجلس الإدارة في منظمة الصحة العالمية ومجلس الصحة بإعادة النظر في القرارات المتخذة مؤخرا بخصوص مسائل الميزانية وإصلاح المنظمة. وجدير بالذكر أن التغطيات الصحفية تناولت مسألة مدى تأثير التخفيضات في الميزانية المخصصة لمراقبة الأمراض المعدية والقدرات على الرد بفعالية إزاء انتشار الوباء.

ومثلما تبرهن أزمة الإيبولا يمكن أن تكون للقرارات حول الأولويات والميزانيات نتائج غير مقصودة تلحق الضرر بشكل غير متناسب بالبلدان والمجتمعات الأقل قدرة على إدارة حوادث الأمراض الخطيرة.

كما يجب أن تكون مأساة الإيبولا مصدرا للمعلومات في مفاوضات “أهداف التنمية المستدامة” الجارية حاليا في الأمم المتحدة، ويضم إطار العمل المقترح الذي أعد في شهر يوليو الماضي دروسا مستخلصة من انتشار وباء الإيبولا بهدف تقوية القدرة وخاصة في البلدان النامية، ومن أجل الإنذار المبكر وتخفيض المخاطر وإدارة المخاطـر الصحية المحلــية والعــالمية.

وجدير بالذكر كذلك أن خبراء الصحة العالمية أبلغوا عن نقص القدرات في المجال الصحي في البلدان المتضررة من منطقة غرب أفريقيا، وكانوا قد حددوا هذا المشكل لسنوات في كثير من البلدان والمناطق في العالم النامي وعبّروا عن قلقهم لغياب أية إستراتيجية جدية لمعالجته. إن إجراء مفاوضات بشأن أهداف التنمية المستدامة يوفر فرصة سانحة لجعل الاهتمام السياسي، في المستوى العالي، يتركز على نقطة الضعف المتفاقمة والمنسية هذه في نظام الصحة العالمية.

وعلى المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، مارغريت شان، أن تصدر تعليمات للجنة المراجعة بموجب قوانين الصحة الدولية (2005) لتحليل عمل هذه القوانين خلال انتشار وباء إيبولا مثلما فعلت في سنة 2010 فيما يتعلق بوباء إنفلونزا الطيور.

وبالفعل أثيرت عدة أسئلة حول فائدة قوانين الصحة الدولية وفعاليتها بالتزامن مع انتشار إيبولا، وتتراوح هذه الأسئلة بين طول الوقت الذي استغرقه إعلان المديرة العامة، بأن الوباء حالة طارئة تخص الصحة العمومية وتحظى بانشغال دولي، إلى التجاوزات المفترضة لقوانين الصحة الدولية من قبل حكومات فرضت إجراءات سفر وتجارة أضرّت ببلدان أفريقيا الغربية وعرقلت الجهود من أجل إدخـال المســاعــدات إلــى البلــدان المتضررة.

على التحليل المرتبط بوباء إيبولا تحديدا أن يراجع التوصيات الصادرة عن وباء إنفلونزا الطيور، إذ أوصت اللجنة مثلا بأن تقوم منظمة الصحة العالمية بتقوية قدرتها على ردة الفعل المستدامة لحالات الطوارئ في إطار الصحة العمومية ذات الاهتمام الدولي، وهو ما يثير تساؤلات حول التخفيضات في ميزانية منظمة الصحة العالمية في هذا المجال.

كما اقترحت اللجنة تأسيس صندوق طوارئ لدعم القدرة على التدخل السريع للرد على الحالات الطارئة في مجال الصحة العامة الدولية، وهي توصية لم تؤخذ بجدية في أي مكان في الحوكمة الصحية العالمية لكنها لو طبّقت قد تكون قدمت المساعدة في الرد على انتشار إيبولا.

إن مثل هذه الاقتراحات تنتمي إلى قواعد الطب الصارمة، لكن ما حدث في غرب أفريقيا يحتاج إلى ما هو أكثر من حملات تدخل سريع مرتبطة بالعسكر وفرز إنساني في ظروف ميئوس منها.


باحث بالمعهد البريطاني للدراسات الدولية (تشاتام هاوس)

6