إيجاد حل للأزمة الليبية خطوة أساسية لمجابهة الإرهاب

الاثنين 2015/01/12
ميليشيات مصراته المحسوبة على الإسلاميين المتشددين تعد الأخطر على وحدة ليبيا

أدّى التدخل الدولي في ليبيا، غداة الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، إلى سقوط الدولة المركزية ومنظومة القيم الحضارية، وسيطرة ميليشيات مسلحة على مناطق مختلفة مما تسبّب في حالة من الفوضى العارمة، انجرّت عنها مخاطر كثيرة على المستوي الوطني وتهديد لأمن دول الجوار والإقليم والعالم، مما يقتضي الآن أن تتكاتف جهود الجميع لإيجاد حل لهذه الأزمة يكفل عودة الأمن والاستقرار إلى الداخل الليبي وإلى المنطقة عموما.

مطلب إنهاء الأزمة الليبية من أجل ضمان استقرار المنطقة يحظى باهتمام دولي كبير، وخاصة دول الجوار العربي؛ تونس ومصر والجزائر، وانطلاقا من أنّ ليبيا وهذه الدول تشكل تكاملا جغرافيا وسكانيا لبعضها البعض، فمن المهم إيلاء أهمية خاص لما يجري في ليبيا من أجل تحقيق الاستقرار والنمو الحقيقي في البلد الذي يشهد اقتتالا يوميا على عدة جبهات.


كيف تتوزع خارطة الميليشيات؟


يتّسم المشهد السياسي في ليبيا اليوم بالفوضى العارمة وانهيار تام لمنظومة الدولة المركزية ومنظومة القيم الحضارية وتفشّي الفساد المالي والإداري، وعجز كامل للسلطة المركزية التي انبثقت بعد سقوط طرابلس، وسيطرة ميليشيات رئيسية هي:

* المجموعات السياسية المتسترة بالدين: وهي القوة الأساسية المسيطرة على ليبيا أرضا وقرارا وموارد، وهي التي تشكل أهمّ الميليشيات المسلّحة التي تتكون من المجموعات الإرهابية المتطرفة، المتمثّلة في الجماعة المقاتلة وتنظيم أنصار الشريعة، أحد مكونات تنظيم القاعدة الإرهابي، وتنظيم الإخوان المسلمين. وتسيطر هذه الجماعات المتطرّفة على مدن هامة مثل مصراته، درنه، بنغازي، تاجوراء، سوق الجمعة، الزاوية، صبراتة وسرت.

وقد كوّنت ما يُسمّى بـ"الدّروع"، وهي قوّة مسلّحة شبه عسكريّة موازية لـ”الجيش” وتتكوّن من أعضاء التنظيمات الإسلامية المتطرفة، وتسخّر لها النسبة الأضخم من ميزانية الدولة وتقودها شخصيات متشدّدة مصنفة كـ”إرهابية” معروفة. وقد تمكّنت هذه الميليشيات من السيطرة الكاملة على أغلب الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات العامة، اللجان الأمنية، أجهزة وزارة الداخلية وغرفة عمليات الثوار)، عن طريق شخصيات قيادية في التنظيم لها سوابق إرهابية على المستوى العالمي. وأدت تلك السيطرة، على وجه الخصوص، إلى تداعيات خطيرة وكارثية على الشعب الليبي امتدت آثارها المدمرة إلى المنطقة العربية والأفريقية والمتوسطية، وحولت ليبيا إلى بؤرة تهديد حقيقي للأمن الإقليمي والدولي، خاصّة بعد أن تمكنت من السيطرة على الموارد المالية الضخمة لليبيا وسخرتها لتمويل عملياتها في المنطقة، كما حولت البلاد إلى ملاذ آمن لقيادات القاعدة.

ولعل عمليات القتل البشعة (الذبح) التي تعرض لها عدد كبير من المواطنين الليبيين، ومن جنسيات أخرى، طيلة مدّة السابقة والذين يقدر عددهم بحوالي 2887 حالة اغتيال عام 2014 فحسب، حسب إحصائيات الدولة، توضح حجم الجريمة التي تجري في ليبيا على مرأى ومسمع من العالم.

ليبيا أضحت من الناحية الواقعية مقسمة إلى شبه دويلات مستقلة عن بعضها البعض تديرها ميليشيات لا ترتبط بالسلطة المركزية

* الميليشيات الجهوية: هي ميليشيات قبلية تمكنت بسبب مشاركتها في فبراير 2011 من انتزاع تأييد دولي وتكوين مجموعات عسكرية. وقد استحوذت بعد سقوط طرابلس على آليات قتالية جعلتها قوة عسكرية مهمة، وتقودها عناصر يصفها المراقبون بأنها “متهورة وغير مسؤولة ولا تخضع للضوابط القبلية”، وتتمثل في:

*أولا، ميليشيات مصراته التي تعتبر القوة العسكرية الأهم في ليبيا، حيث تمكنت من الاستحواذ على كميات ضخمة من أسلحة الجيش الليبي، وشكلت مجموعات عسكرية تفرض سيطرتها على معظم المنطقة الغربية. وعقدت اتفاقا مع الميليشيات الإرهابية الدينية، حتى أضحى من الممكن القول إن مصراته هي حصن المجموعات الإرهابية. ولقد شكلت عملية ما سمي بـ”فجر ليبيا” واقعا أدمج ميليشيات مصراته مع الميليشيات الإرهابية.

* ثانيا، ميليشيات الزنتان في الجبل الغربي التي تعتبر ثاني أهم قوة عسكرية في ليبيا بعد تشكيلات مصراته القبلية. وعلى الرغم من سيطرة زمرة من قيادات الإخوان على مدينة الزنتان إلاّ أن ميليشيات الزنتان أبرمت في إطار صراعها مع ميليشيات مصراته تحالفا مع المجموعات الليبرالية.

* ثالثا، ميليشيات سوق الجمعة وتاجوراء، وهي من بين المجموعات النافذة أيضا التي تسيطر على طرابلس، وتتكون كذلك في معظمها من عناصر إسلامية متطرفة.

* رابعا، ميليشيات برقة التي تتكون في أغلبها من بقايا الجيش الّتي انظمت إلى صف الثوار عقب أحداث فبراير 2011، وميليشيات بعض القبائل، ولا تتمتع هذه الميليشيات بنفس القدر من التسليح الذي يميز المجموعات سالفة الذكر.

*ميليشيات عصابات الجريمة المنظمة: تكونت من عصابات إجرامية فرّت من السجون إثر سقوط طرابلس، واستحوذت على الأسلحة وكونت مناطق نفوذ آمنة لها في عدد من الأحياء والقرى، وهي تمثل اليوم قوة أساسية على الأرض، وربما لها الرأي الفصل في كثير من الأمور.


بماذا يتسم الوضع السياسي والأمني؟


يتميز الوضع السياسي والأمني منذ سقوط طرابلس في أيدي الميليشيات الإرهابية بتقسيم السلطة الوهمية في ليبيا إلى سلطتين؛ سلطة الإسلاميين المتطرفين الذين يسيطرون على المنطقة الغربية والجنوبية بالاعتماد على ما يُسمي “المؤتمر الوطني” و”حكومة عمر الحاسي” المنبثقة عنه من جهة، وسلطة مجلس النواب (صاحب الشرعية الدولية) وحكومة عبدالله الثني المنبثقة عنه اللذين يدعمان “عملية الكرامة” التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في المنطقة الشرقية من جهة أخرى.

هذا الانقسام أوجد له حالة من الفوضى على الأرض انعكست بدورها على الواقع الأمني والسياسي في البلاد، مما تسبب في مزيد انتشار السلاح، داخل المدن والقرى والتجمعات السكنية والمنافذ المختلفة. بالإضافة إلى تكوين الميليشيات المسلحة التي بسطت سيطرتها على الأحياء والشوارع والقرى، ممّا أدى إلى تكرّر النزاعات المسلحة بينها، وإزهاق العديد من الأرواح البريئة.

قوات الجيش الليبي تكافح لتطهير البلاد من بؤر التشدد

مع غياب واضح للدولة تجسّد في عدم تمكن أجهزة القضاء والشرطة من أداء مهامهما وتعطيل العمل بالقوانين، حيث تنتشر بالعاصمة طرابلس وبنغازي ومختلف المدن الآن أعمال الاغتيال والنهب والسطو المسلح، وأعمال الاختطاف والاختفاء القسري. كما لا تتورع هذه المجموعات عن استهداف وتصفية القضاة ورجال النيابة ورؤساء المحاكم والنيابات والمستشارين واغتيال وخطف المحامين.

من جهة أخرى، أضحت السجون منتشرة في الأحياء السكنية وفي ضواحي العاصمة دون أن تتمكن السلطات الرسمية من الوصول إليها أو السيطرة عليها. وقد بلغ عدد مراكز الاحتجاز أكثر من 700 سجن خاضعة لسلطة الميليشيات التي تديرها دون أي ضوابط قانونية أو أخلاقية. كما أنّ أغلب عمليات الاعتقال تتمّ خارج إطار القانون ودون علم النيابة، ويتعرض المعتقلون إلى صنوف تعذيب تتنافى جملة وتفصيلا مع أبسط المبادئ الإنسانية. وقد انتشرت مقاطع فيديو لعمليات تعذيب حقيقيّة لأشخاص معروفين قضوا تحت التعذيب، هذا بالإضافة إلى اعتقال النساء والشيوخ ورجال الدين الوسطيين.

في سياق آخر، فإنّ ضعف السلطة المركزية جعلها تتخلّى عن حماية بعض المرافق السيادية والحيوية لفائدة الميليشيات التي تتصارع في ما بينها من أجل المنافع الخاصة، مثل صراعها حول السيطرة على الموانئ النفطية والمطارات والحدود، بالإضافة إلى نشوب النزاعات القبلية بشكل لم يعرفه التاريخ الليبي من قبل ونشر الفتن والعصبيات القبلية، وانتشار تهريب المخدرات والذخيرة والأسلحة عبر الحدود المصرية والتونسية بالخصوص. كما نشطت عمليات التهريب الضخمة للسلاح الثقيل والعربات العسكرية والمركبات والمخدرات عبر منطقة الساحل والصحراء.

هذا وتظلّ سيطرة تنظيم القاعدة والجماعة الليبية المقاتلة على أهم المفاصل العسكرية والأمنية في ليبيا، هي المهدد الرئيسي للأمن الوطني والإقليمي والدولي.

جلّ هذه المعطيات تحيل المتابع إلى أنّ ليبيا أضحت من الناحية الواقعية مقسّمة إلى شبه دويلات مستقلة عن بعضها البعض تديرها ميليشيات لا ترتبط بالسلطة المركزية، خاصة في المدن التي تعتبر نفسها انتصرت في ثورة فبراير 2011، مثل مصراته والزنتان، وهو الأمر الذي أدّى إلى تصاعد النزعات الانفصالية بهذه المناطق.


كيف يقرأ الوضع الاقتصادي؟


يوصف الوضع الاقتصادي الذي تمرّ به ليبيا، منذ 2011، بالكارثي نتيجة سيطرة المجرمين واللصوص على الدولة، ويمكن تلخيص المسببات الرئيسية التي أفضت إلى تأزم الوضع في الآتي:

* أولا، ألحق النزاع في ليبيا دمارا بالبنى التحتية والمنشآت المدنية والعسكرية والخدمية والإنتاجية، وتوقفت مشاريع التنمية.

* ثانيا، النهب المنظم للثروة النفطية وعدم انعكاس عائدات النفط الليبي ما بعد سقوط النظام على مستوى عيش الليبيّين.

2887 حالة اغتيال سجلت سنة 2014 حسب إحصائيات للدولة الليبية

* ثالثا، إهدار المال العام عن طريق تجاوزات مالية خطيرة وسياسات نقدية غير مسؤولة منها قيام عصابات المافيا الدولية بمحاولة الوصول إلى الأموال الليبية المجمدة تحت ذريعة تتبع الأموال المهربة والمسروقة من أتباع النظام السابق، ولقد تأكد، وفق مراقبين، أنّ الأمر يتعلق بالأموال المملوكة للمؤسسات الرسمية لليبيا. هذا بالإضافة إلى صرف مليارات الدولارات مقابل استجلاب عناصر نظام القذافي الذين غادروا البلاد.

* رابعا، اختفاء الكثير من المبالغ المالية الضخمة من المصارف وشركات التأمين والصناديق التي كانت تسدّد رواتب المتقاعدين والعاطلين عن العمل وذوي الدخل المحدود. وعلى الرغم من تتالي الدفعات التي أفرجت عنها مختلف المؤسسات والمنظمات الأوروبية والأميركية بعد تجميدها، فقد فُقِدت آثار هذه الأموال وأصبحت تتعرض للتهريب نحو الخارج بمجرّد وصولها إلى ليبيا.

* خامسا، انهيار المنظومة المصرفية، وبدء إبرام اتفاقيات مريبة تدخل ضمن إطار مكافأة حلفاء الحرب على ليبيا.

* سادسا، اضطراب خطوط التصدير والاستيراد وإجبار التجار والموردين على دفع رسوم إضافية واستحواذ الميليشيات على بضائعهم دون وجه حق بموانئ مصراته وطرابلس والخمس وبنغازي. بالإضافة إلى سوء إدارة الاستثمارات الليبية في الخارج وخصوصا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.


ما هي القطاعات الأخرى المتضررة؟


أصبحت ثقافة التطرف تخيم على المشهد اليومي الليبي، وقد انعكس ذلك على عدد من القطاعات، من بينها القطاع الإعلامي الذي سيطر عليه المتشددون الذين يتخذون الدين مطية للوصول إلى مآربهم السياسية والشخصية، مما تسبت في اتّسام الخطاب الإعلامي عموما بالسطحية والشعبوية، حتّى أنّه أضحى يعرقل كل محاولات الحوار الوطني والمصالحة الشاملة، هذا بالإضافة إلى الانعكاسات الأخرى التي انجرّت عن اعتقال هؤلاء المتطرفين لأعداد كبيرة من الإعلاميين المناهضين لهم قصد تعنيفهم بسبب آرائهم.

وكذلك الضغط على الدول وتهديدها لمنع بث قنوات فضائية تتحدث بخطاب إعلامي ضد الميليشيات.

قطاعات أخرى كثيرة تضررت شأن القطاع الإعلامي مما تسبب في تفاقم المشاكل الإنسانية والاجتماعية والصحية إلى درجة أضحت معها جل المنظمات الإنسانية الإقليمية والدولية تحذر من مغبة ما آلت إليه الأوضاع بسبب العديد من المشاكل التي تتلخص في تهجير أكثر من ثلث السكان الليبيين الذين يعيشون في ظروف إنسانية بالغة السوء، ويشكلون أعباء أمنية واقتصادية واجتماعية على دول الجوار.

هذا بالإضافة إلى عدم السماح للعديد من المنظمات الدولية كالصليب الأحمر وغيره بزيارة مخيمات النازحين والمناطق المدمّرة بالكامل بغرض إخفاء عمليات الانتقام والتصفية المتعمدة. من جهة أخرى فقد انهارت منظومة الخدمات بشكل تام، خاصة خدمات الكهرباء المتوقفة منذ فترة، وما نتج عن ذلك من أضرار انعكست على القطاعات الصحية والخدمية والإنتاجية.

الانقسام أوجد حالة من الفوضى على الأرض انعكست بدورها على الواقع الأمني والسياسي في البلاد، مما تسبب في مزيد من انتشار السلاح


كيف تعالج الأزمة الليبية؟


لا شك أن استقرار ليبيا يعدّ عاملا أساسيا لاستقرار دول الجوار والإقليم عموما، ومن المؤكّد أنّ انهيار الدولة الليبية وسيطرة الميليشيات وانتشار السلاح وحالة الفوضى ألقت بظلالها على هذه الدول على جميع المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل هذه الدول مسؤولة بشكل أو بآخر على المساهمة في إيجاد حل بأسرع وقت ممكن حتى لا تتفاقم المخاطر والتهديدات التي تطالها بشكل مباشر.

من جهة أخرى أضحى من الثابت أنّ الميليشيات الإرهابية ليس من صالحها إيجاد حل للأزمة الليبية والوصول إلى بناء دولة ديمقراطية مستقلة ومسؤولة في محيطها الإقليمي والدولي، لذلك ما فتئت هذه الجماعات تعرقل كلّ محاولة جادّة لإيجاد حل للأزمة، لكنّ التعنت يجب أن يواجه بصرامة وإصرار على إيجاد مخرج لهذا المأزق المتنامي.

مخرج لا يمكن أن يمرّ إلاّ عبر بوابة الحوار الوطني بين مكونات الشعب الليبي الاجتماعية والثقافية والسياسية برعاية وضمانات إقليمية ودولية، يقوم على أساس التأكيد على وحدة ليبيا أرضا وشعبا وعلى ضرورة اضطلاعها بدورها الإقليمي والدولي في إقامة الأمن والسلم العالميين.

وبهذا فإنّ مفتاح الحل في ليبيا يكمن في تحديد العدو الرئيسي لشعبها وللمنطقة عموما والمتمثل في الإرهاب، ومكافحة هذه الآفة تتطلب بناء دولة مركزية ديمقراطية في ليبيا، وهذا يحتاج إلى تكاتف الجهود في الداخل والخارج، خاصة دول الجوار المطالبة بلعب دور محوري في حلّ الأزمة عبر دفع الليبيين لإقامة حوار يجمع جلّ الفرقاء المناهضين للإرهاب والداعمين لبناء دولة مدنية تعيد الأمن والاستقرار لشعبها.

6