إيران: استحالة الإصلاح من الداخل

بما أن الحياة السياسية في إيران شبه معدومة ولا توجد أحزاب ذات مشاريع سياسية تختلف عن النظام الحالي، أو منافسة له للوصول للسلطة، فإن حدوث أي نوع من الإصلاحات وإن كانت شكلية غير ممكن.
الخميس 2018/03/08
لا بديل عن الاصلاحات

تفاءل الكثير عندما عمّت الاحتجاجات المـدن الإيرانية وأقاليمها غير الفارسية، آملين أن تتخلص المنطقة العربية ومجتمعاتها من نظام الجمهورية الإسلامية وسياساته الطائفية التي أدخلت المنطقة في أتون الصراع العقائدي الذي عفّى عليه الزمن.

وفي هذا السياق، يرى الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن الإيراني أن هذه الاحتجاجات التي بدأت شرارتها في الأيام الأخيرة من العام الماضي، والتي مازالت مستمرة في بعض المدن، وخاصة الرئيسة منها، لعدم قدرة الحكومة ومؤسساتها دفع رواتب العمال هناك، ربما تفضي إلى إصلاحات سياسية داخلية وربما خارجية.

إلا أنه وبالنظر إلى واقع إيران وبنية النظام الكهنوتي المعقد الحاكم هناك، والذي يستمد ديمومته من سيرة الخميني وأفكاره، وكذلك بما أن الحياة السياسية في إيران شبه معدومة ولا توجد أحزاب ذات مشاريع سياسية تختلف عن النظام الحالي وطبيعة سياساته، أو منافسة له للوصول للسلطة، فإن حدوث أي نوع من الإصلاحات وإن كانت شكلية على الأقل في المدى المنظور غير ممكن.

كما أن الانتخابات التي نشاهدها في جغرافية إيران السياسية، والتي عادة ما تعوّل عليها دول الإقليم لحدوث تغيير ما، ومنذ مجيء رجال الدين عام 1979 يتم هندستها من قبل النظام وبإشراف المرشد نفسه. والملاحظ في الأمر أن من يشارك في خداع الشعوب في إيران وجرّها للمشاركة في الانتخابات التي عادة ما تكون نسبة المشاركة فيها لا تقل عن 75 بالمئة، هم الإصلاحيون، وأخيرا المعتدلون، الوجه البشوش للمتشددين في طهران.

وللدلالة على استحالة فكرة الإصلاح في إيران، فإن كافة الوعود التي قطعها نظام الجمهورية الإسلامية، وبأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بدءا من عهد هاشمي رفسنجاني الذي أدخل العسكر (الحرس الثوري) للحياة السياسية والاقتصادية، ومروراً بمحمد خاتمي الإصلاحي الذي حصد أكثر من 20 مليون صـوت من الراغبين بالتغيير وإصلاح الوضع العام، ومحمود أحمدي نجاد الذي أوصل البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي، وختاما بحسن روحاني (ضرورة النظام)، الذي جاء بالوعود الرنانة لإصلاح ما أفسده أسلافه. فشلت كل تلك الوعود السابقة فشلاً ذريعا.

وفي هذا السياق أيضاً، وبالنظر إلى وجود أزمة ثقة بين أجنحة النظام الإصلاحية والأصولية من جهة، وبين النظام والمواطنين من جهة ثانية، دعا محمد خاتمي الرئيس الإيراني الإصلاحي السابق والمحاصر في بيته حالياً، لبدء حوار ومصالحة وطنية للخروج من الأزمة التي تعصف بالبلاد. إلا أن رموز التيار الأصولي وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، رفضوا هذا الطلب كلياً، وقال الأخير إنّ هكذا حوارا لا معنى له. كما أن صادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية، وتأييداً لرغبة المرشد، أكد أن المصالحة تتم فقط في حال هناك اختلاف في المبادئ والقضايا الأساسية.

وعليه، إذا ما نظرنا لواقع إيران السياسي منذ تأسيس الدولة الإيرانية في الربع الأول من القرن المنصرم، ونتيجة للإدارة الأمنية تجاه أبناء الشعوب في الأقاليم غير الفارسية، نجده وضعاً مضطربا جدا. وبما أن هذه الإشكالية ليست وليدة اليوم، ومتجذّرة في الفكر الفارسي المسيطر على مقاليد الحكم ومؤسساته في طهران، منذ تأسيس الدولة البهلوية عام 1926، فإن هذه الإشكالية أحدثت صراعاً وجوديا إن صح التعبير.

كما أن هذا الصراع أخذ في الآونة الأخيرة أبعادا مختلفة، ولم يقتصر على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة في البلاد، ولعل الاحتجاجات المستمرة منذ سنوات بين السلطات والسكان الأصليين في أذربيجان الجنوبية والأحواز العربية ولرستان على مصادر المياه وحرف مجرى الأنهار للعمق الفارسي تعتبر من الإشكاليات الآخذة بالتصاعد في جغرافية إيران السياسية، وبالتأكيد إذا ما تفاقمت سيتأثر الإقليم برمّته.

ومن جانب آخر كشفت الاحتجاجات حجم الفجوة بين النظام ومؤسساته الدينية والثقافية من جهة، والمجتمع المدني، حيث يشكّل الشباب 20 مليون من مجموع السكان، من جهة ثانية. والمشاهد الاحتجاجية اليومية التي نشاهدها في الشارع الإيراني خاصة تلك المتعلقة بالنشاط الاجتماعي الثقافي النسوي الذي أخذ أبعاداً مختلفة، هي في الواقع جانب من الصراع الدائر بين النظام التقليدي الذي فرضه رجال الدين منذ أربعة عقود والحداثة التي أصبحت هدفاً ومطلباً رئيساً للمجتمع المدني الإيراني.

هذا الوضع، يبيّن لنا وبوضح لا لُبس فيه، أن نظام الجمهورية الإسلامية لم يعُد قادراً على ضبط الشارع الإيراني والسيطرة عليه.

وبالمقابل، فإن الحراك المجتمعي الراغب بالتغيير وإصلاح الوضع العام أيضاً غير قادر أن يفرض مطالبه على النظام ومؤسساته الأمنية والعسكرية وجمهوره. والدعوة لاستفتاء عام في إيران من قبل حسن روحاني على القضايا المهمة والمصيرية كما سمّاها الأخير، لا سيما الرسالة التي وجهها لفيف من المثقفين الإيرانيين في الأيام الماضية لإجراء استفتاء حول نوعية النظام، تدل على عمق الأزمة في جغرافية إيران السياسية.

8