إيران: إصلاحيون أم خونة؟

الإيرانيون الذين أطاحوا بنظام الشاه جاؤوا إلى الثورة من جهة اليسار، أما الذين فازوا بالسلطة فقد جاؤوا من جهة اليمين، من جهة التخلف العقلي والهمجية الطائفية.
الأربعاء 2021/06/02
“الإصلاحيون” نجحوا في شيء واحد فقط هو إطالة أمد حياة النظام

يعرف “الإصلاحيون” في إيران اليوم كم أنهم خدعوا الناس وخدعوا أنفسهم بأنهم تيار يستطيع أن يُحدث إصلاحات في طبيعة النظام الذي أسس لجمهورية الخميني منذ العام 1979.

هم لا ينكرون، في الأساس، أن غايتهم النهائية هي “حماية الجمهورية الإسلامية” والدفاع عن بقائها وبقاء المنهج الذي قامت عليه.

أنظر في هذا المنهج بالذات، كما يجسده الدستور والآليات التي تفرضها مؤسسات النظام الغارق في التخلف العقلي والمشاريع الهمجية، وستعرف أين كان يكمن الخداع؟

المنطلق كان يقول إن تعزيز الحريات السياسية واقتصادا قائما على العدالة الاجتماعية يمكنه أن يحافظ على إرث الإمام الخميني من جهة الانفتاح والتعددية. وإن “الثورة” يتعيّن أن “تستقطب” جيل الشباب الذي يشكل الغالبية العظمى (نحو 60 في المئة) من كتلة الناخبين، وأن يرعى مشاغلهم ويتواكب مع تطلعاتهم.

ولكن الحقيقة، المسكوت عنها، هي أن هذا التيار أراد فقط أن يستولي على المكانة التي كانت تحتلها حركة “مجاهدي خلق” في الحياة السياسية قبل الثورة، ولدى انطلاقها، وقبل أن يتم التنكيل بها بحملة إعدامات طالت عشرات الآلاف من منتسبيها، وظلت حيّة في ضمائر الملايين.

الإيرانيون الذين أطاحوا بنظام الشاه، جاؤوا إلى الثورة من جهة اليسار. أما الذين فازوا بالسلطة، من رجال الدين، فقد جاؤوا من جهة اليمين؛ من جهة التخلف العقلي والهمجية الطائفية بالذات. ولئن كان هناك بينهم من تلبسوا الدور على الوجهين (أنصاف يساريين بجبّة وعمامة)، فقد كانوا في الغالب خلطة شعبوية من أخاليط المزاوجات الأيديولوجية التي لم تكسب رضا الزوجين معا. (من أمثال: محمود طالقاني الذي سعى إلى المصالحة بين العلم والدين، وكاظم شريعت مداري وعلي حسين منتظري ومحمد مهدي الشيرازي الذين رفضوا نظرية “ولاية الفقيه”، ومحمد حسين كاظميني بروجردي الذي طالب بفصل الدين عن الدولة).

صاحب الخدعة الأكبر هو الرئيس السابق محمد خاتمي، الذي أراد أن يجمع بين حماية نظام رجعي الأسس والمقومات وبين تقديم صورة اجتماعية تقدمية له.

في العام 1997 فاز خاتمي بأصوات 20 مليون إيراني، بينما لم يحظ مرشح المؤسسة الدينية علي أكبر ناطق نوري بأكثر من 3 ملايين صوت. حصل ذلك، رغم القناعات القاهرة لدى تلك المؤسسة بأن النتيجة سوف تكون العكس تماما. فوجئ الجميع بالنتيجة، حتى أن أنصار خاتمي أنفسهم ما كانوا يتطلعون إلى أكثر من نيل أصوات تلك الملايين الثلاثة لكي يقولوا لمؤسسة “الولي الفقيه” إنهم “قوة” جديرة بالاعتبار، وأن لهم مكانة كبيرة في المجتمع الإيراني يحسن الإصغاء إليها.

صاحب الخدعة الأكبر هو الرئيس السابق محمد خاتمي، الذي أراد أن يجمع بين حماية نظام رجعي الأسس والمقومات وبين تقديم صورة اجتماعية تقدمية له

اجتذاب ناخبي الضمير، كان هو الهدف، وليس الفوز بالسلطة فعلا. لاسيما وأن خاتمي قفز إلى الترشيح للرئاسة من وزارة الثقافة. أي من المؤسسة التي كانت على تماس مباشر مع نخب الطليعة المتحررة. وهذه النخب لا تأمل هي نفسها بأكثر من امتلاك حق النقد والاستشراف الحضاري.

لقد كان الأمر مجرد لعبة. ولكن حدث أن تحوّل الفوز بالسلطة إلى زلزال سياسي. ونظريا على الأقل، فقد كان كافيا لكي يهز جبل النظام. إلا أن خاتمي امتنع عما كان منتظرا منه. فاكتفى بالقليل والهامشي من الإصلاحات، وترك الباقي عامدا متعمدا، ليُسفر عن مجزرة ترث أخرى.

الزلزال لم يتوقف عند هذا الحد، بل إن التيار الذي صار يدعى حركة “2 خرداد”، فاز بانتخابات المجالس المحلية في العام 1998، ثم فاز بالانتخابات البرلمانية في العام 1999 أيضا. وهو ما كان يعني أن قادة تلك الحركة، وعلى رأسهم خاتمي نفسه، تمكنوا من أن يحكموا “قبضتهم” (أو في الأقل، تصوراتهم) على مؤسسات السلطة. ثم عاد خاتمي ليفوز بانتخابات العام 2001 أيضا.

ماذا كان المرء ليريد أكثر من أن يحظى بتأييد 90 في المئة من الناخبين (في انتخابات العام 1997) لكي يُحدث التغيير الذي يشاء؟ ماذا كانت حركة الإصلاح لتتمنى أكثر من أن تسيطر على الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية لكي تفرض تصورها التقدمي على النظام، وتقوم بإجراء تعديلات جوهرية على طبيعة النظام وأسسه وركائزه الدستورية؟ ماذا تريد أكثر من ثورة كبرى ناجزة شعبيا وديمقراطيا، لكي تكسب التغيير بالفعل؟

كل ذلك سرعان ما انهار كما تنهار قصور الرمال. والسبب هو أن خاتمي نفسه لم يشأ إلا أن يلعب دور شاهد الزور داخل مؤسسة النظام الذي زعم أنه أراد أن يحميه من نفسه، من جهة، ويحافظ على بقائه، من الجهة الأخرى.

صحيح أن خاتمي أتاح مقدارا محدودا من الحريات السياسية والإعلامية والقبول بنشاطات اجتماعية وحركة طلابية مؤثرة، ولكن الصحيح أيضا هو أنه سمح بذبح كل ذلك، بل وأشرف بنفسه على تعذيب معارضين للنظام، فقط من أجل أن يثبت ولاءه لمؤسسة الولي الفقيه. خان كل الذين انتخبوه من أجل الإصلاح، لكي يحظى برضا المؤسسة التي أراد أن يحميها.

منذ تلك اللحظة، استدرك علي خامنئي كل ما أتاح له النظام من صلاحيات، وبدأت المجزرة السياسية بمنع معظم أنصار “تيار الإصلاح” من الترشيح لانتخابات مجلس الشورى، وتم إطلاق يد الأجهزة القمعية، من تحت أنف خاتمي، في شن حملة اعتقالات وإعدامات طالت الآلاف ممن وثقوا به، وآمنوا بقدرته على الإصلاح. ويوم خرج الطلاب الجامعيون في تظاهرة عام 1999 احتجاجا على إغلاق صحيفة “سلام” فقد تم قمعها بأقسى أشكال التنكيل، واقتحم الحرس الثوري السكن الجامعي ليلا لكي يرتكب مجزرة هناك. وبقي خاتمي يتفرّج على سيل الدماء.

المسافة بين الفشل والخيانة كانت محدودة للغاية إلى درجة أن أحدا ما عاد ليعرف ما إذا كان خاتمي متواطئا أم عاجزا أم كلاهما معا؟

في عام 2005 فاز محمود أحمدي نجاد بالرئاسة بعد أن تغلب على هاشمي رفسنجاني في الدور الثاني، وبرغم “وسطيته” المزعومة، فقد كان لا أكثر من رجل ولاء مطلق لعلي خامنئي، وأول “الثورة المضادة” للتيار الذي صار يُعرف بأنه “متشدد”. وعاد ليفوز بالرئاسة للمرة الثانية عام 2009، بعد تزوير واسع النطاق شمل الملايين من الأصوات التي ذهبت إلى وزير الخارجية السابق مير حسين موسوي الذي انتهى به الأمر، إلى جانب مهدي كروبي، إلى السجن والإقامة الجبرية.

أحمدي نجاد هذا، هو نفسه، يرتدي ثوب الاحتجاج الآن، بعد أن رفض مجلس صيانة الدستور قبول ترشيحه من جديد. وكأنه سيفعل شيئا آخر غير ما فعله من قبل.

حسن روحاني كان آخر الخديعة. فعضو مجلس الخبراء (الذي ينتخب الولي الفقيه) وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام وعضو المجلس الأعلى للأمن القومي وكبير المفاوضين في ملف إيران النووي، كان عتلة في ماكينة النظام، ويعرف كل تفاصيلها، ولكن ظل يُنظر إليه على أنه “إصلاحي” يريد أن يرث ما تركه خاتمي من خراب.

أحمدي نجاد هذا، هو نفسه، يرتدي ثوب الاحتجاج الآن، بعد أن رفض مجلس صيانة الدستور قبول ترشيحه من جديد. وكأنه سيفعل شيئا آخر غير ما فعله من قبل

وكما هو واضح الآن، فإن 23 مليون ناخب الذين انتخبوه للرئاسة عام 2013 يعرفون جيدا أنه جزء من آلة القمع التي تعمّدت التنكيل باحتجاجات الأعوام 2017 و2018 و2019 فأودت بحياة الآلاف ثم الآلاف من الذين أشرف رئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي على إعدام الكثير منهم، ليفرش طريقه إلى الرئاسة بالجماجم في 18 من يونيو الجاري.

الإيرانيون يدركون تماما الآن أن مشروع الإصلاح الذي امتلك كل ما يحتاجه لتحقيق التغيير، عجز عنه ليس لأن مؤسسة الولي الفقيه، بكل ما يتبعها من أجهزة قمع وإرهاب، ظلت قوية وقادرة على الإمساك بمفاصل النظام الأساسية، بل لأن “الإصلاحيين” أنفسهم كانوا مجرد خونة، جبناء، ويمارسون الخداع بما كانوا يعلمون من طبيعة النظام. إذ تخرّج معظمهم من مفاصل النظام وظلوا يزعمون، زورا وبهتانا، القدرة على تغييره “من الداخل”. وعندما توفرت لهم الفرصة مرة ومرتين وثلاثا، فقد خذلوا وظلوا يخذلون ناخبيهم باستمرار.

وللمرء أن يلاحظ أن هؤلاء “الإصلاحيين” حكموا بلادهم 24 عاما بينها سلطة هاشمي رفسنجاني بين عامي 1989 و1997، وهي الآن في أتعس أحوالها من ناحية الحريات والحقوق الاجتماعية.

عدم الثقة بتياري النظام هو ما عبّرت عنه الاحتجاجات التي رفعت شعار “لا أصولي ولا إصلاحي.. اللعبة انتهت”، لتقول للذين باعوا الأوهام لشعبهم إن الطريق الوحيد للتغيير هو إسقاط النظام، وأنه لا سبيل لإصلاحه.

لقد نجح “الإصلاحيون” في شيء واحد فقط، هو إطالة أمد حياة النظام. وهو ما يكشف، بالدليل الملموس، ما هي طبيعة الوظيفة التي سُمح لهم بأدائها.

الامتناع عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع يبدو الآن وسيلة من وسائل الاحتجاج لنزع الشرعية عن هذا النظام، إلا أن التزوير سوف يكفل التغطية على هذا الاحتجاج. الأمر الذي يُبقي للإيرانيين طريقا واحدا لا ثاني له: المقاومة المسلحة والعصيان الشامل.

لقد حطّم “الإصلاحيون” آمال الملايين من الإيرانيين، بمقدار ما حطّم “المتشدّدون” كل وجه آخر من حياتهم، ليثبوا في النهاية أنهم شركاء في جريمة واحدة.

8