إيدي بلينيل: فرنسا تفقد وجهتها وتصطدم بالجدار

الأحد 2014/05/11
إيدي بلينيل: في فرنسا كلمة لا ليست لها دلالة واحدة

نتوخى من عرض هذا الكتاب إبراز الدور الذي يرجى أن تلعبه الفئة المثقفة في تنوير الرأي العام وإبطال مفعول التنويم شبه المغناطيسي الذي يسلكه رجال السياسة وبعض وسائل الإعلام للسيطرة على عقول الجماهير واستمالتها لبلوغ مآربهم الشخصية.

في عدد سابق تناولنا كتاب عبدالملك، المغني، الشاعر، الكاتب، المخرج السينمائي وراقص الراب، الذي عنونه “ماذا لو انتخبت فرنسا رئيسا مسلما؟” والضجة التي صاحبته والخلخلة الذي أحدثها لدى القراء وجعلهم يعيدون التفكير في عدة أشياء كانت من قبيل المسلّمات لديهم.

أن نقول لا هو عنوان الكتاب الذي أصدره بمنشورات دون كيشوط، إيدي بلينيل، الرئيس المؤسس لموقع “ميديا بارت” الذي يضمّ أكثر من ثمانين ألف مشترك. إنه الرجل الذي تخشاه بل ترتجف منه الطبقة السياسية، بسبب إفصاحه عن قضايا شائكة وحقائق لا يعرفها عامة الناس، وهو الذي أحرج العديد من الساسة بمختلف ألوانهم بصراحته المعهودة وبكشفه عن المستور والدسائس.

يحكي إيدي عن أبيه الذي قال لا في زمانه (ضد العنصرية والإيديولوجيا الامبريالية) حين كان يتحمل المسؤولية بجزر المارتينيك الفرنسية، ويتكلم أيضا عن ستيفان إيسيل الذي خلص إلى أن الواجب يقتضي الاستنكار والثورة.

صدر كتاب إيدي عقب الانتخابات البلدية الأخيرة بفرنسا التي فقد خلالها اليسار هيمنته المعهودة منذ ثلاثين سنة، والتي وصفها العديد من المتتبعين بانتفاضة الشعب الفرنسي.

عن هذه الملاحظة صرح إيدي بلينيل لوسائل الإعلام الفرنسية أن “فرنسا قالت “لا” بطريقتها، و كلمة “لا” ليست لها دلالة واحدة وتحيل دائما على شيء من الخلط والمغالطات، لكنّنا نحس جيدا ما يرفضه الشعب في العمق، إنه يرفض ساسة لا يوفون بوعودهم، بل يتصرفون على النقيض من الغرض الذي انتخبوا من أجله (هذا هو الحال بالنسبة إلى الرئيس الحالي).

إنه يرفض أيضا نظاما ديمقراطيا تم احتجازه من طرف حكم تعددي لم يعد ينتمي إليه، يرفض سياسة تقشفية تسقط من علٍ وتطلب منه أن يبذل على الدوام جهدا أكبر، يرفض في العمق ذلك الإحساس بالركض باتجاه الهاوية.

كلمة "لا" هذه تلزمنا بابتكار كلمة "نعم"، لأننا إذا لم نبتكرها ـ وكتابي هو نداء لقول "لا" من أجل ابتكار "نعم"ـ فالخطر المحدق هو أنه من خلال "لا" نبحث عن أكباش فداء

كلمة “لا” هذه تلزمنا بابتكار كلمة “نعم”، لأننا إذا لم نبتكرها ـ وكتابي هو نداء لقول “لا” من أجل ابتكار “نعم”ـ فالخطر المحدق هو أنه من خلال “لا” نبحث عن أكباش فداء، لأن الدرس الثاني الذي أفادتنا به هذه الانتخابات هو أننا بصدد سباق سرعة فيما بيننا، فمنّا من يرغب في استرجاع المكتسبات الجمهورية الديمقراطية (الحرية، الأخوة، المساواة). وهناك من يقولون، في ظل هذه الأزمة ، لنخُض الحرب جميعا بعضنا ضد بعض، وهؤلاء يخدمون السياسة السائدة، أكررها دائما، حزب الجبهة الوطنية ليس حليف الشعب، فهو حين يقول حارب جارك لأنه أغنى منك أو أفقر منك، أو لأنه يخالفك في لون البشرة أو ليست له العقيدة نفسها أو ليست له الأصول نفسها… فهؤلاء هم من يصنعون حرب الفقراء ليعم الأمان عند الأغنياء والطبقة المسيطرة”.

قد يلاحظ المتتبعون أن حزب الجبهة الوطنية (اليمين المتشدد) يتجذّر في المشهد السياسي الفرنسي، وأن اليسار نفسه يميل نحو اليمين، أما كتاب إيدي بلينيل فيفصح عن تحليل آخر. إنه يرى أن اليمين المتشدد لا يستمد قوته إلا من ضعف اليمين الجمهوري وكذا اليسار.

فمن جهة اليمين الذي نسي أنه جمهوري، خاصة تحت حكم ساركوزي، فقد أصبح يمينا متشددا وتخلى عن مبادئه الأساسية، هكذا يذكر شعارات ساركوزي المبنية على الهوية الوطنية، على سمو بعض العقائد والحضارات، على خطاب داكار حول الرجل الأفريقي، على “الحلال” الذي جعل منه موضوعا وطنيا كبيرا. وباختصار، هذا ما يقصد به الكاتب البحث عن كبش فداء.

إيدي يعتبر أن المسؤولية ملقاة على عاتق كل القوى الاجتماعية من الفئة المثقفة

من جهة أخرى، هناك عقاب لليسار وتوجّسات حقيقية من حكمه الحالي وهو الذي بلغ السدة لرغبة الجماهير في طي صفحة ساركوزي وأفكاره المفزعة. الكل كان يتطلع إلى التخلص من ذلك الكابوس المزعج إلا أن هولاند بمجرد انتخابه نسي على الفور كل الذين اختاروه وصوّتوا من أجله، وهو الآن يدفع الثمن.

يرى إيدي بلينيل أن الحل ليس في تعديل حكومي، ولا ينتظر أن يأتي من رئيس الجمهورية، ففي نظره أن المسؤولية ملقاة على عاتق كل القوى الاجتماعية من الفئة المثقفة، المجتمع المدني، حماة البيئة، وحتى القوى اليسارية بما فيها الحزب الاشتراكي، للبحث عن بدائل يتم التوافق بشأنها وتقاسمها. يقول مبررا تحليله إن “هناك إكراهات ديمقراطية وأن السياسة لا تمارس فقط من خلال مؤشرات اقتصادية، لأن هناك إكراهات بيئية وهناك مخاطر تهدد كوكبنا، وهناك إكراهات اجتماعية. فالسياسة التقشفية هي أسوأ توجه يتم تبنيه، هناك أسس مشتركة، هناك تعاقد، هناك مبادئ متفق بشأنها.

كل هذا يتطلب منا أن نتخلى عن التفكير القطاعي، أن ننسى دكاكيننا وأن نبتكر بدائل. هكذا سيكون بإمكاننا أن نجتمع، وسنكون أكثر ذكاء في تعددنا بدلا من تعلقنا بشخص واحد. فلْنتخلص من الخضوع والخنوع اللذين يجعلاننا ننتظر التحية من طرف واحد، ولنبحث من جديد عن مصير مشترك”.

يستعرض المؤلف في الأخير عدة شخصيات سياسية، على غرار الجنرال دوغول، ستيفان إيسيل وآخرين، استطاعت أن تقول “لا” في ظروف أقل ما يقال عنها إنها كانت أصعب من الوضع الراهن، حيث إن هؤلاء بعثوا رسالة تفاؤل وقالوا “لا” في وقت لم تكن لهم فيه ضمانات بالذي سيقع تاليا. “حين نقول “لا” فنحن نعرف ماذا نرفض، وحين نتكلم عما نرفضه نبتكر نهجا لنا. في اعتقادي، هكذا نقتفي آثار الأمل، يجب أن نقول “لا” لنخترق هذا الضباب الذي يحجب الأمل. يجب أن نعيد للخطاب السياسي مصداقيته ومستواه الراقي، يجب أن نستعيد لغة فيكتور هوغو وخطاب جوريس، يجب أن نسترجع هذا البعد السامي وإلا سنفقد ذاكرتنا الجماعية”.

13