إيذاء النفس وسيلة صامتة للتعبير عن الاضطرابات

الأربعاء 2015/03/18
يجب احترام طريقة تعبير الأبناء عن مخاوفهم التي تغلب عليها النقمة على الآخرين

يعاني بعض الأشخاص من سوء فهم الذات أو سوء فهم الآخرين لهم أو التعرض للإهانة النفسية أو البدنية من قبل أفراد أسرهم أو أصدقائهم، لذلك، يتخذ رد فعلهم اتجاها عنيفا في محاولة لإيذاء الذات بشتى الطرق البدنية أو النفسية، وهو ضرب من عقاب النفس على جرم لم يرتكبوه في حقيقة الأمر. يزداد هذا الأمر خطورة كلما كان المرء في سن صغيرة وتحديدا في سن المراهقة.

شهدت الآونة الأخيرة حالات عديدة من إيذاء النفس بدنيا من قبل مراهقين من كلا الجنسين وفي جميع أنحاء العالم، بطرق تتمثل في جرح أو حرق أجزاء من الجسد وربما يتعدى الأمر هذا النطاق إلى العديد من محاولات الانتحار التي ينجح أغلبها بصورة مؤسفة.

وتشير الإحصائيات إلى أن 15 بالمئة من الشباب والمراهقين مروا بتجربة من هذا القبيل في إيذاء النفس، بصرف النظر عن الأسباب التي دفعتهم إلى ارتكاب هذا الجرم بحق أنفسهم. وما يثير القلق حقا أن المراهقين الذين يعانون من شكل أو أكثر من أشكال العنف الموجه للذات سيعاودون محاولاتهم هذه حتى بعد تقدمهم في السن إلى مراحل عمرية مختلفة، في حين أن الفتيات في الأعمار ما بين 15-24 عاما هن الأكثر عرضة لمحاولات إيذاء النفس، مما يدق على الآباء والمربين ناقوس الخطر بأنهن على استعداد في المستقبل لارتكاب محاولات انتحار قد تودي بحياتهن.

وضعت ليز كويش، الكاتبة والباحثة الأيرلندية في علم النفس التربوي، خلاصة تجربتها في التعامل مع حالات كثيرة لمراهقين وبالغين أيضا يعانون من نوع معين من حالات إيذاء النفس مع ما يصاحبها من أفكار انتحارية، خلال فترة عملها في مركز للعلاج السلوكي خلال الـ20 عاما السابقة، من خلال كتاب يمثل مرجعا مهما للآباء والمهتمين الذين يتعاملون مع حالات من هذا النوع. ويناقش الكتاب، ماهية الأسباب التي تدفع الشباب إلى إيذاء أنفسهم وأهم العلامات التحذيرية التي تنبؤ بأفعالهم هذه، إضافة إلى سبل التعامل معها لتلافي نتائجها الكارثية.

محاولة المراهقين إلحاق الأذى بأنفسهم، لا تعني رغبتهم في إنهاء حياتهم، بل هي وسيلة تواصل مع الآخرين

وترى كويش أن محاولة المراهقين إلحاق الأذى بأنفسهم، لا يعني بالضرورة رغبتهم في إنهاء حياتهم، بل هي وسيلة تواصل مع الآخرين مختلفة عن المعتاد، كما أنها طريقة للتعبير عن الاضطرابات النفسية ومتنفس للتفريج عن الهموم الداخلية التي يعانونها بصمت ولا يجرؤون على الإفصاح عنها للآخرين. بمعنى آخر، يحاول هؤلاء المراهقين إنهاء آلامهم النفسية بتحويل الألم إلى الجسد ليقوم ببقية المهام.

ومن خلال تجربتها في التعامل مع حالات مشابهة لمراهقين في سن 12 فأكثر تؤكد على أن هنالك أفكارا ومخاوف ومعاناة مشتركة تجمع أغلب أصحاب الحالات ويدور معظمها في إطار الصراع الفردي مع النفس وردود الأفعال المتطرفة وغير المنطقية لتطمين جملة من المخاوف النفسية مثل القلق، الشعور بالعزلة وبالتعب الجسدي المستمر، اليأس والاكتئاب النفسي، عدم الإحساس بالانتماء وغياب الثقة بالنفس والآخر، وهو ما أطلقت عليه مصطلح "متلازمة الانهزامية الذاتية". والمتلازمة تعبر عن مجموعة من الأعراض والخصائص النفسية التي تحدث في آن واحد مع تكرارها، وهي تمثل اضطرابا نفسيا وليس مرضا عقليا.

ويعاني هؤلاء في العادة من مشاعر قاتمة تغيم على سماء حياتهم وتمنعهم من رؤية شعاع الأمل ومشاعر الشباب في دواخلهم. وترى ليز كويش، أن "متلازمة الانهزامية الذاتية" تعمل كروح شريرة تتلبس عقول وأرواح هؤلاء المراهقين والشباب، وأغلبهم لا يمتلكون الوسيلة لطردها وبعضهم لا يعلم بوجودها من الأساس. وما يزيد من مخاوف المربين، أن معظم المراهقين الذين يحاولون إيذاء أنفسهم يميلون إلى إخفاء آثار الجروح أو الحروق التي يسببونها لأجسادهم، مع معاناتهم لاحقا من شعور متعاظم بالذنب والخجل.

"متلازمة الانهزامية الذاتية" تعمل كروح شريرة تتلبس عقول وأرواح هؤلاء المراهقين والشباب

وهنالك أسباب عدة لمعاناة المراهقين من هذه المتلازمة أكثرها انتشارا: تعرض المراهق للاعتداءات الجسدية أو الجنسية، انفصال الأبوين، تنمر الأصحاب في المدرسة، ضغوط الدراسة وتجارب الفشل وربما التوتر النفسي الذي يصيب بعض الفتيات في فترة الحيض.

وتنصح المؤلفة والخبيرة النفسية الآباء والمربين الذين يستشعرون علامات معينة تفيد أن أبناءهم يقعون ضحية لمحاولات إيذاء النفس أو في طريقهم إلى ذلك، بأن يلتزموا جانب الحذر ويتخذوا بعض الإجراءات الاستباقية: منها أن يتم التعامل مع المراهق بأسلوب هادئ وعدم استخدام أسلوب المواجهة المباشرة وتعنيفه أمام الآخرين، كذلك استخدام أسلوب الحوار البنّاء والحرص على تقديم المساعدة مع بعض الأسئلة المباشرة عن أسباب التغير في السلوك.

كما يجب أن يعكس أسلوب الحوار هذا صيغة التعاطف وتجنب اتخاذ موقف الند للند لأن الطريقة العنيفة في الحوار قد تؤدي إلى نتائج عكسية وقد تزيد الأمور سوءا، إذ أن من أهم الأسباب التي تدفع ببعض المراهقين إلى إيذاء أنفسهم هو فقدان ثقتهم بالآخرين وعدم احترام مشاعرهم ومعاناتهم وغياب الحوار الجاد مع الآباء، في حين يجب احترام طريقة تعبير الأبناء عن مخاوفهم هذه والتي يغلب عليها القلق والغضب والنقمة على الآخرين.

21