إيجور سيرجون جنرال روسيا الذي عاش ومات في الظل

السبت 2016/01/09
جنرال أدخل تعديلات كبيرة على جهاز المخابرات

بروكسل - يعتبر جهاز المخابرات أحد الأجهزة الحساسة في الأنظمة التي تقوم على النظام الهرمي الذي يضع الجميع في عباءة الرئيس. الذي يرسم في هذه الأنظمة بدقة كل التفاصيل التي تهندس الحكم لتثبيته واستمراره داخليا وخارجيا من خلال أجهزة عديدة أبرزها جهاز المخابرات الذي يعيش رجاله في الظل غالبا.

عبر ذلك الظل الذي يعيشون فيه يمنحون لرجال السياسة فرصة البقاء وربما السلطة بمعناها الشمولي كما حدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي وصل إلى الرئاسة عقب تنحي بوريس يلتسين، وعاد إليها بعد انتهاء الفترة الأولى من حكم صديقه ديمتري ميدفيديف الذي كان صمّام الأمان لضمان بقاء النهج البوتيني في روسيا.

انحسار وتمدد

وريثة الاتحاد السوفييتي روسيا بدأت تتمدّد خارجيا بعد سنوات الانحسار التي تلت تفكك الاتحاد، وبفعل انشغالها بإعادة ترميم النظام الفيدرالي الجديد، وجدت مخابراتها الفرصة سانحة أمام الإدارة السياسية بالانطلاق عميقا في الشرق الأوسط تحديدا نتيجة الانكفاء الأميركي والتردد الذي تعيشه إدارة البيت الأبيض بقيادة باراك أوباما. هذا ليس تنجيما بل هي تقارير ترد متتالية لا يمكن قراءتها دون حل الشيفرة. فما قاله رئيس دائرة الاستخبارات العسكرية الروسي إيجور سيرجون الذي قضى في ظروف غامضة في الخامس من يناير 2016، من أن “تغيّر الوضع العالمي يتطلب موضوعيا تعديل الأولويات الاستطلاعية الروسية وآليات تنفيذها”، يضعنا أمام عمل أذرع المخابرات التي تدفع في كثير من الأحيان القرار الروسي نحو صدارة المشهد المحتدم أصلا.

إيجور سيرجون وصفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في رسالة العزاء التي أرسلها إلى عائلته بأنّه كان بطلا وضابطا أصيلا ووطنيا، مات بشكل مفاجئ عن عمر تجاوز الثامنة والخمسين عاماً بقليل.

جهاز المخابرات العسكرية الروسي يعمل اليوم بصورة مختلفة عن الأطوار التي مر بها قبل أن يتطور بشكل واسع على يد الجنرال إيجور سيرجون، الذي أدار دفته مع الغليان في المناطق الجغرافية التي تشكل حساسية عالية لموسكو، مثل شبه جزيرة القرم وأوكرانيا والعراق وسوريا في وقت لاحق

الرجل الغامض

ولد إيجور لعائلة متواضعة في روسيا عام 1958 وعاش حياته الأولى بكل ما فيها من مراحل بهدوء شاب يحلم بمستقبل أفضل دوماً. قبل أن ينتسب إلى السلك العسكري الذي سرعان ما شعر قادته أنهم أمام مشروع ضابط مخابرات من الطراز الرفيع.

الهدوء التام وسرعة البديهة والقدرة على اتخاذ القرار ورسم الخطط التي تصب في صالح البلاد كانت من أهم ما ميّز الضابط الجديد الذي أخذ طريقه العسكري تدرجاً وصولاً لرئاسة الإدارة الأهم بين الدوائر التي تتبع لقيادة الأركان الحربية في الفيدرالية الروسية.

تغيب تفاصيل حياة إيجور سيرجون تماماً حتى قرار تعيينه رئيساً لدائرة الاستخبارات العسكرية وكذلك في بيان وفاته. تفاصيل شحيحة اقتصرت على أن الرجل كان مشرفا على إدارة الملحقية العسكرية في السفارة الروسية بالعاصمة الألبانية تيرانا، قبل أن يتم استقدامه إلى موسكو وتعيينه في السابع والعشرين من ديسمبر من عام 2011 رئيساً لدائرة المخابرات العسكرية التي تتبع لإدارة الأركان العسكرية، وهي إحدى الجهات الثلاث في روسيا الفيدرالية التي تملك شيفرة السلاح النووي الروسي.

سريعا ما سطع نجم الرجل في عالم الظل الذي تديره المخابرات. حيث بدأ إجراءات حقيقية لتطوير عمل الملفات التي يديرها جهازه، وصولاً إلى تأكيده أمام القيادة في الكرملين أنه قادر على تغيير المعطيات العالمية إذا ما تم المساس بنشاط الاستخبارات التي يديرها، ومن هذه النقطة تحديدا في ما يبدو، نال الرجل الصلاحيات التامة ليجعل من الاستخبارات الحربية جهازا فريدا من نوعه على مستوى العالم حيث يضم في هيكليته أصناف واتجاهات الاستطلاع كافة.

روسيا اليوم تستفيق من صدمة انحسار نفوذ الاتحاد السوفييتي وتسعى لتعزيز عقيدة قيصرية جديدة لدى أجهزة مخابراتها وقواتها المسلحة

القيصرية

لا بد من القول إن جهاز المخابرات العامة الروسية وأجهزته الفرعية تمثل عاملا حاسما في القرار السياسي والاقتصادي والعسكري، لا سيما وأن الرئيس ذاته ضابط مخابرات سابق. حيث تلك التقارير المبنية على عملاء أو بنية هرمية تقوم بدور الاستطلاع الدائم على القرارات السيادية الداخلية والخارجية، في منطق الدول بالعموم. لكن مع الحالة الروسية التي تسعى للقيام بمهام القيصرية البائدة فإن تلك الدوائر المغلقة تسعى لترسيخ السلطة المطلقة منذ تأسيسها في الخامس من نوفمبر لعام 1918، منذ ذلك التاريخ ورجال المخابرات يعيشون في الظل إلى إن دفعت بهم الأقدار إلى واجهة العمل السياسي كما حدث مع الرئيس الحالي فلاديمير بوتين.

مرَّ جهاز المخابرات العسكرية الروسي بأطوار كثيرة قبل أن يتطوَّر بشكل واسع على يد الجنرال إيجور سيرجون، الذي أدار دفته مع الغليان في المناطق الجغرافية التي تشكل حساسية عالية لموسكو، الحديث هنا عن شبه جزيرة القرم وأوكرانيا والعراق وسوريا في وقت لاحق، حيث فرضت تغيرات الوضع في العالم ككل إجراء تعديلات شاملة تتعلق بالشق الموضوعي القائم على الأولويات الاستطلاعية وآليات تنفيذها عبر جملة من المبتكرات والمنجزات التكنولوجية الإعلامية والاتصالات اللاسلكية والفضائية، هذه الخطط أتاحت لها الوصول إلى مكامن ما يعرف بقاموسها بالخطر في الميادين التي تشهد نزاعا سياسيا أو مسلحا، هذه المهام دفعت بإيجور سيرجون ليكون على رأس جهاز تتعلق مهمته الأولى بالكشف وتحديد الاعتداءات المتوقعة التي تهدد أمن روسيا الفيدرالية داخليا وخارجيا.

تراتبية الأحداث كانت قد أطاحت بالفريق ألكسندر شلياختوروف الرئيس السابق لإدارة الاستخبارات العسكرية، الذي أحيل إلى التقاعد مع تولي الجنرال الجديد إيجور سيرجون مهام الإدارة. تراتبية الأحداث أيضاً دفعت بالثورة في أوكرانيا والتدخل الروسي في شبه جزيرة القرم في مارس من عام 2014، وما نتج عنه من عقوبات طالت رجال أعمال وشركات روسية ومسؤولين في الدولة، كان اسم إيجور سيرجون واحدا منهم باعتباره العقل المدبر الدافع للقرار العسكري والسياسي معاً بحكم منصبه، الرجل الذي لا يظهر مع بوتين بصورة واحدة تشير إليه أصابع الاتهام أيضا بالوقوف خلف التدخل الروسي في سوريا وإدارته لبعض العمليات العسكرية في سماء المدن السورية التي يحتلها الطيران الروسي على غرار ما فعلت قواته على أرض شبه جزيرة القرم.

هذه العقوبات الأوروبية والأميركية على حد سواء لم تمنع الجنرال من الاستمرار بمهمته، تلك العقوبات التي استهدفت الدائرة الضيقة حول الرئيس فلاديمير بوتين دون أن يكون هو على قائمتها.

جهاز المخابرات العسكرية الروسي يحظى بمكانة خاصة لدى الرئيس بوتين لكونه ضابط استخبارات سابق

المشهد الأخير

الجنرال إيجور سيرجون كان ممدا على فراش موته بعد أن داهمته الأزمة القلبية في أحد منتجعات موسكو كما ذكرت كثير من الأنباء. التقارير أيضا لا تخفي نظرية الانتحار أو النحر لرجل عاش في الظل ودفع به الموت إلى النور. الجنرال الذي حاصرته العقوبات الأوروبية والأميركية وظلّ يدير عمليات القصف في سوريا وفرض النفوذ في شبه جزيرة القرم، غاب بعد أربع سنوات من إدارته لملف المخابرات التي تسببت بفتح جبهات مشتعلة في أماكن عديدة من العالم.

الجبهات التي تورّطت بها روسيا نراها تسعى إلى إنهائها واحدة تلو الأخرى، ففي سوريا تكرّر مرارا أنها تقف إلى جانب العملية السياسية رغم دخولها العسكري المفضوح. وفي أوكرانيا التي شهدت في النصف الأول من العام المنصرم توترات كبيرة، انتهت بالتوقيع على اتفاقية مينسك في الثاني عشر من فبراير لعام 2015 بين الجيش الأوكراني و قوات دونيتسك و لوغانسك، وسعت موسكو كما أنقرة إلى سد الذرائع كي لا تنفتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط عقب إسقاط الطائرة الروسية خلال اختراقها للأجواء التركية بينما كانت تنفذ مهمة قتالية في الأجواء السورية.

لا شك أن الجنرال إيجور سيرجون كان يسهم إلى حد كبير في إدارة تلك الملفات في الخفاء. بينما يتصدر المشهد السياسيون والضباط في الكتائب العسكرية التي تشارك في العمليات القتالية. الجنرال الذي خرج من تلك المتاهة خاليَ الوفاض تماماً بعد أن داهمه الموت على الطريقة التي عاش بها دون تفاصيل كافية عن كل شيء، ترك خلفه الكثير من الرسائل لآخرين بعده تقوم على ضرورة الاستمرار بالخط الذي أسس له في جهاز الاستخبارات الروسي الذي سعى ويسعى القائمون عليه لتغيير الوضع في العالم كما قال سيرجون ذات مرة.

الرسالة الأخيرة التي لم يقرأها الجنرال على طريقة ماركيز هي الرسالة التي نقشها المكتب الرئاسي في موسكو وأرسلها بوتين لعائلة الراحل، شاكرا له رحلته الطويلة التي انتهت بهدوء، شاهدا له أنه ظل رغم الحصار والعقوبات وجولات الحرب والمؤامرات، واحدا من المخلصين لإدارة روسيا الفيدرالية. هكذا أسدل الستار عن حياة رجل المخابرات الغامض الذي انضم إلى قائمة كبيرة من رؤساء أجهزة المخابرات في دول كثيرة حول العالم ما تزال ملابسات اختفائهم لم تتوضح حتى الآن رغم وضوح الروايات الرسمية حول ذلك، والتي كان أحدثها ما ذكرته مصادر طبية في موسكو من أن نتائج تشريح جثة رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية الروسية الجنرال إيجور سيرجون أظهرت أن سبب الوفاة مرتبط بقصور في عمل القلب. وحسب المصادر، فإن أحد أسباب وفاة الجنرال التعب الشديد الناتج عن العمل المفرط وقلة النوم، بالإضافة إلى ضغوط أخرى مرتبطة بمنصبه الرفيع.

12